في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله تعالى: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» .
وفي رواية: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي» .
وفي رواية للبخاري: «لكل عمل كفارة، والصوم لي، وأنا أجزي به» .
ولأحمد: «كل عمل ابن آدم كفارة إلا الصوم، والصوم لي، وأنا أجزي به» .
[ ١٣ ]
فعلى الرواية الأولى: يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة، فتكون الأعمال تضاعفُ بعشر أمثالِها إلى سبعمائَةِ ضعفٍ إلا الصوم، فإنه لا ينحَصرُ تضعيفه، بل يضاعِفه الله أضعافًا كثيرةً. فإن الصيام من الصبر، وقد قال الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
ولهذا روي عن النبي - ﷺ -: أنه قال: «شهر رمضان شهر الصبر» وعنه أنه قال: «الصوم نصف الصبر» رواه الترمذي.
والصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وتجتمع الثلاثة كلها في الصوم. وتقدم في حديث سلمان: «هو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة» وروى الطبراني عن ابن عمر ﵁ مرفوعًا: «الصيام لله، لا يعلم ثوابه إلا الله» .
واعلم أن مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب.
منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم، ولذلك تضاعف الصلاة في مسجديْ مكة والمدينة، كما ثبت في الصحيح «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» وفي رواية «فإنه أفضل» ولذلك روي أن الصيام يضاعف بالحرم. وفي سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف. عن ابن عباس مرفوعًا: «من أدرك رمضان بمكة فصامه وقام منه ما تيسر: كتب الله له مائة
[ ١٤ ]
ألف شهر رمضان فيما سواه» وذكر له ثوابًا كثيرًا.
ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة وتقدم في حديث سلمان في فضل شهر رمضان «من تطوع فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه» .
وفي الترمذي عن أنس ﵁، سئل النبي - ﷺ -: أي الصدقة أفضلُ؟ قال: «صدقة في رمضان» .
وفي الصحيحين عنه - ﷺ - قال: «عمرة في رمضان، تعدل حجة» أو قال: «حجة معي»، وروي في حديث «أن عمل الصائم مضاعف» .
وذكر ابن أبي مريم عن أشياخه: أنهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنفقة، فإن النفقة فيه مضاعفة كالنفقة في سبيل الله، وتسبيحةٌ أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
قال النخعي: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحةٌ فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.
فلما كان الصيام في نفسه مضاعفًا أجره بالنسبة على سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفًا على سائر الصيام،
[ ١٥ ]
لشرف زمانه، وكونه هو الصوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها.
وقد يضاعف الثواب بأسباب أخر، منها: شرف العامل عند الله وقربه منه، وكثرة تقواه، كما ضوعف أجر هذه الأمة على أجور من قبلهم من الأمم. وأما على الرواية الثانية: فاستثناء الصيام يرجع إلى أن سائر الأعمال للعباد، والصيام اختصه الله لنفسه كما يأتي، وأما الرواية الثالثة: فالاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال.
ومن أحسن ما قيل في ذلك: ما قاله سفيان، قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها «إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله - ﷿ - ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة» رواه البيهقي وغيره.
وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصيام لله - ﷿ -، فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصيام، بل أجره مدخر لصاحبه عند الله، وحينئذ فقد يقال: إن سائر الأعمال قد يكَّفرُ بها ذنوب صاحبها، فلا يبقى له أجر، فإنه روي: «إنه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات، ويقص بعضها من بعض.
فإن بقي حسنة دخل بها صاحبها الجنة»، وفيه حديث مرفوع فيحتمل أن يقال في الصوم: إنه لا يسقط ثوابهُ بمقاصة ولا
[ ١٦ ]
غيرها، بل يوفَّر أجرهُ لصاحبه حتى يدخل الجنة، فيوفى أجرُه فيها.
وأما قوله: «فإنه لي» فإن الله خص الصيام بإضافته إلى نفسه دون سائر الأعمال؛ وذكر في معنى ذلك وجوه، من أحسنها وجهان:
أحدهما: أن الصيام مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية، التي جبلت على الميل إليها لله - ﷿ - ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام. فإذا اشتد توقان النفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله في موضع لا يطلع عليه إلا الله: كان ذلك دليلا على صحة الإيمان.
