تقدم: ما ثبتَ في الصحيحين عن النبي ِّ - ﷺ - أنه قال: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر لهُ ما تقدم من ذنبه» ولأحمد «وما تأخر» وإسنادهُ حسن؛ و«من قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتسابًا: غُفر لهُ ما تقدم من ذنبه. ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا: غفر له ما تقدم من ذنبه» زاد النسائي «غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» .
ولأحمد عن عبادة مرفوعًا في ليلة القدر: «من قامها ابتغاءها ثم وقعت له غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» . ولابن حبان والبيهقي، عن أبي سعيد مرفوعًا: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وتحفظ مما ينبغي له أن يتحفَّظ منه كفّر ما قبله» . وعن أبي هريرة مرفوعًا: «شهر رمضان، يكفِّرُ ما بين يديه إلى شهر رمضان المقبل» رواه ابن أبي الدنيا.
والتكفيرُ مشروطٌ: بالتحفظ مما ينبغي أن يُتحفَّظ منه؛
[ ٧٠ ]
والجمهور على أن ذلك إنما يكفِّرُ الصغائر؛ لما روى مسلمٌ: أن النبي - ﷺ - قال: «الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهنَّ، ما اجتنبت الكبائر» .
وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن التكفير مشروطٌ باجتناب الكبائر.
الثاني: أن المراد: أنّ هذه الفرائض: تكفِّرُ الصغائر خاصة؛ وقال ابن المنذر في ليلة القدر: يرجى بها مفغرةُ الذنوب كبائرها وصغائرها؛ وقال غيره: مثل ذلك في الصوم.
والجمهور: على أن الكبائر لا بدّ لها من توبة نصوح؛ وحديث أبي هريرة: يدلُّ على أن هذه الأسباب الثلاثة، كلُّ واحدٍ منها مكفرٌ لما سلف من الذنوب، فقيامُ ليلةِ القدر يقع التكفير به إذا وافقها ولو لم يشعر بها، وأما صيامُ رمضان وقيامُه: فيتوقفُ التكفيرُ بهما على تمام الشهر.
وقيل: يغفر لهم آخر ليلة من رمضان، ويدلُّ عليه: ما رواه أحمد عن أبي هريرة قال: «ويغفر لهم في آخر ليلة، فقيل: يا رسول الله، أهي ليلةُ القدر؟ قال: لا، ولكنَّ العامل إنما يوفَّى أجره إذا قضى عمله» .
وروي: «أن الصائمين يرجعون يوم الفطر مغفورًا لهم، وأن يوم الفطر يسمى يوم الجوائز» . وأخرج البزّارُ عن معاذ مرفوعًا:
[ ٧١ ]
«من صام رمضان وصلَّى الصوات الخمس، وحجَّ البيت، كان حقًا على الله أن يغفر له» .
قال الزهري: إذا كان يومُ الفطر وخرج الناس إلى الصلاة اطلع الله عليهم، فقال: يا عبادي، لي صُمْتُم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورًا لكم. وقال مورِّق: يرجعُ هذا اليوم قومٌ كما ولدتهم أمهاتهم.
روي عن ابن عباس مرفوعًا: «إذا كان يومُ الفطر هبطت الملائكةُ إلى الأرض، فيقفون على أفواه السِّكك، ينادون بصوت يسمعُه مَنْ خلق الله، إلا الجنَ والإنس، يقولون يا أمة محمد، أخرجوا إلى ربّ كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم. فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله - ﷿ - لملائكته: ما جزاءُ الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا أن يوفّى أجره. فيقولُ: إني أشهدكم أنِّي جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، ارجعوا مغفورًا لكم» خرّجه سلمة بن شبيب.
زاد البيهقي: «يا عبادي، فوعزتي وجلالي لا
تسألوني اليوم شيئًا في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزّتي وجلالي لا أخزيكم، ولا أفضحكم بين
[ ٧٢ ]
أصحاب الحدود، انصرفوا مغفورًا لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم، فتفرحُ الملائكةُ وتستبشرُ بما يعطي اللهُ هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان» .
