الوقفة الثَّانِيَة: التربية الأخلاقية
لقد أعْطى الرَّسُول ﷺ للأخلاق منزلَة عالية تمثلت فِي توجيهاته ﷺ، وَمَا أعطَاهُ للأخلاق من أهمية، وَمَا بذله فِي سَبِيل ترسيخ الْأَخْلَاق، وغرسها فِي نفوس أَصْحَابه منهجًا رائعًا آتى ثماره وَكَانَ خير مَنْهَج فِي تَقْوِيم السلوك والدعوة لِلْخلقِ الْحسن. يتَمَثَّل ذَلِك فِي الْأُمُور الْآتِيَة:
أَولا: كَانَ ﷺ قبل أَن يُوَجه أَصْحَابه إِلَى اتّباع الْخلق الْحسن كَانَ خير قدوة لَهُم فِي ذَلِك فقد كَانَ ﵇ قمة سامقة فِي الْأَخْلَاق السامية حَتَّى شهد لَهُ بذلك الْقُرْآن الْكَرِيم قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ (١) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ (٢) فقد أدب الله (نبيه بآداب حَسَنَة، وَجعل لَهُ برحمته هَذِه الْأَخْلَاق الْعَالِيَة ﴿فبمَا رَحْمَة من الله لنت لَهُم وَلَو كنت فظًا غليظ الْقلب لانفضوا من حولك﴾ (٣) وَكَانَ ﵇ يَسْتَقِي من الْقُرْآن أخلاقه، فَعَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا سُئلت عَن خلق رَسُول الله (فَقَالَت: «كَانَ خلقه الْقُرْآن» أخرجه مُسلم (٤) وَلَقَد كَانَ (يُعَامل جَمِيع النَّاس مُعَاملَة خلقية عالية حَتَّى خَدَمُه قَالَ: أنس بن مَالك ﵁: «خدمت رَسُول الله عشر سِنِين فَمَا قَالَ لي: أفٍ قطّ، وَمَا قَالَ لشَيْء صَنعته لم صَنعته؟ وَلَا لشَيْء تركته لم تركته؟
وَكَانَ رَسُول الله أحسن النَّاس خلقا، وَلَا مسست خَزًّا وَلَا حَرِيرًا وَلَا شَيْئا كَانَ أَلين من كفِّ رَسُول الله ﷺ وَلَا شممت مسكًا
_________________
(١) سُورَة الْقَلَم / آيَة: ٤.
(٢) سُورَة التَّوْبَة / أَيَّة: ١٢٨.
(٣) سُورَة آل عمرَان / آيَة: ١٥٩.
(٤) أخرجه مُسلم ك: صَلَاة الْمُسَافِرين ب: جَامع صَلَاة اللَّيْل ح٧٤٦ (١/٥١٣) .
[ ١١٨ ]
قطّ وَلَا عطرًا كَانَ أطيب من عرق النَّبِي» رَوَاهُ مُسلم (١) .
وَكَانَ لهَذِهِ الْأَخْلَاق أثر عَظِيم فِي نفوس أَصْحَابه (. فقد شهدُوا لَهُ (بِحسن الْخلق واقتفوا أَثَره فِي ذَلِك، عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ (قَالَ: لم يكن رَسُول الله (فَاحِشا وَلَا متفحشًا وَكَانَ يَقُول: «إنّ من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا» مُتَّفق عَلَيْهِ (٢) . وَعَن أنس (قَالَ: كَانَ رَسُول الله أحسن النَّاس خلقا وَكَانَ لي أَخ فطيم يُسمى أَبَا عُمَيْر لَدَيْهِ عُصْفُور مَرِيض اسْمه النغير فَكَانَ رَسُول الله يلاطف الطِّفْل الصَّغِير وَيَقُول لَهُ: يَا أَبَا عُمَيْر مَا فعل النغير» أخرجه البُخَارِيّ (٣) وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «ماخُيِّر رَسُول الله ﷺ بَين أَمريْن إِلَّا اخْتَار أيسرهما مالم يكن إِثْمًا فَإِن كَانَ إِثْمًا كَانَ أبعد النَّاس عَنهُ، وَمَا انتقم الرَّسُول ﷺ لنَفسِهِ فِي شَيْء قطّ إِلَّا أَن تنتهك حُرْمَة الله فينتقم، وَمَا ضرب رَسُول الله ﷺ شَيْئا قطّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَة وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَن يُجَاهد فِي سَبِيل الله تَعَالَى» مُتَّفق عَلَيْهِ (٤) .
