في الصحيحين عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل العشرُ شدَّ مئزرَه، وأحيَا ليله، وأيقظَ أهلَه» وفي رواية لمسلم عنها، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يجتهدُ في العشرِ الأواخرِ من رمضانَ ما لا يجتهدُ في غيرِه» .
[ ٥٤ ]
كان النبي - ﷺ - يخصُّ العشر الأواخر من رمضان، ما لا يخصُّ غيره، بأعمالٍ يعملُها في بقية الشهر.
فمنها إحياء الليل؛ فيحتمل أن المراد إحياء الليل كلِّه، وروي من وجه فيه ضعفٌ بلفظ: «وأحيا الليل كُلَّه» وفي المسند من وجهٍ آخرَ عنها قالت: «كان النبي - ﷺ - يخلطُ العشرين بصلاةٍ ونومٍ. فإذا كان العشرُ- تعني الأخيرَ- شمَّرَ وشَدَّ المئزر» .
وخرَّج أبو نعيم بإسناد فيه ضعف، عن أنس ﵁: «كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل رمضان قام ونام، فإذا كان ليلةُ أربعٍ وعشرين لم يَذُق غمضًا» .
ويحتمل أن يراد بإحياء الليل إحياء غالبه؛ وروي عن بعضهم من أحيى نصف الليل فقد أحيى الليل؛ وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما علمتُهُ - ﷺ - قام ليلة حتى الصباح.
ونقل عن ابن عباس ﵄: أن إحياءها
يحصلُ بأن يُصلِّيَ العشاء في جماعة، ويعزمَ على أن يصلِّي الصبح في جماعة؛ وقال الشافعي: من شهد العشاء والصبح
ليلة القدر، فقد أخذ بحظه منها، ونقل مثله مالكٌ عن ابن المسيب، وروي مرفوعًا: من حديث أبي هريرة «من صلى
[ ٥٥ ]
العشاء في جماعةٍ في رمضان، فقد أدرك ليلة القدر» أخرجه الأصبهاني.
ويروى من حديث أبي جعفر، محمد بن علي مرفوعًا: «من أدرك رمضان صحيحًا مسلمًا، فصام نهاره، وصلى وردًا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكر إلى جمعه، فقد صام الشهر واستكمل، الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرب» قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء. رواه ابن أبي الدنيا.
ومنها: أنه - ﷺ - كان يُوقظُ أهله للصلاة في ليالي العشر دون غيرها. وفي حديث أبي ذر ﵁ أنه - ﷺ - قام بهم ليلة ثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبع وعشرين؛ وذكر أنه دعا أهله ونساءه ليلةَ سبع وعشرين خاصة. وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظُهم في آكد الأوتار، التي ترجى فيها ليلةُ القدر.
وروى الطبراني عن علي ﵁ أنه - ﷺ -: كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان، وكلَّ صغيرٍ وكبيرٍ يطيق الصلاة؛ قال سفيان الثوري: أحبُّ إليَّ إذا دخل العشر الأواخر: أن يتهجد بالليل ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك.
وصح أنه - ﷺ -: كان يطرق فاطمة، وعليًا ليلا، فيقول «تقومان
[ ٥٦ ]
فتصليان؟»، وكان يوقظ عائشة بالليل، إذا قضى تهجُّدَهُ وأراد أن يوتر.
وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصلاة، ونضح الماء على وجهه.
وفي الموطأ: أن عمر ﵁، كان يصلي من الليل ما شاء الله، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ الآية.
ومنها: أنه - ﷺ -: كان يَشُدُّ المئزر، والمرادُ اعتزاله النساء. وورد أنه لم يأو إلى فراشه، حتى ينسلخ رمضان. وفي حديث أنس: «وطوى فراشه، واعتزل النساء» .
وقد كان - ﷺ -: يعتكفُ العشر الأواخر؛ والمعتكفُ ممنوعٌ من قربان النساء بالنصَّ والإجماع؛ وقد قال طائفةٌ من السلف في قوله تعالى: ﴿فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إنه طلبُ ليلةِ القدر.
والمعنى في ذلك: أن الله تعالى لما أباحَ مباشرةَ النساء،
في ليالي الصيام، إلى تَبَيُّن الخيطِ الأبيض من الخيط
الأسود، أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر، لئلا يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر، بالاستمتاع المباح، فيفوتُهم طلبُ ليلةِ
[ ٥٧ ]
القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجد من الليل، خصوصًا في الليالي المرجوَّة فيها، فمن ههنا كان - ﷺ - يصيبُ من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزلُ نساءهُ، ويتفرغُ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
ومنها: تأخيره الفطور إلى السحور. روي عن عائشة وأنس أنه - ﷺ - كان في ليالي العشرة يجعل عشاءه سحورًا. وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد مرفوعًا قال: «لا تواصلوا. فيأيكم أراد ان يُواصل فليواصل إلى السحر» قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: «إني لست كهيئتكم، إني أبيتُ لي مطعم يطعمني، وساقٍ يسقيني» .
وهذا إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه، في صيامه وخلوته بربه، لمناجاته وذكره، من مواد أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية، والمنح الربانية ما يغذيه، ويغنيه عن الطعام والشراب.
الذكر، قوت العرافين، يغنيهم عن الطعام والشراب؛ لما جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة، فأُفٍّ: لمن باع لذة المناجاة، بفضل لقمةٍ أو لقيمات.
ومنها: اغتسالُه بين العشاءين؛ روى ابن أبي عاصم عن عائشة ﵂: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في رمضان نام وقام، فإذا دخل العشرُ شدَّ المئزر، واجتنب النساء،
[ ٥٨ ]
واغتسل بين العشاءين يعني المغرب والعشاء.