فإن الصائم يعلم أن له ربا يطلع عليه في خلوته، وقد حرم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربه وامتثل أمره، واجتنب نهيه، خوفًا من عقابه ورغبة في ثوابه، فشكر الله له ذلك، واختص لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله، ولهذا قال بعد ذلك «إنه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» قال بعض السلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.
لما علم المؤمن الصائم أن رضى مولاه في ترك شهواته، قَدَّمَ رضى مولاهُ على هواه، فصرات لذتُه في ترك شهواتِه لله، لإيمانِه باطلاع الله وأن ثوابَه وعقابَه أعظمُ من لذةٍ يتناولُها في
[ ١٧ ]
الخلوة، إيثارًا لرضى ربه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشد من كراهته لألم الضرب.
ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في رمضان لغير عذر لم يفعل، لعلمه بكراهية الله تعالى لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان: أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أن الله يكرهه، فتصير لذته فيما يرضي مولاه، وإن كان مخالفًا لهواه.
وإذا كان هذا فيما حُرَّمَ لعارض الصوم: من الطعام والشراب، ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكد ذلك فيما حُرِّمَ على الإطلاق، كالزنا وشرب الخمر، وأخذ أموال الناس بالباطل، وهتك الأعراض بغير حق، وسفك الدماء المحرمة، فإن هذا يسخط الله على كل حال، وفي كل مكان وزمان.
الوجه الثاني: أن الصيام سرٌّ بين العبد وبين ربه لا يطلعُ عليه غيره، لأنه مركبٌ من نيةٍ باطنةٍ لا يطلعُ عليها إلا الله، وتركٍ لتناولِ الشهوات التي يستخفى بتناولها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء.
وقد يرجع إلى الأول، فإن من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله - ﷿ -، بحيث لا يطلع عليه غير من أمره ونهاه: دلَّ على صحة إيمانه، والله تعالى يحبُّ من عباد أن يعاملوه سرًا بينهم
[ ١٨ ]
وبينهُ بحيثُ لا يطلعُ على معاملتهم إياهُ سواهُ.
وقوله: «ترك شهوتهُ وطعامه من أجلي» فيه إشارةٌ إلى ما ذكر من أن الصائمين يتقربون إلى الله تعالى، بترك ما تشتهيه نفوسهم من الطعام والشراب والنكاح، وهذه أعظمُ شهوات النفس.
وفي التقرب إلى الله بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد.
منها: كسرُ النفس، فإن الشبع والرِّيَّ ومباشرة النساء، تحملُ النفس على الأشَر والبطرِ والغفلةِ.
ومنها: تخليِّ القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات يقسَّي القلب ويُعميه، ويحولُ بين القلب والذكر والفكر، ويستدعي الغفلة، وخلوة البطن من الطعام والشراب ينورُ القلب، ويوجبُ رقَّته، ويزيلُ قسوتهُ، ويُخْليهِ للذكر والفكر.
ومنها: أن الغني يعرفُ قدر نعمة الله عليه، بإقداره له على ما منعهُ كثيرًا من الفقراء، من فضول الطعام والشراب، والنكاح، فإنه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص، وحصول المشقة له بذلك، يتذكرُ به مَنْ مُنع منْ ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج، ومواساته بما يمكنُ من ذلك.
[ ١٩ ]
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم، التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم. فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فتسكنُ بالصيام وساوسُ الشيطان، وتنكسرُ سورةُ الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبي ُّ - ﷺ - الصوم وجاءً، لقطعه عن شهوة النكاح.
واعلم أنه لا يتمُّ التقربُ إلى الله تعالى بترك هذه الشهوات المباحة، في غير حالة الصيام، إلا بعد التقرب إليه بترك ما حرم الله عليه في كلِّ حالٍ: من الكذب، والظُّلم، والعُدوان، على الناس في دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولهذا قال - ﷺ -: «من لم يدَعْ قولَ الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه» أخرجه البخاري. وفي حديث آخر: «ليس الصيامُ من الطعام والشراب، إنما الصيامُ من اللغو والرفث» قال ابن المديني: على شرط مسلم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «الصيامُ جُنَّةٌ، فإذا كان يومُ صومِ أحدكم، فلا يَرْفُثُ ولا يفسق، ولا يجهل، فإن سابَّه أحدٌ فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ» . «الجُنةُ»: ما يستر صاحبه، ويحفظه من الوقوع في المعاصي. «والرَّفثُ»: الفُحْشُ، ورديءُ الكلامِ.