الصيامُ وسائر الأعمال: من وفَّاها فهو من خيار عباد الله الموفين، ومن طفّف فيها فويل للمطففين، إذا كان الويلُ لمن طفَّف ميكال الدنيا. فكيف حالُ من طفّفَ ميكال الدِّين؟
غدًا توفّى النفوسُ ما عَمِلت ويحصدُ الزَّارعُونَ ما زرعوا
إِن أحسنوا أحسنوا لأنفسِهمُ وإن أساءُوا، فبئْسَما صنعوا
كان السلفُ الصالحُ: يجتهدون في إتمام العمل، وإكماله وإتقانه، ثم يهتمون بعدَ ذلك بقبوله: ويخافون من ردِّه، وهؤلاء الذين يُؤتُون ما آتو وقلوبهم وجلة، رُوي عن عليٍّ ﵁: «كُونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكم بالعمل، ألم تسمعُوا الله - ﷿ - يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾» .
وعن فضالةَ: لأن أعلم أن الله تقبّل مني مثقال حبةِ خردلٍ، أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها، لأن الله تعالى يقول:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
وقال مالك بنُ دينار: الخوفُ على العمل أن لا يُقبل أشدُّ من العمل. وقال عطاءٌ السلميُّ: الحذر الاتقاء على العمل الصالح أن لا يكون لله.
وقال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: أدركتُهم يجتهدُون في
[ ٧٣ ]
العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمُّ: أتُقُبِّلَ منهم أم لا؟ قال بعض السلف: كانوا يدعون الله ستة أشهرٍ أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبله منهم.
وكان بعض السلف يظهرُ عليه الحزنُ يوم عيد الفطر، فيقال له: إنه يومُ فرح وسرور فيقول: صدقتم. ولكني عبدٌ أمرني مولاي أن أعمل له عملًا، فلا أدري أيقبله مني أم لا؟
رأى وهيبٌ قومًا يصحكون يوم عيدٍ، فقال: إن كان هؤلاء تُقُبِّل منهم صيامُهم، فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان لم يُتقبل منهم فما هذا فعل الخائفين.
وعن الحسن قال: إن الله جعل رمضانَ مضمارًا لخلقه، يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبقَ قومٌ ففازوا، وتخلَّف آخرون فخابوا، فالعجبُ من اللاّعب الضاحك في اليوم الذي يفوزُ فيه المحسنون، ويخسرُ فيه المبطلون.
روي عن علي ﵁: أنه كان ينادي في آخر ليلةٍ من رمضان: يا ليت شعري من هذا المقبولُ فنهنيه، ومن هذا المحرومُ فنعزِّيه؟ أيُّها المقبولُ: هنيئًا لك، أيُّهَا المردودُ: جبر اللهُ مصيبتك.
شهرُ رمضان تكثر فيه أسبابُ المغفرة والغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامُه وقيامُه؛ وقيامُ ليلة القدر. ومنها:
[ ٧٤ ]
تفطيرُ الصّوامِ، والتخفيف عن المملوك. ومنها: الذكرُ. وفي حديث مرفوع «ذاكرُ الله فيه مغفورُ له. وسائلُ الله فيه لا يخيبُ» .
ومنها: الاستغفار، وطلبُ المغفرةِ، ودعاءُ الصائم مستجابٌ في صيامه وعند فطره. وفي حديث أبي هريرة: ويغفر فيه إلا لمن أبى.
قالوا: يا أبا هريرة ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله. ومنها: استغفارُ الملائكة للصائمين حتى يفطروا. لما كثرت أسبابُ المغفرة في رمضانَ، كان الذي تفوتُه فيه المغفرة محرومًا غاية الحرمان.