وَعَن أنس ﵁ قَالَ: «إِن كَانَت الأَمَةُ لتأْخذ بيد رَسُول الله ﷺ فتنطلق بِهِ حَيْثُ شَاءَت» رَوَاهُ البُخَارِيّ (٥) وَمن المواقف
_________________
(١) صَحِيح مُسلم ك: الْفَضَائِل ب: كَانَ رَسُول الله ﷺ أحسن النَّاس خلقا (٤/١٨٠٤) وَانْظُر (٤/١٨١٤) وَأخرجه التِّرْمِذِيّ (ك: الْبر والصلة ب: مَا جَاءَ فِي النَّبِي ٤/٣٦٨) .
(٢) البُخَارِيّ (ك: الْأَدَب ب: حسن الْخلق والسخاء ١٠/٥٢٦) وَمُسلم (ك: الْفَضَائِل ب: كَثْرَة صِيَامه ﷺ ٤/١٨١٠) .
(٣) البُخَارِيّ (ك: الْأَدَب ب: الانبساط إِلَيّ النَّاس ١٠/٥٢٦) .
(٤) البُخَارِيّ (ك: الْأَدَب ب: قَول النَّبِي ﷺ يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا ١٠/٥٢٤، ٥٢٥) وَمُسلم (ك: الْفَضَائِل ب: مباعدته ﷺ للآثام ٤/١٨١٣) .
(٥) أخرجه البُخَارِيّ ك: الْأَدَب ب: الْكبر (١٠/٤٨٩) ح (٧٢: ٦) .
[ ١١٩ ]
الَّتِي تدل على سمو أخلاقه ﷺ مارواه مُعَاوِيَة بن الحكم السّلمِيّ ﵁ قَالَ: «بَينا أَنا أُصَلِّي مَعَ رَسُول الله ﷺ إِذْ عَطَسَ رجل من الْقَوْم. فقلتُ: يَرْحَمْكَ اللهُ، فَرَمَانِي الْقَوْم بِأَبْصَارِهِمْ، فقلتُ: واثُكْلَ أُمَيَاهْ ﴿مَا شأنُكم تنْظرُون إليَّ؟ وَجعلُوا يضْربُونَ بِأَيْدِيهِم على أَفْخَاذهم، فلَمَّا رأيتُهم يُصَمِّتُونَنِي، لكِنِّي سَكَتُّ، فلمّا صلَّى رَسُول الله ﷺ، فبأبي هُوَ وأمِّي مَا رأيتُ معلِّمًا قبلَه وَلَا بعدَه أحسنَ تَعْلِيما مِنْهُ، فواللهِ ماكَهَرَنِي وَلاَ ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي قَالَ: «إنَّ هَذِه الصّلاة لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْء من كَلَام النّاس، إِنَّما هِيَ للتَّسبيح والتَّكبير وَقِرَاءَة الْقُرْآن» أخرجه مُسلم (١) فَانْظُر لحسن الْخلق وَالْحكمَة والرفق فِي التَّوْجِيه من المربي الْعَظِيم ﷺ، وَعَن أنس بن مَالك وَأبي هُرَيْرَة ﵄ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِي فَدخل الْمَسْجِد ثمَّ صلى ثمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي ومحمدًا وَلَا ترحم مَعنا أحدا. فَقَالَ ﷺ لقد تحجرت وَاسِعًا ثمَّ لم يلبث أَن بَال فِي طَائِفَة الْمَسْجِد فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ: مَه﴾ مَه! قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «لاتزرموه، دَعوه