ولأحمد والنسائي عن أبي عُبيدة مرفوعًا: «الصيامُ جُنّةٌ ما لم يُخرِّقْها» . وروى الطبراني عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن
[ ٢٠ ]
الصيام جُنَّةٌ ما لم يُخرِّقْها، قيل: بم يُخرّقْها؟ قال بكذب أو غيبة» وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: «الصائمُ في عبادة، ما لم يغتب مسلمًا أو يؤذه» وعن أنس: «ما صام من ظلَّ يأكلُ لحوم النَّاس» .
قال بعض السلف: أهونُ الصيام: تركُ الطعام والشراب. وقال جابرٌ: إذا صُمت فليصم سمعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقارٌ وسكينةٌ، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
إذا لم يكنْ في السَّمع مني تصاوُنٌ
وفي بصري غَضٌّ، وفي منطقي صمتُ
فحظِّي إذًا من صومي الجوعُ والظمأ
فإن قلتُ: إني صمتُ يومي فما صمتُ
وقال النبي - ﷺ -: «رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه الجوع والعطشُ، ورب قائمٍ حظهُ من قيامه السهرُ» .
وسرُّ هذا: أن التقربَ إلى الله بتركِ المباحات، لا يكملُ إلاّ بعد التقرب إلى الله بترك المباحات، لا يكمل إلا بعد التقرب إليه بترك المحرمات، فمن ارتكب المحرمات، ثم تقرب إلى الله بترك المباحات: كان بمثابة من يتركُ الفرائض، ويتقربُ بالنوافل.
وفي مسند أحمد: أن امرأتين صامتا في عهد رسول الله - ﷺ -، فكادتا أن تموتا من العطش، فذُكِرَ ذلك للنبي - ﷺ -،
[ ٢١ ]
فأعرض عنهما، ثم ذكرتا له، فدعاهما، فأمرهما، أن تتقيئآ، فقاءتا ملء قدحٍ قيحًا، ودمًا وصديدًا، ولحمًا عبيطًا، فقال النبي - ﷺ -: «إن هاتين صامتا عمّا أحل الله لهما، وأفطرتا على ما حرَّمَ اللهُ عليهما، جلستْ إحداهُما إلى الأخرى، فجعلتا تأكلان لحوم الناس» .
وقولُه - ﷺ -: «للصائم فرحتان: فرحةٌ عند فطره، وفرحة عند لقاء ربِّه» أمَّا فرحةُ الصائم عند فطره: فإن النفوس مجبولةٌ على الميل إلى ما يلائمُها، من مطعمٍ، ومشرب، ومنكحٍ، فإذا مُنعت من ذلك في وقت من الأوقات، ثم أُبِّيح لها في وقتٍ آخر، فرحت بإباحة ما مُنعت عنه، خصوصًا عند اشتداد الحاجة إليه.
فإن النفوس تفرح بذلك طبعًا، فإن كان ذلك محبوبًا لله، كان محبوبًا شرعًا، والصائمُ عند فطره كذلك، فكما أن الله حرَّم على الصائم تناوُل هذه الشهوات، في نهار الصيام، فقد أذن له فيها في ليل الصيام، بل أحبَّ منه المبادرة إلى تناولها، في أول الليل وآخره، بل أحبُّ عباده إليه أعجلُهُم فطرًا، لما في الصحيحين عن سهلٍ مرفوعًا: «لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطر» .
وللترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «قال الله - ﷿ -: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطرًا» وروى أحمد عن أبي ذرّ مرفوعًا:
[ ٢٢ ]
«لا تزال أمتي بخير ما عجّلوا الفطر، وأخرُوا السّحور» .
وروى الحاكمُ، وابن عساكر عن ابن عمر، وأنسٍ مرفوعًا: «من فقه الرجل تعجيل فطره، وتأخيرُ سحوره، وتسحروا فإنَّه الغذاءُ المُباركُ، واللهُ وملائكتُه يُصلون على المتسحرين» .
فالصائمُ ترك شهواته لله بالنهار، تقرَّبا إليه وطاعةً له، ويبادرُ إليها في الليل تقرُّبًا إلى الله وطاعةً له، فما تركها إلا بأمر ربّه. ولا عاد إليها إلا بأمر ربّه، فهو مطيعٌ له في الحالتين، فإذا بادر الصائمُ إلى الفطر تقرُّبًا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله، فإنه يُرجى له المغفرةُ وبُلوُغُ الرّضوان بذلك.
