لقد كَانَ كتاب الله ﷿ لَهُ أعظم الْأَثر فِي تَهْذِيب نفوس الصَّحَابَة وتربيتهم كَيفَ لَا وَهُوَ كتاب الله المعجز الَّذِي تَأْخُذ فَصَاحَته بالألباب. وتؤثر مَعَانِيه فِي الْقُلُوب وَلَو نزل على الْجبَال الراسيات لصدّعها ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعًا من خشيَة الله﴾ (١) هُوَ الَّذِي لم تتمالك الْجِنّ إِذْ حَضَرُوهُ إِلَّا أَن ﴿قَالُوا: أَنْصتُوا فَلَمَّا قضي وَلَو إِلَى قَومهمْ منذرين﴾ (٢) وَقَالُوا أَيْضا ﴿إِنَّا سمعنَا قرآنًاعجبًا يهدي إِلَى الرشد فَآمَنا بِهِ﴾ (٣) وَلَقَد شهد بتأثير الْقُرْآن وفصاحته وعلوه الْمُشْركُونَ الَّذين عاندوه وَكَفرُوا بِهِ فالوليد بن الْمُغيرَة عِنْدَمَا قَرَأَ عَلَيْهِ النَّبِي (الْقُرْآن قَالَ: «وَالله إِن لقَوْله الَّذِي يَقُول حلاوة، وَإِن عَلَيْهِ لطلاوة وَإِن أَعْلَاهُ لمثمر، وَأَن أَسْفَله لمغدق وَإنَّهُ ليعلو وَمَا يعلى عَلَيْهِ، وَإنَّهُ ليحطم مَا تَحْتَهُ» . (٤)
هَذَا الْقُرْآن الْعَظِيم معْجزَة مُؤثرَة على طول الزَّمَان تدل على صدق مُحَمَّد ﷺ وَلذَلِك كَانَ ﷺ يَرْجُو أَن يكون بِهَذِهِ المعجزة أَكثر الْأَنْبِيَاء تَابعا فَفِي الحَدِيث عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «مامن الْأَنْبِيَاء إِلَّا قد أعطي من الْآيَات مَا
_________________
(١) سُورَة الْحَشْر: آيَة/٢١.
(٢) سُورَة الْأَحْقَاف: آيَة/٢٩.
(٣) سُورَة الْجِنّ: آيَة/ ١.
(٤) أخرجه الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (٢/٥٠٦، ٥٠٧) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد على شَرط البُخَارِيّ وَلم يخرجَاهُ وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة (٢/١٩٨، ١٩٩) من طَرِيق الْحَاكِم وَمن طرق أُخْرَى مُرْسلا وَقَالَ بعْدهَا: وكل ذَلِك يُؤَكد بعضه بَعْضًا.
[ ١٤٣ ]
مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر. وانما كَانَ الَّذِي أُوتيت وَحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أَن أكون أَكْثَرهم تَابعا يَوْم الْقِيَامَة» (١)
هَذَا الْقُرْآن الْعَظِيم تلقّاه الصَّحَابَة ﵃ بشغف عَجِيب يتلونه ويتدبرونه ويعملون بِهِ وَكَانَ النَّبِي ﷺ يربيهم بِالْقُرْآنِ ويتمثل أمامهم بآداب الْقُرْآن فَكَانَ خلقه الْقُرْآن وهديه الْقُرْآن ثمَّ كَانَ يحدوهم فِي ذَلِك ماورد من الثَّوَاب لمن تَلا الْقُرْآن وتدبره وَعمل بِهِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَتلون كتاب الله وَأَقَامُوا الصَّلَاة وأنفقوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يرجون تِجَارَة لن تبور ليوفيهم أُجُورهم ويزيدهم من فَضله انه غَفُور شكور﴾ (٢)
وَقَوله ﷺ: «الماهر بِالْقُرْآنِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ عَلَيْهِ شاق لَهُ أَجْرَانِ» رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم. (٣)
وروى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ: «يُقَال لصَاحب الْقُرْآن اقْرَأ وارق ورتل كَمَا كنت ترتل فِي الدُّنْيَا فَإِن مَنْزِلك عِنْد آخرآية تقرأها» (٤) وروى التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ بِهِ حسنه والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا. لَا أَقُول آلم حرف
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ك: فَضَائِل الْقُرْآن ب: كَيفَ نزل الْوَحْي (٩/٣) وَأخرجه مُسلم ك: الْإِيمَان ب: وجوب الْإِيمَان برسالة نَبينَا مُحَمَّد ﷺ (١/١٣٤) .