فَلَقَد بعثتم ميسرين وَلم تبعثوا معسرين» . قَالَ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَال ثمَّ أَن رَسُول الله ﷺ دَعَاهُ ثمَّ قَالَ: «إِن هَذِه الْمَسَاجِد لَا تصلح لشَيْء من هَذَا الْبَوْل وَلَا القذر إِنَّمَا هِيَ لذكر الله ﷿ وَالصَّلَاة وَقِرَاءَة الْقُرْآن»؛ ثمَّ دَعَا بذَنُوب من مَاء فصُبَّ على بَوْله» أخرجه الْجَمَاعَة بِأَلْفَاظ مُتَقَارِبَة (٢) وَلَقَد كَانَ لهَذَا التَّعْلِيم الْحَكِيم والمعاملة الْحَسَنَة أَثَرهَا
_________________
(١) صَحِيح مُسلم (ك: الْمَسَاجِد ومواضع الصَّلَاة ب: تَحْرِيم الْكَلَام فِي الصَّلَاة (١/٣٨١) ح:٥٣٧
(٢) البُخَارِيّ (ك: الْوضُوء ب: ترك النَّبِي ﷺ وَالنَّاس الْأَعرَابِي حَتَّى فرغ من بَوْله فِي الْمَسْجِد ١/٣٢٢) وَأخرجه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الْبَاب الَّذِي بعده، وَمُسلم (ك: الطَّهَارَة ب: وجوب غسل الْبَوْل وَغَيره من النَّجَاسَات إِذا حصلت فِي الْمَسْجِد ١/٢٣٦) ح: (٢٨٤) وَأَبُو دَاوُد (ك: الطَّهَارَة ب: الأَرْض يُصِيبهُ الْبَوْل ١/٢٦٤ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَاللَّفْظ لَهُ ح: ٣٨٠) .
[ ١٢٠ ]
فِي نفس ذَلِك الْأَعرَابِي فها هُوَ يروي قصَّته وَيَقُول كَمَا روى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ: يَقُول الْأَعرَابِي بعد أَن فقه: «فَقَامَ النَّبِي ﷺ إِلَيّ بِأبي هُوَ وَأمي فَلم يسب وَلم يؤنب وَلم يضْرب» أخرجه ابْن مَاجَه (١) هَكَذَا كَانَ تعامله ﷺ كَانَ أحسن الْخلق خُلقا وأفضلهم تَعْلِيما روى البُخَارِيّ عَن أنس ﵁ قَالَ: «كنت أَمْشِي مَعَ رَسُول الله ﷺ وَعَلِيهِ بُرْد غليظ الْحَاشِيَة فأدركه أَعْرَابِي فَجَذَبَهُ جذبة شَدِيدَة حَتَّى نظرت إِلَى صفحة عاتق رَسُول الله ﷺ وَقد أثرت بهَا حَاشِيَة الْبرد من شدَّة جذبته ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّد، مُرْلي من مَال الله الَّذِي عنْدك، فَالْتَفت إِلَيْهِ رَسُول الله وَضحك وَأمر لَهُ بعطاء» أخرجه البُخَارِيّ (٢) هَكَذَا كَانَت أخلاقه ﷺ وَلَقَد كَانَ لهَذِهِ الْأَخْلَاق الْعَالِيَة أَثَرهَا فِي نفوس أَصْحَابه الَّذين سادوا من بعده الدُّنْيَا بأخلاقهم وَذَلِكَ عِنْدَمَا اقتدوا بِهِ وَسَارُوا على أَثَره.