صعدَ النبيُّ - ﷺ - المنبر فقال: «آمين، آمين، آمين. فقيل له. فقال: إن جبرائيل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فمات، فدخل النار، فأبعده الله. قل: آمين فقلت: آمين» الحديث. رواه ابن حبان.
وقال قتادة: كان يقالُ من لم يغفرْ لَه في رمضان فلن يغفر له فيما سواه؛ وفي حديث آخر «من لم يغفرْ له في رمضان، فمتى يُغفرْ له؟» .
متى يغفر لمن لم يغفر له في هذا الشهر؟ متى يُقبل من رُدَّ في ليلة القدر؟ متى يصلُح من لا يصلحُ في رمضان؟ متى يصلحْ من كان فيه من داء الجهالة والغفلةِ مرْضان؟
[ ٧٥ ]
ترحَّلَ الشَّهرُ وَا لهْفَاهُ وانصرمَا واختصَّ بالفوزِ بالجنات مَنْ خَدَما
وأصبح الغافلُ المسكينُ منكسرا مثلي، فيا ويْحهُ، ياعُظْمَ ما حُرِما
من فاته الزرعُ في وقت البذارِ فما تراهُ يحصد إلاّ الهمّ والنَّدَمَا
شهرُ رمضانَ: أولُه رحمةٌ، وأوسطُه مغفرةٌ، وآخرُه عتق من النار.
وفي الحديث الصحيح: «أنه تفتَّحُ فيه أبوابُ الرحمة» وفي الترمذي «إِن للهِ عتقاءَ من النار، وذلك كلَّ ليلة» .
الأغلب على أوله: الرحمة، وأوسطه: المغفرة، وآخره: العتقُ فيه من النار لمن أوبقته الأوزار، واستوجب النار، بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: «إن لله في كل ليلة من شهر رمضان عند الإفطار ألفَ ألفَ عتيقٍ من النار، فإذا كان يومُ الجمعة أعتق الله في كل ساعة منها ألفَ ألفَ عتيقٍ من النار، كلُّهم قد استوجب العذاب. فإذا كان آخرُ ليلة من شهر رمضان: أعتق اللهُ في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهرِ إلى آخره» أخرجه سلمةُ بنُ شبيب وغيرُه.
ورَوى البزّارُ عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن لله ﵎ عُتقاء كلَّ يومٍ وليلة، يعني في رمضان، وإنَّ لكل مسلم في كلِّ يومٍ وليلةٍ دعوةً مستجابة» .
[ ٧٦ ]
وإنما كان يومُ الفطر من رمضان عيدًا لجميع الأمة: لأنه يعتق فيه أهل الكبائر من الصائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار، كما أنَّ يوم النحر هو العيدُ الأكبر، لأنّ قبله يوم عرفة، وهو: اليوم الذي لا يرى في يوم من أيام الدنيا، أكثر عتقاء من النار منه، فمن أعتق من النار في اليومين، فله يومُ عيد، ومن فاته العتقُ في اليومين، فله يومُ وعيد.
لما كانت المغفرةُ والعتقُ كلُّ منهما مرتبٌ، على صيام رمضان وقيامه: أمر الله سبحانه عند إكمال العدة بتكبيره وشكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فشكْرُ من أنعم على عبده بتوفيقهم للصيام والقيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم وعتقهم من النار: أن يذكروه ويشكروه، ويتَّقوه حقَّ تقاته.
يا من أعتقهُ مولاهُ من النَّار، إياك أن تعودَ بعد أن صرت حرًّا، إلى رقِّ الأوزار، أيبعدُك مولاك من النّار، وأنت تقربُ منها؟ وينقذُك منها، وأنت توقعُ نفسك فيها، ولا تحيدُ عنها؟ إن كانت الرحمةُ للمحسنين فالمسيءُ لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة للمتقين، فالظالم لنفسه غيرُ محجوب عنها.
