ثَانِيًا: أساليب تربية النَّبِي ﷺ لأَصْحَابه
وفيهَا الوقفات التالية:
الوقفة الرَّابِعَة: التربية بالثواب وَالْعِقَاب
من أساليب التربية الَّتِي يتَّفق عَلَيْهَا عُلَمَاء التربية: التربية بالثواب وَالْعِقَاب وَهُوَ أَمر فطري، وجد عناية فِي التربية الإسلامية فها هِيَ آيَات الْقُرْآن لاتكاد تَخْلُو صفحة من وعد بالثواب للطائعين ووعيد بالعقاب للعاصين فالجنة أعدت لِلْمُتقين وَالنَّار أعدت للْكَافِرِينَ، وَهَذَا الْمنْهَج القرآني لَهُ أروع الْأَثر فِي النُّفُوس وتربيتها وتهذيبها، وَكم ترَبَّتْ نفوس الْمُؤمنِينَ وزكت بآيَات الْقُرْآن لما وعتها وفهمت حَقِيقَتهَا فصاروا يعْبدُونَ رَبهم ويدعونه رغبًا ورهبًا وأوجدت صور الْوَعيد فِي نُفُوسهم عبودية الْخَوْف وأحيت صور الْوَعْد فِي نُفُوسهم عبودية الرَّجَاء، وَالْخَوْف والرجاء كجناحي طَائِر قطبان فِي الْعِبَادَة، وتهذيب النَّفس والسلوك لابد مِنْهُمَا. يَقُول الدكتور يُوسُف النجار مُبينًا مَقَاصِد هَذَا المبدأ: «ويقصد الْإِسْلَام من هَذَا المبدأ تَصْحِيح السلوك الإنساني وَالرُّجُوع بِهِ إِلَى الْحق وَالصَّوَاب والبعد بِهِ عَن السَّيِّئَات وَمَا يغْضب الله سُبْحَانَهُ، كَمَا أَن الْعقَاب مَبْنِيّ على الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بالإنسان وَلَيْسَ الْمَقْصُود بِهِ إيذاؤه فِي نَفسه وَإِنَّمَا رَحْمَة بِهِ لِأَن الْإِنْسَان معرض لِأَن يرتكب الْخَطَأ جراء الْجَهْل وَالنِّسْيَان» (١) ولنعرض لشَيْء من النُّصُوص فِي هَذَا اسْتمع إِلَى الْقُرْآن فِي وعيده يَقُول: ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم إِن زَلْزَلَة السَّاعَة شَيْء عَظِيم يَوْم ترونها تذهل كل مُرْضِعَة عَمَّا أرضعت وتضع كل ذَات حمل حملهَا وَترى النَّاس سكارى وماهم بسكارى وَلَكِن عَذَاب الله شَدِيد﴾ (٢)
_________________
(١) النهج التربوية للْعُلَمَاء والمربين الْمُسلمين للدكتور: يُوسُف النجار ص١٠٨،١٠٧.
(٢) سُورَة الْحَج الْآيَة رقم (١) .
[ ١٣٥ ]
وَعِيد تفزع لَهُ الْقُلُوب وترتدع النُّفُوس، واستمع إِلَى الْقُرْآن فِي وعده يَقُول: ﴿يَا عبَادي لاخوف عَلَيْكُم الْيَوْم وَلَا أَنْتُم تَحْزَنُونَ الَّذين آمنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسلمين ادخُلُوا الْجنَّة أَنْتُم وأزواجكم تحبرون يُطَاف عَلَيْهِم بصحاف من ذهب وأكواب وفيهَا مَا تشتهيه الْأَنْفس وتلذ الْأَعْين وَأَنْتُم فِيهَا خَالدُونَ. وَتلك الْجنَّة الَّتِي أورثتموها بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ لكم فِيهَا فَاكِهَة كَثِيرَة مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (١) وعد يبْعَث الرَّجَاء ويحفز على الْعَمَل، وَكَذَلِكَ كَانَ مَنْهَج النَّبِي ﷺ يرْبط الْقُلُوب بِالآخِرَة وَنَعِيمهَا وثوابها الدَّائِم وَهَذَا فَارق بَينه وَبَين المناهج والأنظمة المادية الَّتِي ترْبط الْفَرد بالثواب الْمَحْدُود، لَكِن النَّبِي ﷺ جمع بَين خيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ يُعْطي من الدُّنْيَا عَطاء من لَا يخْشَى الْفقر ويعِد بِثَوَاب عَظِيم وَأجر جزيل فِي الْآخِرَة. ورد فِي الحَدِيث «أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي ﷺ فَأعْطَاهُ غنما بَين جبلين فجَاء إِلَى قومه فَقَالَ: يَا قوم أَسْلمُوا فَإِن مُحَمَّدًا يُعْطي عَطاء من لايخشى الْفقر» (٢) وَقد أعْطى ﷺ الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم من غَنَائِم حنين المَال الْكثير الَّذِي كَانَ سَببا فِي إسْلَامهمْ وحبهم للنَّبِي ﷺ وَدينه حَتَّى أَن صَفْوَان بن أُميَّة قَالَ: «وَالله لقد أَعْطَانِي رَسُول الله ﷺ ماأعطاني وَإنَّهُ لأبغض النَّاس إِلَيّ، فَمَا برح يعطيني حَتَّى إِنَّه لأحب النَّاس إِلَيّ» (٣)
هَكَذَا كَانَ ﷺ يؤلف الْقُلُوب ويعالج الْقُلُوب، وَهُوَ ﷺ يفعل ذَلِك بحكمة وَيُعْطِي بحكمة وَيجْعَل الدُّنْيَا طَرِيقا
_________________
(١) سُورَة الزخرف: الْآيَة / ٦٨ - ٧٣.
(٢) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ك: الْفَضَائِل ب: مَا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ شَيْئا قطّ فَقَالَ: لَا وَكَثْرَة عطائه (٤/١٨٠٥) ح: ٢١٣٢.
(٣) انْظُر صَحِيح مُسلم ك: الْفَضَائِل ب: مَا سُئِلَ رَسُول الله ﷺ شَيْئا قطّ فَقَالَ: لَا (٤/١٨٠٦) ح: ٢٣١٣.
[ ١٣٦ ]
للآخرة وسببًا للسلامة من النَّار. روى مُسلم فِي صَحِيحه عَن عَامر بن سعد بن أبي وَقاص عَن أَبِيه سعد ﵁: «أَن رَسُول الله ﷺ أعْطى رهطًا وَسعد جَالس فيهم، قَالَ سعد: فَترك رَسُول الله مِنْهُم من لم يُعْطه وَهُوَ أعجبهم إِلَيّ فَقلت يارسول الله: مَالك عَن فلَان فوَاللَّه إِنِّي لأراه مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله «(أَو مُسلما» قَالَ: فَسكت قَلِيلا ثمَّ غلبني مَا علمت مِنْهُ فَقلت: يَا رَسُول الله مَالك عَن فلَان فوَاللَّه إِنِّي لأراه مُؤمنا فَقَالَ رَسُول الله «أَو مُسلما» إِنِّي لأعطي الرجل وَغَيره أحب إِلَيّ مِنْهُ خشيةأن يكبه الله فِي النارعلى وَجهه» (١) انْظُر كَيفَ يُعْطي (بحكمة وَرَحْمَة، وَكَيف يتألف الْقُلُوب ويقربها ويرغبها للحق وَإِن جَانب الثَّوَاب الأخروي فِي الْأَمْثِلَة كثيرٌ جدا فَمِنْهَا قَوْله ﷺ «أَنا زعيم بِبَيْت فِي ربض الْجنَّة لمن ترك المراء وَإِن كَانَ محقًا وَبَيت فِي وسط الْجنَّة لمن ترك الْكَذِب وَإِن كَانَ مازحا وَبَيت فِي أَعلَى الْجنَّة لمن حسن خلقه» (٢) وَمن هَذَا الْبَاب أَيْضا مَا ورد فِي قصَّة عبد الله أنيس ﵁ عِنْدَمَا أرْسلهُ النَّبِي ﷺ لقتل خَالِد بن نُبيَح الْهُذلِيّ فَخرج إِلَيْهِ عبد الله بن أنيس فاحتال عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِي ﷺ فَأعْطَاهُ النَّبِي ﷺ عَصا وَقَالَ: «آيَة بيني وَبَيْنك يَوْم الْقِيَامَة، إِن أقلّ النَّاس يَوْمئِذٍ المتخصرون» «يَعْنِي المتكئون» قَالَ الرَّاوِي: فقرنها عبد الله بن أنيس بِسَيْفِهِ فَلم تزل مَعَه حَتَّى مَاتَ ثمَّ أَمر بهَا فضمت فِي كَفنه ثمَّ دفنا جَمِيعًا» (٣) .