(٢) سُورَة فاطر: آيَة/٣٠.
(٣) صَحِيح البُخَارِيّ ك: التَّفْسِير ب: سُورَة عبس. (٨/٦٩١) وَمُسلم فِي صَلَاة الْمُسَافِرين ب: فضل الماهر بِالْقُرْآنِ رقم٧٩٨) .
(٤) سنَن التِّرْمِذِيّ ك: ثَوَاب الْقُرْآن ب: ١٧ رقم (٢٩١٥) . وَسنَن أبي دَاوُد ك: الصَّلَاة ب: اسْتِحْبَاب الترتيل رقم: (١٤٦٤) وَرَوَاهُ أَحْمد (٢/١٩٢) والْحَدِيث إِسْنَاده حسن.
[ ١٤٤ ]
وَلَكِن ألف حرف وَلَام حرف وَمِيم حرف» (١) وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة مَعْرُوفَة تدل على فضل قِرَاءَة الْقُرْآن وَحفظه وملازمة ذَلِك ثمَّ تَأتي الْآيَات مُؤَكدَة على أَمر آخر مَعَ الْقِرَاءَة وَهُوَ التدبر ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبّروا آيَاته﴾ (٢) ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ (٣) وآيات أُخْرَى كَثِيرَة. فَكَانَ الصَّحَابَة ﵃ لَهُم قدم صدق ومثلٌ أَعلَى فِي هَذَا الْبَاب فَكَانُوا لَا يتجاوزون عشر آيَات حَتَّى يتعلموا مافيها من الْعلم وَالْعَمَل. فَجمعُوا بَين الْعلم والتدبر وَالْعَمَل فَكَانُوا يحيون اللَّيْل بِالْقُرْآنِ إِذا أَمْسَى الْمسَاء لَهُم دويّ كدويّ النَّحْل بِالْقُرْآنِ. فهذب الْقُرْآن نُفُوسهم وقوّم أَخْلَاقهم وسما بهم إِلَى العلياء فَضربُوا أَمْثِلَة عليا فِي كل خير. ولنعرض إِلَى بعض المواقف الَّتِي تدل على استجابتهم لِلْقُرْآنِ ووقوفهم عِنْده.
روى البُخَارِيّ فِي صَحِيحه عَن أنس بن مَالك ﵁ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَة ﵁ أَكثر الْأَنْصَار بِالْمَدِينَةِ مَالا من نخل وَكَانَ أحب أَمْوَاله إِلَيْهِ بيرحاء. وَكَانَت مُستقبلة الْمَسْجِد وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يدخلهَا وَيشْرب من مَاء فِيهَا طيب قَالَ أنس: فَلَمَّا أُنزلت هَذِه الْآيَة ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ (٤) قَامَ أَبُو طَلْحَة إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ: يارسول الله إِن الله ﵎ يَقُول: ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ وَإِن احبّ أَمْوَالِي إِلَيّ بيرحاء، وَإِنَّهَا صَدَقَة لله أَرْجُو برّها وَذُخْرهَا عِنْد
_________________
(١) أخرجه التِّرْمِذِيّ ك: ثَوَاب الْقُرْآن ب: مَا جَاءَ فِيمَن قَرَأَ حرفا من الْقُرْآن مَاله من الْأجر رقم: (٢٩١٢) . وَإِسْنَاده صَحِيح.
(٢) الْآيَة (٢٩) سُورَة ص.
(٣) الْآيَة (٨٢) سُورَة النِّسَاء.
(٤) الْآيَة (٩٢) سُورَة آل عمرَان.