ثَانِيًا: جعل الرَّسُول ﷺ للأخلاق مكانة عالية فِي النُّفُوس فَمن ذَلِك أَن جعلهَا من مَقَاصِد بعثته ﵇ فقد صحَّ عَنهُ ﷺ قَوْله: «إِنَّمَا بعثت لأتمم مَكَارِم الْأَخْلَاق وَفِي رِوَايَة صَالح الْأَخْلَاق» أخرجه الإِمَام مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَأحمد فِي مُسْنده وَصَححهُ ابْن عبد الْبر (٣) فَلَقَد علق أَمر الْبعْثَة بتتميم الْأَخْلَاق، وتتميم الْأَخْلَاق لَهُ طريقتان:
_________________
(١) ابْن مَاجَه (ك: الطَّهَارَة رقم٥٢٢ وَأحمد حَدِيث رقم (١٠١٢٩)
(٢) البُخَارِيّ ك: اللبَاس ب: البرود والحبرة والشملة (١٠/٢٧٥) وَفِي الْأَدَب ب: الْقسم (١٠/٥٠٣)
(٣) موطأ مَالك (٢/٩٠٤) والمسند (٢/٣١٨) وَأخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب المفردرقم: (٢٨٣) وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (٢/٦١٣) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ وَصَححهُ ابْن عبد الْبر (التَّمْهِيد ٢٤/٣٣٣)
[ ١٢١ ]
الطَّرِيقَة الأولى: أَن يسْتَبْدل الْخلق الجاهلي بِخلق إسلامي إيماني.
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة: استبدال نِيَّة الخُلق إِن كَانَ الخُلق حسنا.
وَمن الْمَعْلُوم أَن أهل الْجَاهِلِيَّة كَانَت لَهُم أَخْلَاق حَسَنَة كالشجاعة وَالْكَرم وَغَيرهَا وَلَكِن كَانَت مقاصدهم فِيهَا سَيِّئَة، فيقصدون من وَرَاء ذَلِك الْفَخر وَكسب ثَنَاء النَّاس ومدحهم، فجَاء الْإِسْلَام وَغير تِلْكَ الْمَقَاصِد، فَجعل من قَاتل شجاعة فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَمن قَاتل لتَكون كلمة الله هِيَ الْعليا فَهُوَ فِي سَبِيل الله ويثاب على ذَلِك وَمن أنْفق ليقال جواد فَهُوَ فِي سَبِيل الشَّيْطَان وَيَأْثَم على ذَلِك وَمن أنْفق فِي سَبِيل الله نَالَ الْأجر والمثوبة من الله. قَالَ الْبَاجِيّ: كَانَت الْعَرَب أحسن النَّاس أَخْلَاقًا بِمَا بَقِي عِنْدهم من شَرِيعَة إِبْرَاهِيم وَكَانُوا قد
ضلوا بالْكفْر عَن كثير مِنْهَا فبُعث ﷺ ليتم محَاسِن الْأَخْلَاق بِبَيَان مَا ضلوا عَنهُ وَبِمَا قضى فِي شَرعه. وَقَالَ ابْن عبد الْبر: يدْخل فِيهِ الصّلاح
وَالْخَيْر كُله وَالدّين وَالْفضل والمروءة وَالْإِحْسَان وَالْعدْل فبذلك بعث ليتممه (١)
أَيْضا أخبر ﷺ أَن أحاسن النَّاس خلقا أقربهم مِنْهُ مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة. عَن جَابر ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ:
«إِن من أحبكم إِلَيّ وأقربكم مني مَجْلِسا يَوْم الْقِيَامَة، أحاسنكم أَخْلَاقًا. وَإِن أبغضكم إِلَيّ وأبعدكم مني يَوْم الْقِيَامَة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون» قَالُوا يَا رَسُول الله قد علمنَا الثرثارون والمتشدقون فَمَا المتفيهقون؟ قَالَ: «المتكبرون» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن (٢) وَكَذَلِكَ كَانَ ﷺ يَأْمر بمعاملة النَّاس بالخلق الْحسن ويقرن ذَلِك بالتقوى
_________________
(١) انْظُر التَّمْهِيد لِابْنِ عبد الْبر (٢٤/٣٣٤)
(٢) أخرجه التِّرْمِذِيّ ك: الْبر والصلة رقم (١٩٤١) وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند رقم (٢/١٨٩) وَحسنه الألباني (الصَّحِيحَة رقم: ٧٩١)
[ ١٢٢ ]
فَفِي الحَدِيث عَن أبي ذَر ومعاذ بن جبل ﵄ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كنت وأتبع السَّيئَة الْحَسَنَة تمحها وخالق النَّاس بِخلق حسن» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح (١) وَقد كَانَ من دُعَائِهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَحْسَنت خلقي فَأحْسن خُلقي» أخرجه الإِمَام أَحْمد بِإِسْنَاد صَحِيح عَن عبد الله بن مَسْعُود (٢) وَقد جعل ﷺ أهل الْأَخْلَاق هم خِيَار النَّاس فَفِي الحَدِيث عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «إِن من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا» مُتَّفق عَلَيْهِ (٣) كل هَذِه الْأُمُور تدل على المكانة الْعَالِيَة الَّتِي جعلهَا الْإِسْلَام للأخلاق.