_________________
(١) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ك: الْإِيمَان ب: تألف قلب من يخَاف على إيمَانه لضَعْفه (١/١٣٢) .
(٢) أخرجه أَبُو دَاوُد فِي سنَنه ك: الْأَدَب ب: فِي حسن الْخلق (٥/١٥٠) ح: ٤٨٠٠ وَإِسْنَاده حسن.
(٣) أخرج الْقِصَّة أَحْمد فِي الْمسند (٣/٤٩٦) وَأَبُو دَاوُد فِي السّنَن ك: الصَّلَاة ب: صَلَاة الطّلب رقم ١٢٤٥ مختصرة وإسنادها حسن. وأخرجها الْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل (٤ / ٤٠) وَقد حسن ابْن حجر سَنَد الْقِصَّة (الْفَتْح٧/٤٤٠) .
[ ١٣٧ ]
وَقد يكون الثَّوَاب معنويًا أَو دُعَاء وَله دوره وأثره فِي النُّفُوس وَاسْتعْمل ذَلِك النَّبِي ﷺ فِي مَوَاطِن كَثِيرَة: فقد قَالَ لسعد بن أبي وَقاص فِي معركة أُحد «ارْمِ فدَاك أبي وَأمي» . (١) ومَرَّ ﷺ على قوم ينتضلون (٢) فَقَالَ: «ارموا بني إِسْمَاعِيل فَإِن أَبَاكُم كَانَ راميا، ارموا وَأَنا مَعَ بني فلَان» (٣) الحَدِيث والأمثلة فِي هذاالباب كَثِيرَة.
أما التربية بالعقوبة فَإِن النَّبِي ﷺ لم يغْفل عَن هَذَا الْجَانِب وَهُوَ أَنْوَاع، فقد تكون الْعقُوبَة بِتَغَيُّر الْوَجْه وَقد تكون بِالْإِعْرَاضِ عَن الشَّخْص وَقد تكون بالتأنيب والذم وَقد تكون بالهجر وَبِمَا هُوَ أَشد من ذَلِك.
فَمن الأول ماورد عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا اشترت خرقَة فِيهَا تصاوير فَلَمَّا رَآهَا الرَّسُول ﷺ قَامَ على الْبَاب فَلم يدْخل فَعرفت فِي وَجهه الْكَرَاهَة، فَقلت يَا رَسُول الله أَتُوب إِلَى الله وَإِلَى رَسُوله مَاذَا أذنبت؟ فَقَالَ رَسُول الله (مَا بَال هَذِه الْخِرْقَة)؟ قلت: اشْتَرَيْتهَا لَك لتقعد عَلَيْهَا وتوسدها فَقَالَ رَسُول الله ﷺ «إِن أَصْحَاب هَذَا الصُّور يَوْم الْقِيَامَة يُعَذبُونَ فَيُقَال لَهُم: أحيوا ماخلقتم، وَقَالَ: إِن الْبَيْت الَّذِي فِيهِ صُورَة لاتدخله الْمَلَائِكَة» أخرجه البُخَارِيّ (٤) فَهَذِهِ عَائِشَة ﵂ تأثرت هَذَا التأثر الْعَظِيم لما رَأَتْ تغير وَجه رَسُول الله ﷺ وَهَكَذَا كَانَ الصَّحَابَة ﵃ بحساسيتهم وَشدَّة حرصهم على رضَا رَسُول الله ﷺ كَانُوا
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه ك: الْجِهَاد ب: المجنّ وَمن يتترس لصَاحبه (فتح ٦/٩٣ - ٩٤) .
(٢) ينتضلون: أَي يرْمونَ للسبق انْظُر النِّهَايَة فِي غَرِيب الحَدِيث (٥/٧٢) .
(٣) أخرجه البُخَارِيّ ك: الْجِهَاد ب: التحريض على الرَّمْي (فتح ٦ / ٩١) .
(٤) انْظُر البُخَارِيّ ك: الْبيُوع ب: التِّجَارَة فِيمَا يكره لبسه للرِّجَال وَالنِّسَاء. فتح (٤/٣٢٥) وَانْظُر مِثَالا آخر لهَذَا النَّوْع أخرجه البُخَارِيّ فتح (١/٥١٣) .
[ ١٣٨ ]
يعْرفُونَ ذَلِك مِنْهُ فَكَانُوا يعْرفُونَ كراهيته للشَّيْء عِنْدَمَا يتَغَيَّر وَجهه فسرعان مايغيرون ماهم عَلَيْهِ وَفِي هَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة يضيق الْبَحْث عَن تتبعها.