وفي الحديث: «إن الله ليرضى عن العبد يأكلُ الأكلة فيحمدُه عليها، ويشربُ الشربة فيحمده عليها»، وربما استجيب دعاؤه عند ذلك، كما في الحديث المرفوع: «إن للصائم عند فطره دعوةً لا تردُّ» .
ولأحمد والترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «ثلاثةٌ لا ترد دعوتُهم: الصائمُ حتى يفطر الحديث» وعن ابن عمر مرفوعًا «لكلِّ عبدٍ صائمٍ دعوةٌ مستجابةٌ عند إفطاره، أعطيها في الدنيا، أو ادّخرت له في الآخرة» .
ورُوي عن أنسٍ وابن عباسٍ ﵃: كان
النبي - ﷺ - إذا أفطر قال: «اللهم لك صمتُ وعلى رزقك
[ ٢٣ ]
أفطرتُ، فتقبَّل منِّي إنك أنت السمعي العليمُ»، ورُوي عن ابن عمر مرفوعًا: كان إذا أفطر قال: «ذهب الظَّمأ، وابتلَّت العروقُ، ووجب الأجرُ إن شاء الله تعالى» وروي عنه أنه كان إذا أفطر يقولُ: «اللهم يا واسع المغفرة، اغفر لي» .
وإن نوى بأكله وشُربه تقويةَ بدنه، على القيام والصيام، كان مُبابًا على ذلك، كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنهار، التقوِّي على العمل كان نومُه عبادةً. وفي حديثٌ مرفوعٌ: «نوم الصائم عبادةٌ، وصمتُه تسبيحٌ، وعملهُ مضاعفٌ، ودعاؤه مستجابٌ، وذنبهُ مغفورٌ» رواه البيهقي.
قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتب أحدًا، وإن كان نامًا على فراشه، رواه عبدُ الرزاق.
فالصائم في ليله ونهاره في عبادةٍ، ويستجابُ دعاؤه في صيامه وعند فطره؛ فهو في نهاره صائمٌ صابرٌ، وفي ليله طاعمٌ شاكرٌ. وفي حديث رواه الترمذي وغيرهُ: «الطاعمُ الشاكرُ بمنزلةِ الصائم الصابر»، ومن فهم هذا لم يتوقف في معنى: فرح الصائِم عند فطره. فإن فطرهُ على الوجه المشار إليه، من فضل الله ورحمته، فيدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، ومن شرط ذلك: أن يكون فطره على حلالٍ، فإن كان فطره على حرام كان ممَّن صام عما أحلَّ الله، وأفطر على ما حرَّم اللهُ، ولم يستجب له دعاءٌ.
[ ٢٤ ]
وأما فرحُهُ عند لقاء ربه: فبما يجدُهُ عند الله من ثواب الصيام مُدَّخرًا، فيجُده أحوج ما كان إليه. كما قال تعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ .
ولابن خُزيمة: «فإذا لقي الله - ﷿ -، فرح بصومه»، وفي المسند عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: «ليس من عمل يومٍ إلا يختمُ عليهِ» .
وعن عيسى - ﵇ - قال: إن هذا الليلَ والنَّهار خزانتان، فانظرُوا ماذا تضعون فيهما، فالأيام خزائنُ للناس، ممتلئةٌ بما خزنوه فيها، من خير وشر. وفي يوم القيامة: تُفْتَحُ هذه الخزائنُ لأهلها، فالمتقُون يجدون في خزائنهم: العزة والكرامة، والمذنبُون يجدون في خزائنهم: الحسرة والندامة.
الصائمون على طبقتين:
إحدهما: من ترك طعامهُ وشرابهُ وشهوته لله - ﷿ -، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخيبُ معه من عامله، بل يربحُ عليه أعظم الربح.
وقال - ﷺ - لرجل: «إنك لن تدع شيئًا اتقاء الله: إلا آتاك الله خيرًا منه» رواه أحمد. فهذا الصائمُ يُعطى في الجنة ما شاء من طعام وشراب ونساء، قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا
[ ٢٥ ]
هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ قال مجاهدٌ وغيره: نزلت في الصائمين.
وقال يعقوبُ بن يوُسف: بلغنا أن الله تعالى يقول لأوليائه يوم القيامة: يا أوليائي، طالما نظرت إليكم في الدنيا، وقد قَلَصَتْ شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخفقت بطونكم، كونوا اليوم في نعيمكم، وتعاطوا الكأس فيما بينكم، وكلوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية.
