الْقدْوَة مَعْنَاهَا من الِاقْتِدَاء وَهُوَ أَن يفعل الْمَرْء مثل فعل غَيره تشبهًا بِهِ (١) وَلَقَد كَانَ رَسُول الله ﷺ خير قدوة لأَصْحَابه، وَكَذَا حَال الْأَنْبِيَاء جعلهم الله مِثَالا وأسوة لأممهم فَمَا كَانُوا ليأمروا بِمَا يخالفونه أوَ يَقُولُوا مَالا يَفْعَلُونَهُ. يَقُول تَعَالَى عَن شُعَيْب ﵇ ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ إِن أُرِيد إِلَّا الْإِصْلَاح مَا اسْتَطَعْت وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت وَإِلَيْهِ أنيب﴾ (٢) وَقد جعل الله من الْمُصْطَفى ﷺ أُسْوَة يحتذى وقدوة يُتَّبع لنيل ثَوَاب الْآخِرَة فقد تمثلت فِيهِ ﷺ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة والآداب المرعية، فَمَا من خير إِلَّا سبق إِلَيْهِ وَلَا خصْلَة حميدة إِلَّا نَالَ أوفر الْحَظ مِنْهَا. وَلِهَذَا أُمرنا بالتأسي بِهِ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْم الآخر﴾ (٣) والقدوة لَهَا أعظم الْأَثر فِي النُّفُوس، وتأثيرها أعظم من تَأْثِير الْخطب والمقالات والكتابات وَهَذَا مِمَّا يُثبتهُ الْوَاقِع وتدركه الْعُقُول. وَلِهَذَا كَانَ النَّبِي ﷺ يتَمَثَّل حَقِيقَة الْإِسْلَام بَين أَصْحَابه فِي قدوة حَسَنَة يقرن الْفِكر بِالْعَمَلِ، ويربط النظرية بالتطبيق وَيقدم الْمعَانِي حقائق حَيَّة فيُهتدى بِعَمَلِهِ قبل قَوْله وبفعله قبل علمه وَيكون أَمَام أَصْحَابه تجسيدًا حَيا لدعوته ومثلًا صَرِيحًا على مبادئه. وَكَانَ ﷺ يَأْمر الصَّحَابَة بالاقتداء بِهِ فَيَقُول: «وصلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٤) وَيَقُول: «لِتَأْخُذُوا عني
_________________
(١) انْظُر المعجم الْوَسِيط (٢/٧٢٠)
(٢) سُورَة هود: الْآيَة / ٨٨.
(٣) سُورَة الْأَحْزَاب: الْآيَة / ٢١.
(٤) أخرجه البُخَارِيّ فِي أثْنَاء حَدِيث ك: الآذان ب: الآذان للمسافرين إِذا كَانُوا جمَاعَة من حَدِيث مَالك بن الْحُوَيْرِث ﵁. انْظُر: البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (٢/١١١) .
[ ١٢٩ ]
مَنَاسِككُم» (١) بل إِنَّه ﷺ تعمد مرّة أَن يُصَلِّي مرتفعًا ليراه أَصْحَابه؛ فقد ورد فِي الحَدِيث عَن سهل بن سعد ﵁ أَن النَّبِي ﷺ صلَّى على الْمِنْبَر وكبرَّ وَهُوَ عَلَيْهَا ثمَّ ركع وَهُوَ عَلَيْهَا ثمَّ نزل الْقَهْقَرَى فَسجدَ فِي أصل الْمِنْبَر، ثمَّ عَاد فَلَمَّا فرغ أقبل على النَّاس فَقَالَ: «يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا صنعت هَذَا لتأتموا بِي ولتعلموا صَلَاتي» رَوَاهُ البُخَارِيّ (٢) فِي مقَام آخر يتحدث أنس بن مَالك عَن وَاقعَة حصلت فِي الْمَدِينَة سبقهمْ لاجتلاء أمرهَا رَسُول الله ﷺ يَقُول أنس ﵁ «كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس وَكَانَ أَجود النَّاس، وَكَانَ أَشْجَع النَّاس، وَلَقَد فزع أهل الْمَدِينَة ذَات لَيْلَة فَانْطَلق نَاس قِبَل الصَّوْت، فَتَلقاهُمْ رَسُول الله ﷺ رَاجعا، وَقد سبقهمْ إِلَى الصَّوْت وَهُوَ على فرس لأبي طَلْحَة عُري «أَي لَيْسَ عَلَيْهَا لجام» وَفِي عُنُقه السَّيْف وَهُوَ يَقُول: لم تراعوا لم تراعوا» (٣) هَكَذَا كَانَ ﷺ قدوة فِي الشجَاعَة والإقدام وَفِي كل خير. وَكَثِيرًا مَا يحث النَّبِي ﷺ أَصْحَابه على شَيْء ثمَّ يعلمهُمْ بِفِعْلِهِ فيقرن لَهُم القَوْل بِالْفِعْلِ، والأمثلة على ذَلِك كَثِيرَة فَمن ذَلِك أَن النَّبِي ﷺ حثَّ على تَعْجِيل الْفطر للصَّائِم فَقَالَ فِي حَدِيث سهل بن سعد «لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا عجلوا الْفطر» مُتَّفق عَلَيْهِ (٤) ثمَّ ترَاهُ يطبق ذَلِك عمليًا،