إن كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ فمن الذي الذي يرجوُ ويدعو المذنبُ؟
لم لا يُرجَى العفوُ من ربِّنا؟ وكيف لا يُطمع في حلمه؟
[ ٧٧ ]
وفي الصحيح: «أنه تعالى بعبده أرحمُ من أمه» ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
فيا أيُّها العاصي- وكلُّنا كذلك- لا تقنط من رحمة الله لسوء أفعالك، فكم في هذه الأيام من معتق من النار، من أمثالك؟ فأحسن الظن بمولاك وتب إليه، فإنه لا يهلك على الله إلا هالك.
إذا أوجعتْك الذنوب فداوِها برفع يَدٍ بالليل والليلُ مظلمُ
ولا تقنطن من رحمة الله، إنما قنوطك منها من ذنوبك أعظم
ينبغي لمن يرجو العتق في رمضان من النار: أن يأتي بأسبابٍ توجبُ العتق من النار؛ كان أبو قلابةَ يُعتقُ في آخر الشهر جارية حسناء مزينةً، يرجو بعتقها العتق من النار.
وتقدم في حديث سلمان: «من فطر فيه صائمًا، كان مغفرةً لذنوبه، وعتقًا لرقبته من النار، ومن خفّف عن مملوكه، كان له عتقًا من النار» وفيه: «فاستكثروا فيه من أربع خصالٍ: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء لكم عنهما، فأمَّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربَّكم: فشهادةُ أن لا إله إلا الله، والاستغفار؛ وأما اللتان لا غناءَ لكم عنهما: فتسألون الله الجنةَ وتستعيذون به من النّار» فهذه الخصالُ كلٌ منها سببٌ للعتق والمغفرة.
[ ٧٨ ]
فأما كلمةُ التوحيد فإنها تهدم الذنوب وتمحوها، ولا تُبقي ذنبًا ولا يسبقُها عمل، وهي تعدلُ عتق الرِّقاب الذي يوجب العتق من النار، ومن أتى بها أربع مرات- حين يصبح وحين يمسي- أعتقه الله من النار، ومن قالها مخلصًا من قلبه حرمه الله على النار.
وأما كلمة الاستغفار: فمن أعظم أسباب المغفرة، فإن الاستغفار دعاءٌ بالمغفرة، ودعاءُ الصائم مستجابٌ في حال صيامه وعند فطره.
قال الحسن: أكثروا من الاستغفار. فإنكم لا تدرُون متى تنزلُ الرَّحمةُ؛ وقال لقمان لابنه: يا بنيَّ عوِّد لسانك الاستغفار. فإن لله ساعاتٍ لا يردُ فيها سائلًا؛ وفي الأثر: إن إبليس قال: أهلكتُ الناس بالذُّنوبِ، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار.
والاستغفارُ: ختامُ الأعمال الصالحة كلِّها، فتختم به الصلاة والحج وقيامُ الليل، وتختم به المجالسُ، فإن كانت ذكرًا، كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوًا كان كفارةً لها؛ فكذلك ينبغي أن يُختم صيامُ رمضان بالاستغفار؛ وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار: يأمرُهم بختم رمضان بالاستغفار، والصدقة، صدقةِ الفطر؛ فإن صدقة الفطر طُهرةٌ للصائم من
[ ٧٩ ]
اللغو والرفث، والاستغفارُ يرقِّعُ ما تخرَّقَ من الصيام باللغو والرفث.
قال عُمر بنُ عبد العزيز، في كتابه: قُولوا كما قال أبُوكم آدمُ - ﵇ -: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقولوا كما قال نوحٌ - ﵇ -: ﴿إِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
وقولوا كما قال موسى - ﵇ -: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ وقولوا كما قال ذو النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ .
الصِّيامُ: جُنةٌ من النار ما لم يخرِّقها، والكلام السيءُ يخرِّقُ هذه الجُنة، والاستغفارُ يرقِّعُ ما تخرق منها.
أمر النبيُّ - ﷺ - عائشة ليلة القدر بسؤال العفو؛ فإنَّ المؤمن يجتهدُ في شهر رمضان في صيامه وقيامه، فإذا قَرُبَ فراغه وصادف ليلة القدر لم يسأل الله إلاَّ العفو، كالمسيء المقصِّر.