ثَالِثا: ربط الْإِسْلَام بَين جَمِيع الْعِبَادَات الْمَشْرُوعَة والأخلاق فَالصَّلَاة الْوَاجِبَة جعل الله من مقاصدها النَّهْي عَن الخُلق السَّيئ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِن الصَّلَاة تنْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر﴾ (٤) فالآية تَشْمَل مَا فحش ونكر من القَوْل وَالْفِعْل وَالزَّكَاة الْمَفْرُوضَة إِنَّمَا هِيَ طهرة من أدران الْبُخْل وَالشح وتعويدها على الْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء قَالَ تَعَالَى: ﴿خُذ من أَمْوَالهم صَدَقَة تطهرهُمْ وتزكيهم بهَا﴾ (٥)
_________________
(١) أخرجه التِّرْمِذِيّ ك: الْبر والصلة ب: معاشرة النِّسَاء (٤/٣٥٥ح١٩٨٧٠) وَقَالَ: حسن صَحِيح لَكِن الحَدِيث فِيهِ كَلَام أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن رَجَب فِي شرح الْأَرْبَعين لَكِن ورد عَن النَّبِي ﷺ من وُجُوه أخر ذكرهَا ابْن رَجَب فِي (جَامع الْعُلُوم وَالْحكم ص: ١٣٦ الحَدِيث: ١٨) ويتقوى الحَدِيث بهَا.
(٢) الْمسند رقم (٣٨٢٣) وَصَححهُ أَحْمد شَاكر وَقَالَ الهيثمي: رِجَاله رجال الصَّحِيح غير ابْن الرماح وَهُوَ ثِقَة (مجمع الزَّوَائِد: ١٠/١٧٣) .
(٣) البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (١٠/٤٥٦) ك: الْأَدَب ب: حسن الْخلق والسخاء. وَمُسلم (٤/١٨١٠) ك: الْفَضَائِل ب: كَثْرَة صِيَامه صلى الله عَلَيْهِ وسم.
(٤) سُورَة العنكبوت / آيَة: ٤٥.
(٥) سُورَة التَّوْبَة / آيَة: ١٠٣.
[ ١٢٣ ]
وَالصَّوْم أَيْضا تَهْذِيب للنَّفس عَن الشَّهَوَات المحظورة وإقرارًا لهَذَا الْمَعْنى قَالَ الرَّسُول ﷺ: «من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ وَالْجهل فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَن يدع طَعَامه وَشَرَابه» أخرجه البُخَارِيّ (١) كَذَلِك الْحَج فِيهِ تعويد على الْمعَانِي الخلقية قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَج أشهرٌ مَعْلُومَات فَمن فرض فِيهِنَّ الْحَج فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال فِي الْحَج﴾ (٢)
رَابِعا: وَكَذَلِكَ جعل الْإِسْلَام بَين الْإِيمَان والأخلاق علاقَة وَثِيقَة لذَلِك يَقُول ﵊: «أكمل الْمُؤمنِينَ أيمانا أحْسنهم خلقا» أخرجه التِّرْمِذِيّ وأبوداود (٣) وَقد جعل الرَّسُول ﷺ كثيرا من الْأَخْلَاق من شعب الْإِيمَان فَمن ذَلِك الْحيَاء وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق يَقُول ﵊ «الْإِيمَان بضع وَسَبْعُونَ شُعْبَة فأعلاها شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَدْنَاهَا إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق وَالْحيَاء شُعْبَة من شعب الْإِيمَان» أخرجه مُسلم (٤) . وَقد نفى الرَّسُول ﷺ الْإِيمَان عَمَّن سَاءَ خلقه مَعَ جَاره يَقُول «وَالله لَا يُؤمن قَالَهَا ثَلَاثًا، قيل: من يَا رَسُول الله؟ قَالَ من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه» أخرجه
_________________
(١) صَحِيح البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (٤/١١٦) ك: الصَّوْم ب: من لم يدع قَول الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فِي الصَّوْم.
