عن أبي سعيد ﵁، قال: «كان رسولُ الله - ﷺ - يعتكفُ في العشر الوُسَطِ من شهر رمضان» وقد دل الحديث: على أنه كان يعتكف العشر الوُسط لابتغاء ليلة القدر. وفي رواية: «أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الوسط، ثم قال: «إني أتيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناسُ معه» .
وقد ورد الأمرُ: بطلب ليلة القدر في النِّصف الآخر من رمضان، وفي أفراد ما بقي من العشر الوسط، وهما: ليلة سبع عشرة، وتسع عشرة، أما الأول: فروى الطبراني عن عبد الله بن أنيس أنه - ﷺ - سئل عن ليلة القدر؟ فقال: «رأيتُها وأُنْسِيْتُها، فتحرَّوها في النصف الآخر» الحديث. وكلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهار، فإن آخره أفضلُ من أوله.
وأما الثاني: فروى أبو داود عن ابن مسعود مرفوعًا: «اطلبوها ليلة سبع عشرة»، وقالوا: إن صبيحتها كان يوم بدر. والمشهور عند أهل السِّير والمغازي: أن ليلة بدرٍ ليلةُ سبع
[ ٥١ ]
عشرة، وكانت ليلة جمعةٍ، وكان زيدٌ بن ثابت لا يحيي ليلةً من رمضان كما يحيى ليلة سبع عشرة، ويقول، إن الله تعالى فرق في صبيحتها بين الحق والباطل، وأذلَّ في صبيحتها أئمة الكفر.
وحكى أحمدُ عن أهل المدينة: أن ليلة القدر تطلبُ ليلة سبع عشرة.
وأصحُّ ما روي من الحوادث في هذه الليلة: أنها ليلةُ بدر، وصبيحتها هو يوم الفرقان، وسمي يوم الفرقان: لأن الله تعالى فرق فيه بين الحق والباطل، وأظهر الحق وأهله على الباطل وأهله، وعلت كلمةُ الله وتوحيدُه، وذُلَّ أعداؤه من المشركين وأهل الكتاب.
وفي الموطأ عن طلحة بن عبيد الله مرفوعًا: «ما رئِي الشيطانُ أحقر ولا أدحر ولا أصغر منه يوم عرفة، إلا ما رؤي يوم بدر، فقيل: ما رؤي يوم بدر؟ قال: رأى جبريل - ﵇ - يزُع الملائكة» .
وفي ليلة القدر تنتشرُ الملائكةُ في الأرض، فيبطل سلطان الشياطين، كما قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ .
وفي المسند عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «الملائكةُ في الأرض في تلك الليلة، أكثر من عدد الحصى» .
[ ٥٢ ]
وفي صحيح ابن حبان عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - في ليلة القدر: «لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها» .
وفي المسند عن عبادة مرفوعًا: «لا يحل لكوكب أن يرمى به فيها حتى يصبح، وإن أمارَتها: أن الشمس تخرجُ في صبيحتها مستويةً ليس لها شعاع، مثلُ القمر ليلةَ البدر، ولا يحلُّ لشيطانٍ أن يخرج معها يومئذٍ» .
وروي عن ابن عباس ﵄ قال: «إن الشيطان يطلعُ مع الشمس كلَّ يومٍ، إلا ليلةَ القدرِ، وذلك أنها تطلُعُ لا شعاعَ لها» وقال مجاهد: (سلامٌ هي) قال: «لا يحدث فيها داءٌ، ولا يستطيع الشيطان العمل فيها» وعنه قال: «ليلةُ القدر ليلةٌ سالمةٌ، لا يحدثُ فيها حدثٌ، ولا يرسل فيها الشيطان» وعنه قال: «سالمةٌ، لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سُوءًا، ولا يُحدثُ فيها أذىً» .
وعن ابن عباس قال: في تلك الليلة تُصفَّدُ مردةُ الجنِّ وتُغَلُّ عفاريت الجن، وتُفتحُ فيها أبوابُ السماءِ كلُّها، وتُقبلُ فيها التوبةُ من كلِّ تائبٍ، فلذلك قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ .
أبشروا يا معشر المسلمين: فهذه أبوابُ الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فُتِّحت، ونسماتُها على قلوب المؤمنين قد تفَتَّحت، وأبوابُ الجحيم كلُّها لأجلكم مغلقة، وأقدامُ
[ ٥٣ ]
أبليس وذريته من أجلكم موثقة.
قَصِّمُوا ظهره بكلمة التوحيد، فهو يشكو ألم الانكسار في كل موسم من مواسمِ الفضل، ففي هذا الشهر يدعو بالويل، لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزبُ الرحمن. وهرب حزبُ الشيطان.
عباد الله: هذا شهر رمضان قد انتصف، فمن منكم حاسب نفسه فيه لله وانتصف؟ من منكم قام في هذا الشهر بحقِّهِ الذي عرف؟ ألا إن شهركم قد أخذ في النقص فزيدوا في العمل، فكأنكم به وقد انصرف، فكلُّ شهر فعسى أن يكون منه خلف، أما شهر رمضان، فمن أين لكم منه خلف؟
تنصف الشهرُ وا لهفاهُ وانصرَما واختصَّ بالفوزِ بالجناتِ مَنْ خَدَما
وأصبح الغافلُ المسكينُ منكسِرا مثلي، فيا ويحَهُ، يا عُظمَ ما حُرما
من فاتُه الزرعُ في وقت البذارِ فما ترَاهُ يحصُدُ إِلاَّ الهمَّ والنَّدَما
طُوبَى لمن كانت التَّقوى بِضاعتَه في شهرِه وبحبلِ اللهِ مُعْتَصِما
فصلٌ