[ ١٤٥ ]
الله، فضعها يَا رَسُول الله حَيْثُ أَرَاك الله. قَالَ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: «بخ ذَلِك مَال رابح ذَلِك مَال رابح، وَقد سَمِعت مَا قلت. وَإِنِّي أرى أَن تجعلها فِي الْأَقْرَبين» فَقَالَ أَبُو طَلْحَة: أفعل يارسول الله فَقَسمهَا أَبُو طَلْحَة فِي أَقَاربه وَبني عَمه. (١) إِنَّهَا صُورَة رائعة للاستجابة والمبادرة إِلَى الْخَيْر والحرص على الْبر والزهد فِيمَا تحب النَّفس ابْتِغَاء لِلْأجرِ وطلبًا للذخر عِنْد الله تَعَالَى.
وموقف آخر استجابة لهَذِهِ الْآيَة ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ لعمر ابْن الْخطاب ﵁، وَكَانَ من السَّابِقين للخير؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن عمر قَالَ: يارسول الله، لم أُصِبْ مَالا قطُّ هُوَ أنفسُ عِنْدِي من سهْمِي الَّذِي بِخَيْبَر، فَمَا تَأْمُرنِي بِهِ؟ قَالَ: "حَبّس الأَصْل وسَبَّل الثَّمَرَة"، فَتَصَدَّقَ بهَا عُمَرُ أَن لايُباع وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَتَصَدَّقَ بهَا فِي الْفُقَرَاء وَفِي الْقُرْبَى وَفِي الرّقاب وَفِي سَبِيل الله» (٢) انْظُر كَيفَ يتحرون نفائس مَالهم وينفقون مَا تحبه نُفُوسهم ﵃. واسمع إِلَى ابْن عمر ﵄ يَقُول: حضرتني هَذِه الْآيَة ﴿لن تنالوا الْبر حَتَّى تنفقوا مِمَّا تحبون﴾ فَذكرت ماأعطاني الله فَلم أجد شَيْئا أحبّ إليّ من جَارِيَة لي رُومِية فَقلت: هِيَ حرَّة لوجه الله فَلَو أَنِّي أَعُود فِي شَيْء جعلته لله لنكحتها» (٣) فعجبًا لهَذِهِ النُّفُوس الَّتِي ربَّاها الْقُرْآن وَجعلهَا تُؤثر الْآخِرَة الْبَاقِيَة على الدُّنْيَا الفانية.
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ ك: الزَّكَاة ب: الزَّكَاة على الْأَقَارِب (٣/٣٢٥) .
(٢) صَحِيح البُخَارِيّ ك: الشُّرُوط ب: الشُّرُوط فِي الْوَقْف (٥/٣٥٤) وَمُسلم ك: الْوَصِيَّة ب: فِي الْوَقْف (٣/١٢٥٥) .
(٣) أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده. انْظُر كشف الأستار ك: التَّفْسِير. سُورَة آل عمرَان (٣/٤٢) وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (٣/٥٦١) كِلَاهُمَا من طَرِيق أبي عَمْرو بن حماس عَن حَمْزَة بن عبد الله بن عمر عَن ابيه ﵁ وابو عَمْرو بن حماس ذكره ابْن ابي حَاتِم فِي الْجرْح وَالتَّعْدِيل (٩/٤١٠) وَلم يذكر فِيهِ جرحا وَلَا تعديلًا وَقَالَ عَنهُ ابْن حجر فِي التَّقْرِيب (ص٦٦٠): مَقْبُول. لَكِن للْحَدِيث طَرِيق آخر أخرجه ابْن سعد فِي الطَّبَقَات (٤/١٦٧) مُخْتَصرا من طَرِيق نَافِع عَن ابْن عمر. فيتقوى بِهِ. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ سعد ان ابْن عمر زَوجهَا مولى لَهُ فَولدت غُلَاما قَالَ نَافِع: فَلَقَد رَأَيْت عبدا لله بن عمر يَأْخُذ ذَلِك الصَّبِي فيقبله ثمَّ يَقُول: واهًا لريح فُلَانُهُ. يَعْنِي الْجَارِيَة الَّتِي أعتق.