_________________
(١) أخرجه مُسلم (ك: الْحَج ب: بَاب اسْتِحْبَاب رمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر (٢/٩٤٣) ح: ١٢٩٧.
(٢) صَحِيح البُخَارِيّ ك: الْجُمُعَة ب: الْخطْبَة على الْمِنْبَر. أنظر: فتح الْبَارِي (٢/٣٩٧) وَأخرجه مُسلم ك: الْمَسَاجِد ح: ٤٥.
(٣) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ك: الْجِهَاد ب: مبادرة الإِمَام عِنْد الْفَزع (فتح ٦/١٢٢ - ١٢٣) وَأخرجه مُسلم ك: الْفَضَائِل ب: فِي شجاعة النَّبِي ﷺ (٤/١٨٠٢) وَاللَّفْظ لمُسلم.
(٤) البُخَارِيّ ك: الصَّوْم ب: تَعْجِيل الْإِفْطَار (٤/١٩٨) بشرح الْفَتْح. وَمُسلم ك: الصّيام ب: فضل السّحُور واستحباب تَأْخِيره وتعجيل الْإِفْطَار (٢/٧٧١) .
[ ١٣٠ ]
فَفِي الحَدِيث عَن عبد الله ابْن أبي أوفى ﵁ قَالَ: «كنّا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي سفر وَهُوَ صَائِم فَلَمَّا غَابَتْ الشَّمْس قَالَ لبَعض الْقَوْم: «يافلان قُم فاجدح لنا»، قَالَ: إِن عَلَيْك نَهَار، قَالَ: «انْزِلْ فاجدح لنا» فَنزل فجدح لَهُم فَسَار النَّبِي ﷺ ثمَّ قَالَ: «إِذا رَأَيْتُمْ اللَّيْل أقبل من هَاهُنَا فقد أفطر الصَّائِم» (١) وَهَكَذَا رَسَّخ رَسُول الله ﷺ عِنْد صحابته الِاقْتِدَاء بِهِ حَتَّى كَانُوا يتسابقون لمعْرِفَة أَفعاله وأحواله فَهَذَا ابْن عَبَّاس ﵁ يبيت عِنْد خَالَته مَيْمُونَة بنت الْحَارِث ﵂ ليعرف صَلَاة النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ. وَهَذَا ابْن عمر ﵁ لما دخل النَّبِي ﷺ عَام الْفَتْح الْكَعْبَة وبلال وَعُثْمَان بن طَلْحَة وأغلق عَلَيْهِم الْبَاب. فَلَمَّا فتح الْبَاب ابتدره ابْن عمر وَسَأَلَ بِلَالًا مَا فعل النَّبِي ﷺ فَقَالَ: «صلَّى بَين ذَيْنك العمودين الْمُتَقَدِّمين.» (٢) بل كَانَ ابْن عمر ﵁ فِي حجه بعد وَفَاة النَّبِي ﷺ يتتبع الْمَوَاضِع الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا النَّبِي ﷺ فِي طَرِيقه فَيصَلي فِيهَا. ونجد من شدَّة حرص الصَّحَابَة ﵃ على الْخَيْر والاقتداء بِنَبِيِّهِمْ ﷺ أَنهم اقتدوا بِهِ فِيمَا هُوَ من خَصَائِصه ﷺ. فَفِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: «نهى رَسُول الله ﷺ عَن الْوِصَال - فِي الصّيام - فَقَالَ رجل من الْمُسلمين: فَإنَّك تواصل يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «وَأَيكُمْ مثلي إِنِّي أَبيت يطعمني رَبِّي ويسقيني» . فَلَمَّا أَبَوا أَن ينْتَهوا عَن الْوِصَال وَاصل بهم
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ. (٤/١٩٩) بشرح الْفَتْح. وَمُسلم ك: الصّيام ب: بَيَان وَقت انْقِضَاء الصَّوْم وَخُرُوج النَّهَار (٢/٧٧٢) .