(٢) سُورَة الْبَقَرَة / آيَة: (١٩٧) .
(٣) أخرجه التِّرْمِذِيّ كتاب الرَّضَاع ب: مَا جَاءَ فِي حق الْمَرْأَة على زَوجهَا (٣/٤٦٦) ح: ١١٦٢ وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه أَبُو دَاوُد ك: السّنة ب: الدَّلِيل على زِيَادَة الْإِيمَان ونقصانه (٥/٦٠) ح:٤٦٨٢. وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند (٢/٢٥٠، ٤٧٢) وَإِسْنَاده حسن وَصَححهُ ابْن حبَان فِي صَحِيحه الْإِحْسَان (٢/٢٢٦ ح٤٧٩) وَالْحَاكِم (١/٣) على شَرط مُسلم واورده الألباني فِي الصَّحِيحَة رقم ٧٥١.
(٤) صَحِيح مُسلم ك: الْإِيمَان ب: بَيَان عدد شعب الْإِيمَان (١/٦٣) ح: ٥٧.
[ ١٢٤ ]
البُخَارِيّ (١) وَكَذَلِكَ عِنْدَمَا يَأْمر الرَّسُول ﷺ أَصْحَابه بِأَمْر من أُمُور الْأَخْلَاق فَإِنَّهُ يُقدم لذَلِك بِذكر الْإِيمَان بِاللَّه. فَمن ذَلِك: مَا ورد عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ «من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم جَاره، وَمن كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَليُكرم ضَيفه» رَوَاهُ مُسلم (٢) وَهَكَذَا نجد أَن الْأَخْلَاق مرتبطة بِالْإِيمَان ارتباطًا قَوِيا وَفِي ذَلِك مَا يدل على أهميتها وحرص الْإِسْلَام على ترسيخها.
خَامِسًا: جعل الرَّسُول ﷺ لِلْخلقِ منزلَة عالية فِي الْآخِرَة وَذَلِكَ ببيانه لجزيل الْأجر وَالثَّوَاب الَّذِي يحصل عَلَيْهِ صَاحب الْخلق الْحسن. عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول «إِن الْمُؤمن ليدرك بِحسن خلقه دَرَجَة الصَّائِم الْقَائِم» رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَصَححهُ ابْن حبَان (٣) وَفِي رِوَايَة للطبراني عَن أنس: «إِن العَبْد ليبلغ بِحسن خلقه عَظِيم دَرَجَات الْآخِرَة وَشرف الْمنَازل وَإنَّهُ لضعيف الْعِبَادَة» (٤) بل قد فسر الرَّسُول ﷺ البِرّ الَّذِي هُوَ مرتبَة عالية فِي الْعِبَادَة - فسره
_________________
(١) صَحِيح البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (١٠/٤٤٣) ك: الْأَدَب ب: إِثْم من لَا يَأْمَن جَاره بوائقه.
(٢) صَحِيح مُسلم ك: الْإِيمَان ب: الْحَث على إكرام الْجَار والضعيف وَلُزُوم الصمت (١/٦٨) ح:٧٤.
