عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه. وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن رسول الله - ﷺ - ذكر شهر رمضان فقال: «إن رمضان شهر فرض الله صيامه، وإني سننت للمسلمين قيامه، فمن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه» أخرجه النسائي، وقال: الصواب عن أبي هريرة.
ولنذكر ههنا طرفًا في فضل قيام الليل، قال الله تعالى:
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ومدح قومًا فقال: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ .
وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام، أن النبي - ﷺ - قال: «يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلام» .
[ ٤٧ ]
وروي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل» وللترمذي عن بلالٍ مرفوعًا: «عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم. وإن قيام الليل مقربة لكم إلى ربكم، مكفرة للسيئات، ومنهاةٌ عن الإثم، ومطردة للداء عن الجسد» .
وفي حديث الكفارات، والدرجات قال: «ومن الدرجات: إطعامُ الطعامِ، وطيبُ الكلامِ، وأن تقوم بالليلِ والناسُ نيامٌ» صححه البخاري، والترمذي.
وروى الطبراني عن أبي الدرداء مرفوعًا: «ثلاثة يحبهم الله ويضحكُ إليهم، ويستبشر بهم- فذكر منهم- الذي له امرأة حسناءُ وفراشٌ حسن، فيقومُ من الليل، فيقول الله تعالى: يذر شهوته، فيذكرني، ولو شاء لرقد» .
وفي المسند عن ابن مسعود مرفوعًا: «عجب الله من رجلين: رجلٍ ثار عن وطائهِ ولحافِه بين أهلهِ وحِبِّه، إلى صلاته رغبة فيما عندي» .
وفي حديث أبان عن أنس عن ربيعة، عن النبي - ﷺ - قال: «ثلاثة مواطن لا ترد فيها الدعوة: رجل يكون في برِّية حيث لا يراه أحد، فيقوم فيصلي، فيقول الله لملائكته: علم عبدي هذا أن له ربًا يغفرُ الذنوب، فانظروا ماذا يطلب؟ فتقول الملائكة: أي رب رضاك ومغفرتك، فيقول الله أشهدُكم أني
[ ٤٨ ]
قد غفرت له ورضيت عنه. ورجل يقوم من الليل، فيقول الله: أليسَ قد جعلتُ الليل سكنًا، والنوم سُباتًا؟ فقام عبدي هذا يصلِّي، يعلمُ أنَّ له ربًّا يغفرُ الذنب، فيقول الله لملائكته: انظروا ماذا يطلبُ عبدي؟ فتقول الملائكة: أي رب رضاكَ ومغفرتك، فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت له ورضيت عنه» .
وروى أحمد عن عقبة مرفوعًا، قال: «رجلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل، يعالج نفسه إلى الطهور، وعليه عُقَدٌ، فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحَّلت عُقدةٌ، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الله - ﷿ - للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه يسألني، ما سألني عبدي هذا فهو له» .
وفي الأثر المشهور: «كذب من ادعى محبتي، فإذا جنَّه الليل نام عنِّي، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ فها أنا مطلع على أحبابي، إذا جنّهم الليل، جعلت أبصارهم في قلوبهم، فخاطبوني على المشاهدة. وكلَّموني على حضوري، غدًا أقرُّ أعين أحبابي في جناتي» .
ينزل الله تعالى كلّ ليلة إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من داع فأجيب دعوته؟ إلى أن ينفجر الفجر؛ كان بعض السلف يقوم
[ ٤٩ ]
الليل، فنام ليلة، فأتاه آتٍ في منامه، فقال له: قُمْ؛ أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل خزانها؟
قيل لابن مسعود: ما نستطيع قيام الليل؛ قال: أقعدتكم ذنوبكم وقيل: لبعض المحبين: قد أعجزنا قيام الليل، قال: قيدتكم خطاياكم. وقال الفضيل: إذا لم تقدر على قيام الليل وصيام النهار فاعلم أنك محروم قد قيدتك خطيئتك.
يا من ضيع عمره في غير طاعة، يا من فرط في شهره بل دهره وأضاعه، يا من بضاعتُه التسويفُ والتفريطُ، وبئس البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشفاعة كلُّ قيام لا ينهى صاحبه عن الفحشاء والمنكر، لا يزيد صاحبه إلا بعدًا، وكل صيام لا ينهي عن قول الزور والعمل به، لا يورثُ صاحبه إلا مقتًا وردًَّا. يا قوم: أين آثار الصيام؟ أين أنوارُ القيام؟
عباد الله، هذا شهرُ رمضان، وفي بقيته للعابدين مُسْتَمْتَعْ، وهذا كتابُ الله فيه يتلى ويُسْمَعُ، وهذا القرآنُ لو أنزل على جبل لرأيته خاشعًا يتصدع، ومع هذا فلا قلبٌ يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان فينفع، ولا قيامٌ استقام فيرجى أن يشفع.
قلوب خلت من التقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها الذنوب فهي لا تبصر ولا تسمع، كم يتلى علينا القرآن
[ ٥٠ ]
وقلوبُنا كالحجارة أو أشدُّ قسوة؟ كم يتوالى علينا شهرُ رمضان، وحالنا فيه كحال أهل الشِّقْوَة؟ أين نحن من قوم إذا سمعوا داعيَ الله أجابوا، وإذا تليت عليهم آياتُه وجِلَت قلوبهم وأنابوا؟