(٢) أخرجه البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: حجَّة الْوَدَاع (٨/١٠٥) .
[ ١٣١ ]
يَوْمًا ثمَّ يَوْمًا ثمَّ رَأَوْا الْهلَال فَقَالَ: «لَو تَأَخّر الْهلَال لزدتكم كالمنكَّل لَهُم حِين أَبَوا أَن ينْتَهوا» مُتَّفق عَلَيْهِ (١) وَهَذَا حرص مِنْهُم ﵃ على الْخَيْر وظنًا أَن نهي النَّبِي لَهُم من بَاب الشَّفَقَة عَلَيْهِم وهم لحرصهم على الْخَيْر وَقُوَّة عزيمتهم رَأَوْا أَنهم قادرون على مُتَابعَة النَّبِي ﷺ فِي هَذِه الْعِبَادَة. وَهَكَذَا يتَبَيَّن أثر الْقدْوَة فِي النُّفُوس وأهميتها فِي التربية. وَإِذا تخلفت الْقدْوَة ضعفت التربية وَلَا ترى للمبادئ والتوجيهات أثرا وواقعًا عمليا، وَلِهَذَا نجد النُّصُوص الشَّرْعِيَّة تحذر من مُخَالفَة الْعَالم لما يُعلمه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كَبُر مقتًا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَالا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ويشنع الله ﷿ على طَائِفَة مِمَّن قبلنَا هَذِه الْخصْلَة فَيَقُول: ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم وَأَنْتُم تتلون الْكتاب أَفلا تعقلون﴾ (٣)
فالعالم والمربي إِذا أَمر بِالْخَيرِ وَلم يَفْعَله وَنهى عَن الشَّرّ وَهُوَ واقعٌ فِيهِ لم يكن لقَوْله تَأْثِير، يَقُول مَالك بن دِينَار ﵀: «إنّ الْعَالم إِذا لم يعْمل بِعِلْمِهِ زلّت موعظته عَن الْقُلُوب كَمَا يزل الْقطر عَن الصَّفَا» (٤) وَقد أَفَاضَ عُلَمَاء التربية فِي دور الْتِزَام المربي بتطبيق آرائه ونصائحه على نَفسه أَمَام تلاميذه وَمن يوجههم، وَقد تنبه لأهمية ذَلِك الشَّاعِر الْقَائِل:
يَا أَيهَا الرجل الْمعلم غَيره هلا لنَفسك كَانَ ذَا التَّعْلِيم
ابدأ بِنَفْسِك فانهها عَن غيها فَإِذا انْتَهَت عَنهُ فَأَنت حَكِيم
فهناك يسمع مَا تَقول ويشتفى بالْقَوْل مِنْك وينفع التَّعْلِيم
_________________
(١) صَحِيح البُخَارِيّ ك: الصَّوْم ب: التنكيل لمن أَكثر الْوِصَال (٤/٢٠٥) ح:١٩٦٥ وَمُسلم ك: الصّيام ب: النَّهْي عَن الْوِصَال فِي الصَّوْم (٢/٧٧٤) ح١١٠٣.
(٢) سُورَة الصَّفّ: آيَة / ٢.
(٣) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة / ٤٤.
(٤) أخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان (٢/٢٩٧) .