(٣) أخرجه أَبُو دَاوُد ك: الْأَدَب ب: فِي حسن الْخلق (٥/١٤٩) ح: ٤٧٩٨ وَأخرجه أَحْمد فِي الْمسند (٦/٦٤، ٩٠) وَابْن حبَان كَمَا فِي الْإِحْسَان (٢/٢٢٨ ح: ٤٨٠) والْحَدِيث فِي إِسْنَاده الْمطلب. يرْوى عَن عَائِشَة وَفِي سَمَاعه مِنْهَا خلاف إِلَّا أَن للْحَدِيث شَاهدا عَن عبد الله بن عَمْرو فِي الْمسند (٢/٢٢٠) وَفِيه ابْن الهيعه وَله شَاهد أخر عَن أبي هُرَيْرَة أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد رقم (٢٤٨) وَصَححهُ الْحَاكِم على شَرط مُسلم (١/٦٠) فَالْحَدِيث حسن بشواهده.
(٤) مُعْجم الطَّبَرَانِيّ (١/٧٥٤) .
[ ١٢٥ ]
بِحسن الْخلق كَمَا فِي حَدِيث النواس بن سمْعَان ﵁ قَالَ: «سَأَلت رَسُول الله ﷺ عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ: الْبر حسن الْخلق الخ» أخرجه مُسلم (١) وَإِذا جَاءَ ذكر الموازين ومقادير الْأَعْمَال الصَّالِحَة فللخلق الْحسن قصب السَّبق فِي هَذَا الْبَاب، فقد أخبر الرَّسُول ﵊ أَن أثقل شَيْء فِي حَسَنَات العَبْد يَوْم الْقِيَامَة هُوَ حسن الْخلق. عَن أَبى الدَّرْدَاء ﵁: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «مَا من شَيْء أثقل فِي ميزَان الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من حسن الْخلق وَإِن الله يبغض الْفَاحِش الْبَذِيء» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح (٢) وَإِذا جَاءَ ذكر الْجنَّة وَمَا يؤهل لَهَا وَيُوجب دُخُولهَا وجدت لِلْخلقِ الْحسن قدره ومكانته فَأخْبر ﵊ أَن حسن الْخلق من أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة، وَفِي هَذَا بَيَان لمنزلة الْخلق بَين أَعمال الْآخِرَة عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن أَكثر مَا يدْخل النَّاس الْجنَّة فَقَالَ: «تقوى الله وَحسن الْخلق» رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح. وَأخرجه أَحْمد، وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم (٣) وَإِذا تفاخر النَّاس بِمَا أَعْطَاهُم الله من حسب وَنسب وَمَال وبنين فَإِن ماأُعطاه
_________________
(١) صَحِيح مُسلم ك: الْبر والصلة ب: تَفْسِير الْبر والاثم (٥/١٩٨٠) ح: ٢٥٥٣.
(٢) التِّرْمِذِيّ ك: الْبر والصلة ب: مَا جَاءَ فِي حسن الْخلق (٤/٣٦١) رقم (٢٠٠٢) وَأبي دَاوُد ك: الْأَدَب ب: فِي حسن الْخلق (٥/١٤٩) رقم ٤٧٩٩، وَأحمد (٦/٤٤٦) وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد رقم (٢٧٠) وَابْن حبَان فِي صَحِيحه الْإِحْسَان (٢/٢٣٠) رقم: (٤٨١) وَإسْنَاد الحَدِيث حسن.
(٣) أخرجه التِّرْمِذِيّ ك: الْبر والصلة ب: مَا جَاءَ فِي حسن الْخلق (٤م٣٦٢) رقم٢٠٠٤ وَأخرجه أبن ماجة ك: الزّهْد ب: ذكر الذُّنُوب رقم (٤٢٤٦) وَأخرجه أَحْمد (٢/٢٩١) وَابْن حبَان الْإِحْسَان (٢/٢٢٤) وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (٤/٣٢٤) وَصَححهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ والْحَدِيث إِسْنَاده حسن.