وَقد يرى ﷺ من بعض أَصْحَابه مَا يكره فَيعرض عَنهُ بِوَجْهِهِ تأديبًا لَهُ وَكَرَاهَة لفعله، وَلِهَذَا أَمْثِلَة كَثِيرَة أَيْضا (١)
أما التأنيب فَمن ذَلِك قصَّة أُسَامَة بن زيد ﵁ عِنْدَمَا قتل رجلا بعد أَن قَالَ: لاإله إِلَّا الله فَوَقع فِي نَفسه فَذكر ذَلِك لرَسُول الله ﷺ فَقَالَ لَهُ الرَّسُول ﷺ: «أقَال: لاإله إِلَّا الله وقتلته؟» قَالَ قلت: يَا رَسُول الله إِنَّمَا قَالَهَا خوفًا من السِّلَاح. قَالَ: «أَفلا شققت عَن قلبه حَتَّى تعلم أقالها أم لَا؟» فَمَا زَالَ يكررها حَتَّى تمنيت أَنِّي أسلمت يَوْمئِذٍ» (٢)
وَمن هَذَا قصَّة أبي مَسْعُود البدري (قَالَ: كنت أضْرب غُلَاما لي بِالسَّوْطِ، فَسمِعت صَوتا من خَلْفي «اعْلَم أَبَا مَسْعُود فَلم أفهم الصَّوْت من الْغَضَب قَالَ: فَلَمَّا دنا مني إِذا هُوَ رَسُول الله ﷺ يَقُول: «اعْلَم أَبَا مَسْعُود أَن الله أقدر عَلَيْك مِنْك على هَذَا الْغُلَام» قَالَ: فَقلت: لَا أضْرب مَمْلُوكا بعده أبدا وَفِي رِوَايَة فَقلت يارسول الله هُوَ حرٌّ لوجه الله فَقَالَ: «أما لَو لم تفعل لَلَفَحَتْك النَّار أَو لمستك النَّار» (٣) .
وَمن الْعقُوبَة بالذم قصَّة أبي ذَر ﵁ عِنْدَمَا سَاب َّمملوكًا فعيَّره بِأُمِّهِ فَقَالَ النَّبِي ﷺ: «أعيرته بِأُمِّهِ، إِنَّك امْرُؤ فِيك جَاهِلِيَّة، إخْوَانكُمْ خَوَلُكم جعلهم الله تَحت أَيْدِيكُم فَمن كَانَ أَخُوهُ تَحت يَده فليطعمه مِمَّا
_________________
(١) انْظُر مثلا مُسْند الإِمَام أَحْمد (٣/١٤) وَسنَن أبي دَاوُد ك: الْأَدَب ح: ٥٢٣٧ (٥/٤٠٢) وَالنَّسَائِيّ (٨/١٧٠) وَابْن حبَان رقم (٥٤٨٩) .
(٢) أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه ك: الْإِيمَان ب: تَحْرِيم قتل الْكَافِر بعد أَن قَالَ لَا إِلَه الا الله ح: ١٥ ﴿١/٩٦) .
(٣) أخرجه مُسلم ك: الْإِيمَان ب: صُحْبَة المماليك (٣/١٢٨٠ـ١٢٨١) .
[ ١٣٩ ]
يَأْكُل وليلبسه مِمَّا يلبس» . فَكَانَ أَبُو ذَر بعد ذَلِك يُلْبس غُلَامه حُلة كَالَّتِي يلبس (١) .