[ ١٣٢ ]
لَا تنه عَن خلق وَتَأْتِي مثله عَار عَلَيْك إِذا فعلت عَظِيم
وفاقد الرشد كَيفَ يرشد غَيره، وَمن لَا نور لَهُ كَيفَ يَسْتَنِير بِهِ سواهُ.
وَمِمَّا يدل على أثر تخلف الْقدْوَة فِي الْعَمَل مَا ورد فِي حَدِيث صلح الْحُدَيْبِيَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ لأَصْحَابه بعد الصُّلْح: «قومُوا فَانْحَرُوا ثمَّ احْلقُوا» قَالَ الرَّاوِي: فوَاللَّه مَا قَامَ مِنْهُم رجل، حَتَّى قَالَ ذَلِك ثَلَاث مَرَّات، فَلَمَّا لم يقم مِنْهُم أحد دخل على أم سَلمَة فَذكر لَهَا مَا لَقِي من النَّاس فَقَالَت أم سَلمَة ﵂: يانبي الله أَتُحِبُّ ذَلِك؟ اخْرُج ثمَّ لَا تكلم أحدا مِنْهُم كلمة حَتَّى تنحر بدنك وَتَدْعُو حالقك فيحلقك. فَخرج فَلم يكلم أحدا مِنْهُم حَتَّى فعل ذَلِك نحر بُدنَه ودعا حالقه فحلقه فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِك قَامُوا فنحروا وَجعل بَعضهم يحلق بَعْضًا» (١) فَانْظُر كَيفَ بَادر الصَّحَابَة ﵃ حينما تمثلت أمامهم الْقدْوَة وَكَيف أحجموا قبل ذَلِك. مِمَّا يُؤَكد أهمية الْقدْوَة وضرورتها. يَقُول الْمَنَاوِيّ فِي شَرحه لأحاديث الْجَامِع الصَّغِير - مُبينًا أثر تخلف الْقدْوَة ـ: «فَحق الْوَاعِظ أَن يتعظ بِمَا يعظ ويُبصر ثمَّ يبَصَّر ويهتدي ثمَّ يهدي وَلَا يكون دفترا يُفِيد وَلَا يَسْتَفِيد ومِسَنًّا يشحذ وَلَا يقطع بل يكون كَالشَّمْسِ الَّتِي تفِيد الْقَمَر الضَّوْء وَلها أفضل مِمَّا تفيده وكالنار الَّتِي تَحْمِي الْحَدِيد وَلها من الحمي أَكثر وَيجب أَن لَا يجرح مقاله بِفِعْلِهِ وَلَا يكذب لِسَانه بِحَالهِ فَيكون مِمَّن وَصفه الله تَعَالَى بقوله ﴿وَمن النَّاس من يُعْجِبك قَوْله فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيشْهد الله على مافي قلبه وَهُوَ أَشد الْخِصَام﴾ (٢) فالواعظ مَا لم يكن مَعَ مقاله فعال لم ينْتَفع بِهِ إِذْ عمله مدرك بالبصر وَعلمه مدرك بالبصيرة وَأكْثر النَّاس أهل أبصار لَا بصائر فَيجب كَون عنايته
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ك: الشُّرُوط ب: الشُّرُوط فِي الْجِهَاد، فِي أثْنَاء حَدِيث طَوِيل رقم: ٢٧٣١. انْظُر الْفَتْح (٥/٣٢٩ - ٣٣٣) .
(٢) سُورَة البقره الْآيَة ٢٠٤.
[ ١٣٣ ]
بِإِظْهَار مَا يُدْرِكهُ جَمَاعَتهمْ أَكثر ومنزلة الْوَاعِظ من الموعوظ كالمداوي من الطَّبِيب إِذا قَالَ للنَّاس لَا تَأْكُلُوا كَذَا فَإِنَّهُ سمّ ثمَّ رَأَوْهُ يَأْكُلهُ عدّ سخرية وهزءا كَذَا الْوَاعِظ إِذا أَمر بِمَا لم يعمله وَقيل من وعظ بقوله ضَاعَ كَلَامه وَمن وعظ بِفِعْلِهِ نفذت سهامه وَقيل عمل رجل فِي ألف رجل أبلغ من قَول ألف رجل فِي رجل (١) .
_________________
(١) فيض الْقَدِير للمناوي (١/٧٨) .
[ ١٣٤ ]