[ ١٢٦ ]
صَاحب الْخلق يفوق ذَلِك فعندما سَأَلَ الصَّحَابَة رَسُول الله ﷺ عَن خير مَا أُعطي الْإِنْسَان؟ قَالَ: «خلق حسن» . أخرجه ابْن مَاجَه عَن أُسَامَة بن شريك بِسَنَد صَحِيح (١)
سادسًا: بعد هَذَا كُله كَانَ الرَّسُول ﷺ إِذا رأى فِي أَصْحَابه جنوحًا عَن الْخلق السَّلِيم، قَوَّم ذَلِك وَوجه أَصْحَابه إِلَى مَا يجب أَن يَكُونُوا عَلَيْهِ من أَخْلَاق. فَمن أَمْثِلَة ذَلِك - والأمثلة كَثِيرَة جدا - عَن الْمَعْرُور ابْن سُوَيْد قَالَ: لقِيت أَبَا ذَر بالربذة وَعَلِيهِ حُلّة وعَلى غُلَامه حُلَّة فَسَأَلته عَن ذَلِك فَقَالَ: إِنِّي ساببت رجلا فَعَيَّرْته بِأُمِّهِ فَقَالَ لي النَّبِي ﷺ: «يَا أَبَا ذَر أعيرته بِأُمِّهِ؟ إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة، إخْوَانكُمْ خولكم، جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا يَأْكُل، وليلبسه مِمَّا يلبس، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبهُمْ، فان كفلتموهم فَأَعِينُوهُمْ» أخرجه البُخَارِيّ (٢) وَعَن أنس ﵁ قَالَ: مرّ النَّبِي ﷺ بِامْرَأَة تبْكي عِنْد قبر فَقَالَ: «اتقِي الله واصبري، قَالَت إِلَيْك عني فَإنَّك لم تصب بمصيبتي وَلم تعرفه»، فَقيل: إِنَّه النَّبِي ﷺ فَأَتَت بَاب النَّبِي ﷺ فَلم تَجِد عِنْده بوابين. فَقَالَت: لم أعرفك. فَقَالَ: «إِنَّمَا الصَّبْر عِنْد الصدمة الأولى» مُتَّفق عَلَيْهِ (٣) . وَعَن سُلَيْمَان بن صرد قَالَ: «كنت جَالِسا مَعَ النَّبِي ﷺ ورجلان يستبَّان وَأَحَدهمَا قد احمر وَجهه وَانْتَفَخَتْ أوداجه فَقَالَ رَسُول الله ﷺ «إِنِّي لأعْلم كلمة لَو قَالَهَا لذهب عَنهُ مَا يجد،
_________________
(١) أخرجه بن مَاجَه آخر حَدِيث ك: الطِّبّ رقم.٣٤٢٧
(٢) صَحِيح البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (١/٨٤) ك: الْإِيمَان ب: الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة.
(٣) البُخَارِيّ بشرح الْفَتْح (٣/١٤٨) ك: الْجَنَائِز ب: الْقُبُور ح (١٢٨٣) وَمُسلم ك: الْجَنَائِز فِي الصَّبْر على الْمُصِيبَة (٢/٦٣٧) ح٩٢٦.
[ ١٢٧ ]
لوقال: أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم ذهب عَنهُ مَا يجد»، فَقَالُوا لَهُ: أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: تعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم، فَقَالَ: وَهل بِي من جُنُون» مُتَّفق عَلَيْهِ (١) وَهَكَذَا يتَبَيَّن لنا أَن منهجه ﷺ فِي التربية وتقويم الْأَخْلَاق أكمل مَنْهَج وأقوم سَبِيل آتى ثماره.
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ (ك: الْخلق ب: صفة إِبْلِيس ٦/٣٣٧) وَمُسلم (ك: الْأَدَب ب: فضل من يملك نَفسه عِنْد الْغَضَب٤/٢٠١٥) ح: ٢٦١٠/٢٠١٥.
[ ١٢٨ ]