قال الشيخ جمال الدِّين الإِسنوي في كتابه "طبقات الشافعية" مترجمًا لشيخه تقي الدِّين السبكي ٢/ ٧٥ - ٧٦، ما نصّه:
شيخنا تقي الدِّين أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي السُّبكي.
كان أنظر من رأيناه من أهل العلم، ومن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلامًا في الأشياء الدقيقة، وأجلَدهم على ذلك. إن هطل درّ المقال فهو سَحَابُه، أو اضطرم نار الجدل فهو شِهَابُه، وكان شاعرًا، أديبًا، حسن الخط، وفي غاية الإِنصاف والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان أحد المستفيدين منه، خيِّرًا، مواظبًا على وظائف العبادات، كثير المروءة، مراعيًا لأرباب البيوت، محافظًا على ترتيب الأيتام في وظائف آبائهم.
وُلِد بسبْك، من أعمال المنوفية، في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، وبحث في الفقه على رجل أعمى بسنباط لأنَّ والده كان قاضيًا بها في ذلك الوقت، ثم رحل في صباه إلى القاهرة، فسمع من جماعة كثيرين، وأخذ العلم عن كبار مشايخ أهل الفن.
ثم رحل إلى الإِسكندرية، سنة أربع وسبعمائة، ثم إلى الشام في
[ ٨ ]
سنة سبع، ثم استقرَّ بالقاهرة، ودرَّس بالمدرسة المنصورية وغيرها، وتولَّى مشيخة الميعاد بالجامع الطولوني، ولازم الاشتغال والإِشغال والتصنيف والإِفتاء، وتخرَّج به فضلاء عصره، ولم يزل كذلك إلى العشر الأخير من جمادى الآخرة سنةَ تسع وثلاثين، فتولَّى قضاء الشام عند شغوره بموت الجلال القزويني، فباشر ذلك على ما يليق به، إلَّا أنه كان يعاب عليه حرصه على جمع الوظائف له ولأهله، "وحبّك للشيء يعمي ويُصمّ".
واستمرَّ إلى سنة ست وخمسين، فمرض بالشام، وسأل استقرار ولده مكانه، فاستقرَّ به، وعاد هو إلى الديار المصرية مريضًا، فسكن على شاطئ النيل قريبًا من جزيرة الفيل، ومات هناك، يوم الاثنين رابع جمادى الآخرة من السَّنة المذكورة، ودُفِن بمقابر الصوفية خارج باب النصر.
* * *