[ ١٤٦ ]
وموقف آخر عَجِيب جدا للصحابي الْجَلِيل أَبى الدحداح ﵁ يرويهِ عبد الله بن مَسْعُود ﵁ قَالَ: لما نزلت ﴿من ذَا التذي يقْرض الله قرضا حسنا﴾ (١) قَالَ أَبُو الدحداح: يارسول الله وَإِن الله يُرِيد منا الْقَرْض؟ قَالَ: "نعم يَا أَبَا الدحداح". قَالَ: فَإِنِّي أقرضت رَبِّي حائطي - وَكَانَ فِيهِ سِتّمائَة نَخْلَة - ثمَّ جَاءَ يمشي حَتَّى أَتَى الْحَائِط وَفِيه أم الدحداح فِي عيالها فناداها: يَا أم الدحداح. قَالَت: لبيْك. قَالَ: اخْرُجِي، فَإِنِّي أقرضت رَبِّي حائطي. قَالَت: لبيْك. أخرجه الْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير (٢) .
وَلَقَد كَانَ لكتاب الله تَعَالَى وآياته التَّأْثِير الْعَظِيم فِي قُلُوب الصَّحَابَة فحرك مشاعرهم وهزّ أحاسيسهم وملأ قُلُوبهم خشيَة من الله وتعظيمًا لَهُ حَتَّى إِن أحدهم يخْشَى أَن يكون هُوَ الْمَقْصُود بوعيد الْقُرْآن لما نزل قَول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا
_________________
(١) سُورَة الْبَقَرَة: آيَة/٢٤٥.
(٢) انْظُر كشف الأستار فِي زَوَائِد الْبَزَّار (٣/٤٣) ومسند أبي يعلى الْموصِلِي (٨/٤٠٤) والمعجم الْكَبِير للطبراني (٢٢/٣٠١) كلهم من طَرِيق خلف بن خَليفَة عَن حميد الْأَعْرَج عَن عبد الله بن الْحَارِث عَن عبد الله بن مَسْعُود. وَقَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد (٩/٣٢٤، ٣٢٥): رَوَاهُ أَبُو يعلى وَالطَّبَرَانِيّ: ورواتهما ثِقَات وَرِجَال أبي يعلى رجال الصَّحِيح. لَكِن الْإِسْنَاد فِيهِ حميد الْأَعْرَج وَقد ضُعّف. التَّقْرِيب (١٨٢) لَكِن للقصةشاهد عَن عمر بن الْخطاب بِمَعْنَاهُ ذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد (٣/١١٣) وَعَزاهُ للطبراني فِي الْأَوْسَط قَالَ: وَفِيه إِسْمَاعِيل بن قيس وَهُوَ ضَعِيف فيتقوى الحَدِيث بِهِ.
[ ١٤٧ ]
الَّذين آمنُوا لاترفعوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بالْقَوْل كجهر بَعْضكُم لبَعض أَن تحبط أَعمالكُم وَأَنْتُم لَا تشعرون﴾ (١) كَانَ ثَابت بن قيس بن الشماس ﵁ رفيع الصَّوْت، فَقَالَ: أَنا الَّذِي كنت أرفع صوتي على رَسُول الله ﷺ أَنا من أهل النَّار حَبط عَمَلي وَجلسَ فِي أَهله حَزينًا يبكي. فَفَقدهُ رَسُول الله ﷺ فَقَالَ رجل: يارسول الله أَنا أعلم لَك علمه فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ فِي بَيته منكّسًا رَأسه فَقَالَ: مَا شَأْنك. فَقَالَ: ثَابت ﵁: أنزلت هَذِه الْآيَة وَلَقَد علمْتُم أَنِّي من أرفعكم صَوتا على رَسُول الله ﷺ فَأَنا من أهل النَّار فَأتى الرجل النَّبِي ﷺ فَأخْبرهُ فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقل لَهُ: إِنَّك لست من أهل النَّار وَلَكِن من أهل الْجنَّة» . (٢)
أما عمر بن الْخطاب ﵁ وَكَانَ جَهورِي الصَّوْت أَيْضا فَإِنَّهُ لما نزلت صَار إِذا خَاطب النَّبِي ﷺ يهمس همسًا خشيَة أَن يحبط عمله. يَقُول ابْن الزبير ﵄: «فَمَا كَانَ عمر ﵁ يُسمِع رَسُول الله ﷺ بعد هَذِه الْآيَة حَتَّى يَسْتَفْهِمهُ» (٣) حَقًا لقد كَانَ الصَّحَابَة ﵃ جيلًا قرآنيًا فريدًا ترى أحدهم كَأَنَّهُ مصحف يمشي على الأَرْض يتغلب أحدهم على مشاعره وَيُخَالف هوى نَفسه ليستجيب لِلْقُرْآنِ ويتمثل لِلْقُرْآنِ، فَهَذَا أَبُو بكر ﵁ لما وَقع من مسطح بن أَثَاثَة - وَهُوَ ابْن خَالَة أَبى بكر - مَا وَقع من الْكَلَام فِي عَائِشَة ﵂ فِي
_________________
(١) سُورَة الحجرات آيَة (١) .