وقال الحسن: تقول الحوراء لولي الله، وهو متكئ معها على نهر العسل، تعاطيه الكأس: إن الله نظر إليك في يوم صائفٍ بعيد ما بين الطرفين، وأنت في ظمأ هاجرةٍ من جهد العطش، فباهى بك الملائكة، وقال: انظروا إلى عبدي، ترك زوجته وشهوته، وطعامه وشرابه من أجلي، رغبة فيما عندي، أشهدكم أني قد غفرت له، فغفر لك يومئذ، وزوَّجنيك.
وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: «إن في الجنة بابًا يقال له الريانُ، يدخلُ منه الصائمون، لا يدخل منه غيرهم» وفي رواية: «إذا دخلوا أُغلق» وللطبراني عن سهل مرفوعًا: «لكل باب من أبواب البرّ بابٌ من أبوابِ الجنة، وإن باب الصيام يُدعى الريانُ» .
وله في حديث عبد الرحمن بن سمرة، عن النبي - ﷺ - في منامه الطويل: «ورأيت رجلًا من أمتي يلهثُ عطشًا، كلما دنا
[ ٢٦ ]
من حوضٍ طُرد، فجاءه صيامُ رمضان فسقاه وأرواه» .
وروى ابن أبي الدنيا: أن النبي - ﷺ -: «بعث أبا موسى على سريةٍ في البحر، فهتف بهم هاتفٌ: يا أهل السفينة، قفوا أخبركم بقضاء الله على نفسه: أن من عطَّش نفسه في يومٍ حارٍّ كان حقًا على الله أن يُرويه يوم القيامة»، وللبزّار: «في يومٍ صائفٍ، سقاهُ اللهُ يوم العَطشِ» .
وللبيهقيِّ عن عليّ مرفوعًا: «من منعه الصيامُ من الطعام والشراب، أطعمه اللهُ من ثمار الجنة، وسقاهُ من شرابها» . وذكر ابن أبي الدنيا عن أنس مرفوعًا: «الصائمون ينفحُ من أفواههم ريح المسك، وتوضع لهم مائدة تحت العرش، يأكلون منها والناسُ في الحساب» . وعن أنس موقوفًا: «إن لله مائدةً لم تر مثلها عينٌ، ولم تسمع أُذُنٌ ولا خطر على قلب بشر، لا يقعدُ عليها إلا الصائمون» .
وعن بعض السلف قال: بلغنا أنه يوضعُ لهم مائدةٌ يأكلون منها والناسُ في الحساب، فيقولون: يا ربَّنا نحن نحاسبُ وهؤلاء يأكلون؟ فيقال: إنهم طالما صامُوا وأفطرتُم، وقاموا ونُمتمْ. ورأى بعض العارفين في منامه، كأنه أدخل الجنة، فسمع
قائلًا يقول له: هل تذكر أنك صمت لله يومًا قط؟ فقال: نعم؛ قال: فأخذتني صواني النثار من الجنة. ومن ترك في
الدنيا لله طعامًا وشرابًا مدة يسيرةً، عوضهُ اللهُ عنه
[ ٢٧ ]
طعامًا وشرابًا لا ينفدُ، وأزواجًا لا تَمُتْنَ أبدًا.
شهرُ رمضان: فيه يُزوجُ الصائمون. في الحديث: «إن الجنة لتزخرف وتُبَخَّرُ من الحول إلى الحول لقدوم شهر رمضان. فتقولُ الحورُ: يا رب اجعل لنا في هذا الشهر، من عبادك أزواجًا، تقرُّ أعيُننا بهم، وتقرُّ أعيُنُهم بنا» وفي حديث آخر: «إن الحور تنادي في شهر رمضان: هل من خاطب إلى الله فيزوجُهُ؟» . مهورُ الحور العين: طولُ التجهد، وهو: حاصل في شهر رمضان أكثر من غيره.
والثانيةُ: من الصائمين من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظُ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، ويريدُ الآخرة ويترك زينة الدنيا، فهذا: عيدُ فطره يوم لقاء ربه، وفرحه برؤيته. يا معشر الصائمين: صوموا اليوم عن شهوات الهوى، لتدركوا عيد الفطر يوم اللقاء، لا يطولنَّ عليكم الأملُ، باستبطاء الأجل، فإن معظم نهار الصيام قد ذهب، وعيد اللقاء قد اقترب.