وروي عن علي ﵁: أنه - ﷺ - كان يغتسلُ بين العشاءين كل ليلةٍ، يعني من العشر الأواخر. وفي إسناده ضعف. وروي عن حذيفة ﵁، أنه: قام مع النبي - ﷺ - ليلةً في رمضان، فاغتسل، وبقي فضلةٌ، فاغتسل بها حذيفةُ، رواه ابن أبي عاصم.
قال ابنُ جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلَّ ليلةٍ من ليالي العشر الأواخر، ومنهم من كان يغتسل ويتطيبُ، في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر. وروي عن أنس: أنه إذا كان ليلةُ أربع وعشرين اغتسل وتطيَّب، ولبس حُلَّةً وإزارًا ورداءً، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.
وقال حمَّادُ بن سلمةَ: كان ثابتٌ وحميدٌ: يلبسان أحسن ثيابهما، ويتطيبان، ويطيبان المسجد بالنضوح والدُّخنة، في اللِّيلة التي تُرجى فيها ليلة القدر.
فيستحبُّ في الليالي التي تُرجى فيها ليلةُ القدر: التنظُّفُ، والتطيُّبُ، والتزيُّن بالغسل والطيب، واللباس الحسن، كما شُرع ذلك في الجمع والأعياد. وكذلك يشرعُ أخذُ الزينة بالثياب، في سائر الصلوات، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزين له؛ وروي عنه مرفوعًا.
[ ٥٩ ]
ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزيين الباطن، بالإنابة والتوبة وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها، فإنَّ زينةَ الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئًا.
إذا المرءُ لم يلبس ثيابًا من التقى تقلَّب عُريانا، وإِن كانَ كاسيا
والله سبحانه: لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنَّما ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه، فليزين ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التقوى، قال تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ .
ومنها: الاعتكافُ، ففي الصحيحين عن عائشة ﵂: «أن النبي - ﷺ - كان يعتكفُ العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله» .
وإنما كان - ﷺ - يعتكفُ في هذه العشر، التي تطلب فيها ليلةُ القدر. قطعًا لأشغاله، وتفريغً لباله، وتخلّيًا لمناجاةِ ربه، وذكره ودعائه.
وذهب أحمدُ: أنَّ المعتكف لا يستحبُ له مخالطةُ الناس، حتى ولا تعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضلُ له: الانفرادُ بنفسه، والتخلي بمناجاة ربه، وذكره ودعائه.
وهذا الاعتكاف، هو: الخلوةُ الشرعية، وإنما يكون في المساجد، لئلا يُترك به الجمعُ والجماعات، فإنَّ الخلوة
[ ٦٠ ]
القاطعة عن الجمع والجماعات منهيٌّ عنها؛ وسئل ابنُ عباس ﵄: عن رجل يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يشهدُ الجمعة ولا الجماعة؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة: هي الاعتكافُ في المساجد، خصوصًا في شهر رمضان، وخصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي - ﷺ - يفعله. فالمتعكفُ قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كُلَّ شاغلٍ يشغلهُ عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه وما يقربه منه، فما بقي له همٌّ سوى الله وما يرضيه عنه.
ومعنى الاعتكاف وحقيقتُه: قطعُ العلائق عن كُلِّ الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق. وكلَّما قويت المعرفة والمحبّةُ له، والأنسُ به: أورثت صاحبها الانقطاع إليه بالكلية على كُلِّ حال. كان بعضهم لا يزالُ منفردًا في بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ فقالك كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليسُ من ذكرني؟» .
يا من أضاع عمرهُ في لا شيء: استدرك ما فاتك في ليلة القدر. فإنها تحسب من العمر؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ .
قال مالكٌ: بلغني أن النبيَّ - ﷺ - أُريَ أعمارَ الناس قبلَه، أو
[ ٦١ ]
ما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أُمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر.
وروي عن مجاهد: أن النبي - ﷺ - «ذكر رجلًا من بني إسرائيل لبس السلاح ألف شهر» فتعجب المسلمون من ذلك، فأنزل الله هذه السورة: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ التي لبس فيها ذلك الرجل السلاح في سبيل الله ألف شهر. وقال النخعي: العملُ فيها خبرٌ من العمل في ألف شهر سواها.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه» . وفي المسند عن عبادة مرفوعًا: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» . وفي المسند والنسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال: في شهر رمضان: «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» .
قال جويبرٌ، قلتُ للضّحَّاكِ: أرأيتَ النُّفساءوالحائض، والمسافر والنائم، لهم في ليلة القدر نصيبٌ؟ قال: نعم؛ كُلُّ من تقبل الله عمله، سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
المعوَّلُ على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبارُ ببر
القلوب وطهارتها، لا بعمل الأبدان، رُبَّ قائمٍ حظَّهُ من قيامه
[ ٦٢ ]
التعبُ والسهرُ، كم من قائم محروم، ونائم مرحوم، هذا نائم وقلبه ذاكر، وهذا قائم وقلبه فاجرٌ، لكن العبدُ مأمورٌ بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال الصالحات، والانزجار عن المكروهات، وأعمال السيئات، وكُلٌّ ميسرٌ لما خلق له، أما أهلُ السعادة فيُيَسرُن لعمل أهل السعادة، وأما أهلُ الشقاوة فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشقاوة، فالمبادرة المبادرة، إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن تُدرك ما فات من ضياع العمر.
فَصْلُ