(٢) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ك: التَّفْسِير ب: لاترفعوا أَصْوَاتكُم فَوق صَوت النَّبِي (٨/٥٩٠) وَمُسلم ك: الْإِيمَان ب: مَخَافَة الْمُؤمن أَن يحبط عمله (١/١١٠) وَلِلْحَدِيثِ رِوَايَات فِي غير الصَّحِيحَيْنِ ذكرهَا ابْن كثير فِي التَّفْسِير (٤/٢٦٣) تَفْسِير سُورَة الحجرات.
(٣) صَحِيح البُخَارِيّ الْموضع السَّابِق (٨/٥٩٠) .
[ ١٤٨ ]
قصَّة الْإِفْك قَالَ أَبُو بكر ﵁: وَالله لَا أنْفق على مسطح شَيْئا أبدا بعد الَّذِي قَالَ لعَائِشَة، وَفِي رِوَايَة وَالله لَا أنفعه بنافعة. فَلَمَّا نزل قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَا يَأْتَلِ أولو الْفضل مِنْكُم وَالسعَة أَن يؤتوا أولي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين والمهاجرين فِي سَبِيل الله، وليعفوا وليصفحوا أَلا تحبون أَن يغْفر الله لكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾ (١) قَالَ أَبُو بكر: بلَى وَالله أحب أَن يغْفر الله لي فَرجع إِلَى النَّفَقَة الَّتِي كَانَ ينْفق عَلَيْهِ وَقَالَ: وَالله لَا أَنْزعهَا عَنهُ أبدا. (٢) وَهَذَا عمر بن الْخطاب ﵁ قَدِم عَلَيْهِ عُيَيْنَة بن حصن فَاسْتَأْذن لَهُ الحُرُّ بن قيس وَكَانَ من النَّفر الَّذين يدنيهم عمر وَكَانَ الْقُرَّاء أَصْحَاب مجَالِس عمر. فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ عُيَيْنَة قَالَ: هيه يَا ابْن الْخطاب فوَاللَّه مَا تُعْطِينَا الجزل وَلَا تحكم بَيْننَا بِالْعَدْلِ، فَغَضب عمر حَتَّى همّ بِهِ. فَقَالَ الحرّ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الله تَعَالَى قَالَ لنَبيه ﷺ ﴿خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ وَأعْرض عَن الْجَاهِلين﴾ (٣) وَإِن هَذَا من الْجَاهِلين وَالله ماجاوزها عمر حِين تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وقافًا عِنْد كتاب الله. (٤)
فَانْظُر إِلَى تَأْثِير الْقُرْآن فِي حياتهم وتهذيبه لنفوسهم وتقويمه لأخلاقهم. وَكفى بِكَلَام الله مؤثرًا ومربيًا لمن كَانَ لَهُ قلب أَو ألقِي السّمع وَهُوَ شَهِيد. فَهَل تعي أمتنَا دور الْقُرْآن فِي التربية؟ نسْأَل الله ذَلِك.
_________________
(١) سُورَة النُّور آيَة (٢٢) .
(٢) رَوَاهُ البُخَارِيّ آخر حَدِيث الإ فك ك: التَّفْسِير سُورَة النُّور (٨/٤٥٥) .
(٣) سُورَة الْأَعْرَاف آيَة (١٩٩) .
(٤) أخرجه البُخَارِيّ ك: التَّفْسِير ب: خُذ الْعَفو وَأمر بِالْعرْفِ (٨/٣٠٤،٣٠٥) .
[ ١٤٩ ]