قوله: «ولخَلُوفُ فم الصائم: أطيب عند الله من ريح المسك» خلُوفُ الفم: رائحةُ ما يتصاعدُ منه من الأبخرة، لخلوِّ المعدة من الطعام بالصيام، وهي رائحةٌ مستكرهةٌ في مشامِّ الناس في الدنيا، لكنَّها أطيبُ عند الله من ريح المسك،
حيث كانت ناشئةً عن طاعته وابتغاء مرضاته. وفيه
[ ٢٨ ]
معنيان، أحدُهما: أن الصيام لما كان سرًّا بين العبد وبين ربه في الدنيا: أظهره اللهُ في الآخرة علانية للخلق، ليشتهر بذلك أهلُ الصيام، ويعرفُون بصيامهم بين الناس، جزاءً لإخفاء صيامهم في الدنيا.
وعن أنس ﵁ مرفوعًا: «يخرجُ الصائمون من قبورهم يُعرفون بريح أفواههم، ريحُ أفواههم أطيبُ من ريح المسك» رواه الأصبهاني، وفي إسناده ضعف. قال مكحول: يُروَّحُ أهل الجنة برائحةٍ، فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحًا مُنْذُ دخلنا الجنة، أطيب من هذه الرائحة، فيقالُ: هذه رائحةُ أفواه الصائمين.
وقد تفوح رائحةُ الصيام في الدنيا، فتستنشق قبل الآخرة، وهي نوعان، أحدُهما: ما يدركُ بالحواسِّ الظاهرة، كان عبد الله بنُ غالبٍ من العباد المجتهدين في الصلاة والصيام، فلما دُفنَ كان يفوحُ من تراب قبره رائحة المسك، فرُؤي في المنام، فسُئل عن تلك الرائحة التي توجدُ من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ.
والثاني ما تَسْتَنْشِقُهُ الأرواحُ والقلوب، فيوجبُ ذلك للصائمين المخلصين المودَّةَ والمحبةَ في قلوب المؤمنين؛
وفي حديث الحارث الأشعري عن النبي - ﷺ -: «أن زكريا ﵇، قال لبني إسرائيل: وآمُرُكم بالصيام، فإن مثل ذلك
[ ٢٩ ]
كمثل رجلٍ في عصابةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فيها مسكٌ، فكلُّهم يعجبُه ريحهُ، وإن ريح الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك» رواه الترمذي وغيرُه. وفي الحديث: «ما أسرَّ عبدٌ سريرة إلا ألبسهُ الله رداءها علانية» .
المعنى الثاني: أنَّ مَنْ عبدَ الله وأطاعه، وطلب رضاه في الدنيا بعملٍ، فنشأ من عمله آثارٌ مكروهةٌ للنفوس في الدنيا، فإن تلك الآثار غيرُ مكروهةٍ عند الله، بل هي مستحبةٌ محبوبةٌ له، وطيِّبةٌ عنده، لكونها نشأت عن طاعته واتباع مرضاته، فإخبارُه بذلك للعاملين في الدنيا، فيه تَطْييْبٌ لقلوبهم، لئلا يُكره منهم ما وجد في الدنيا. ورد حديثٌ مرسل: «كلُّ شيءٍ ناقصٍ في عرف الناس في الدنيا، إذا انتسب إلى طاعته ورضاهُ، فهو الكاملُ في الحقيقة» .
خلوفُ فم الصائمين أطيبُ من ريح المسك. نوحُ المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضلُ من التسبيح، انكسارُ المخبتين لعظمته هو الجبر، ذلُّ الخائفين من سطوته هو العزُّ، جوُع الصائمين لأجله هو الشبع، عطشُهم في طلب مرضاته هو الرِّيُّ، نصبُ المجتهدين في خدمته هو الراحة. لما سُلسِلَتْ الشياطينُ في شهر رمضان وخمدت نيرانُ الشهوات بالصيام انعزل سلطانُ الهوى، وصارت الدولةُ لحاكم العقل، فلم يبق للعاصي عذر.
[ ٣٠ ]
يا غيومُ الغفلة تَقَشَّعِي، يا شموسُ التقوى والإيمان اطلعي، يا صحائف أعمال الصالحين ارتفعي، يا قلوبُ الصالحين اخشعي، يا أقدامُ المجتهدين اسجدي لربك واركعي، يا عيونُ المتهجدين لا تهجعي، يا ذنوبُ التائبين لا ترجعي.
فصل