قال يحيى بنُ معاذ: ليس بعارفٍ من لم يكن غايةُ أمله من الله العفو، من استغفر بلسانه وقلبُه على المعصية معقود، وعزمُه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود، فصومُه عليه مردود، وبابُ القبولِ في وجهه مسدود.
قال كعبٌ: من صامَ رمضانَ، وهو يحدِّث نفسهُ إذا أَفطر
[ ٨٠ ]
بعد رمضان: عصى ربَّه، فصيامُه عليه مردُود. ومن صامَ رمضان، وهو يحدث نفسه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله: دخل الجنة بغير حساب ولا مسألة.
وأما سؤالُ الجنةِ والاستعاذةُ من النار: فمن أهمِّ الدعاءِ. قال - ﷺ -: «حولها نُدَنْدِن» فالصائمُ يُرجى استجابة دعائه، فينبَغي أن لا يدعو إلا بأهم الأمور.
وفي الحديث: «تعرضوا لنفحات ربِّكم، فإن لله نفحاتٍ من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده» فمن أصابته سعدَ سعادة لا يشقى بعدها أبدًا.
فإن أعظم نفحاته: مصادفةُ ساعة إجابةٍ، يسأل العبدُ فيها الجنة والنجاةَ من النار، فيجابُ سُؤالهُ، فيفوزُ بسعادة الأبد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ
فَازَ﴾ .
ليس السعيد الذي دنياه تسعِدُه إن السعيدَ الذي ينجُو من النار
عباد الله، شهرُ رمضان قد عزم على الرحيل، ولم يبق منه إلَا القليل، فمن كان منكم أحسن فعليه بالتَّمام، ومن كان فرَّط فليختمه بالحسنى، فالعملُ بالختام، فاغتنموا منه ما بقي، وودِّعوهُ بأزكى تحيةٍ وسلام.
قُلوبُ المتَّقين إلى هذا الشهر تحِنُّ، ومن ألمِ فراقه تَئنُّ،
إذا كان هذا جزعُ من ربح فيه، فكيف بمن خسر في أيامه
[ ٨١ ]
ولياليه؟ ماذا ينفعُ المفرطُ فيه بكاؤه، وقد عظمتْ فيه مصيبتُه وجلَّ عزاؤه؟
كم نُصِحَ المسكينُ فما قبلَ النُّصحَ، كَم دُعيَ إلى المصالحة فما أجاب إلى الصُّلح؟ كما شاهد الواصلين فيه، وهو متباعدٌ، كم مرَّت به زُمرُ السائرين وهو قاعد؟ حتى إذا ضاق به الوقتُ، وحاقَ به المقتُ، ندِمَ على التفريط حين لا ينفعُ النَّدم.
فنفسَك لُمْ، ولا تَلُمِ المطايا ومُتْ كَمَدًا، فليس لك اعتذارُ
شهرَ رمضانَ ترفَّق، دموُع المحبين تدَفَّق، قُلوبُهم من ألمِ الفراق تشقَّق، عسَى وقفةٌ للوداعِ تُطفي من نار الشوق ما أَحرَق، عسَى ساعةُ توبةٍ وإقِلاعٍ ترفو من الصيام كلَّ ما تخرَّق، عسَى مُنقَطعٌ عن رَكب المقبولين يَلْحق، عسى أسيْرُ الأوزارِ يُطلَق، عسَى مَنْ استوجبَ النار يُعتق.
عسَى وعسَى مِن قَبلِ وقتِ التَّفرقِ
إلى كُلِّ مَا نَرجُو مِنَ الْخَيْرِ نَرْتَقِي
فيُجبرُ مَكسورٌ، ويُقبل تَائبٌ
ويُعتَقُ خَطّاءٌ، ويُسعَدُ مَنْ شَقِي
******
****
**
*
[ ٨٢ ]