أما عُقُوبَة الهجر فتتمثل وَاضِحَة فِي قصَّة الثَّلَاثَة الَّذين تخلفوا عَن غَزْوَة تَبُوك وهم كَعْب بن مَالك، وهلال بن أُميَّة، ومرارة بن الرّبيع، وَلم يكن لَهُم عذر، فَنهى النَّبِي ﷺ عَن كَلَامهم يَقُول كَعْب ﵁: فَاجْتَنَبَنَا النَّاس وتغيروا لنا حَتَّى تنكرت فِي نَفسِي الأَرْض فَمَا هِيَ الَّتِي أعرف فلبثنا على ذَلِك خمسين لَيْلَة فَأَما صَاحِبَايَ فاستكانا وقعدا فِي بُيُوتهم يَبْكِيَانِ وَأما أَنا فَكنت أشب الْقَوْم وأجلدهم فَكنت أخرج فاشهد الصَّلَاة مَعَ الْمُسلمين وأطوف فِي الْأَسْوَاق وَلَا يكلمني أحد وَآتِي رَسُول الله ﷺ فأُسلم عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِد بعد الصَّلَاة فَأَقُول فِي نَفسِي: هَل حرك شَفَتَيْه برد السَّلَام عليّ أم لَا؟ ثمَّ أُصَلِّي قَرِيبا مِنْهُ فأسارقه النّظر فَإِذا أَقبلت على صَلَاتي أقبل إِلَيّ وَإِذا الْتفت نَحوه أعرض عني حَتَّى إِذا طَال عليّ ذَلِك من جفوة النَّاس مشيت حَتَّى تسّورت جِدَار حَائِط أبي قَتَادَة «وَهُوَ ابْن عمي وَأحب النَّاس إِلَيّ» فَسلمت عَلَيْهِ فوَاللَّه ماردَّ السَّلَام عَليّ فَقلت: يَا أَبَا قَتَادَة أنْشدك بِاللَّه هلا تعلمني أحب الله وَرَسُوله فَسكت، فعدت فنشدته فَسكت فعدت فنشدته فَقَالَ: الله وَرَسُوله أعلم. فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وتوليت. وَلما مضى أَرْبَعُونَ لَيْلَة إِذا رَسُول رَسُول الله ﷺ يأتيني فَقَالَ: إِن رَسُول الله يَأْمُرك أَن تَعْتَزِل امْرَأَتك ولاتقربها وَأرْسل إِلَى صاحبيّ مثل ذَلِك فَقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عِنْدهم حَتَّى يقْضِي الله هَذَا الْأَمر فَلَبثت بعد ذَلِك عشر لَيَال حَتَّى كملت لنا خَمْسُونَ لَيْلَة من حِين نهى رَسُول الله ﷺ عَن كلامنا، فَلَمَّا صليت الْفجْر وَأَنا على ظهر بَيت من بُيُوتنَا فَبَيْنَمَا أَنا جَالس على الْحَال الَّذِي ذكر الله، قد ضَاقَتْ عَليّ نَفسِي، وَضَاقَتْ عَليّ الأَرْض بِمَا رَحبَتْ
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ ك: الْإِيمَان ب: الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة (فتح ١/٨٤) .
[ ١٤٠ ]
سَمِعت صَوت صارخ أوفى على جبل سلع بِأَعْلَى صَوته يَا كَعْب بن مَالك أبشر فَخَرَرْت سَاجِدا، وَعرفت أَن قد جَاءَ فرج وآذن رَسُول الله ﷺ تَوْبَة الله علينا حِين صلى صَلَاة الْفجْر قَالَ كَعْب: فَلَمَّا سلمت على رَسُول الله ﷺ قَالَ وَهُوَ يَبْرق وَجهه من السرُور: «أبشر بِخَير يَوْم مرَّ عَلَيْك مُنْذُ وَلدتك أمك»، قَالَ: قلت أَمن عنْدك يارسول الله أم من عِنْد الله؟ قَالَ «بل من عِنْد الل هـ»، وَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا سُرَّ استنار وَجهه كَأَنَّهُ قِطْعَة قمر، وَكُنَّا نَعْرِف ذَلِك مِنْهُ. فَلَمَّا جَلَست بَين يَدَيْهِ قلت: يارسول الله إِن من تَوْبَتِي أَن أَنْخَلِع من مَالِي صَدَقَة إِلَى الله وَرسوله، قَالَ رَسُول الله ﷺ: «امسك عَلَيْك بعض مَالك فَهُوَ خير لَك» . قلت: فَإِنِّي أمسك سهمي الَّذِي بِخَيْبَر وَقلت: يارسول الله إِن الله نجاني بِالصّدقِ وَإِن من تَوْبَتِي أَن لَا أُحَدَّث إِلَّا صدقا مَا بقيت، فوَاللَّه مَا أعلم أحدا من الْمُسلمين أبلاه الله فِي صدق الحَدِيث مُنْذُ ذكرت ذَلِك لرَسُول الله ﷺ أحسن مِمَّا أبلاني مَا تَعَمّدت - مُنْذُ ذكرت ذَلِك لرَسُول الله (إِلَى يومي هَذَا كذبا. وَإِنِّي لأرجو الله أَن يحفظني فِيمَا بقيت - وَأنزل الله على رَسُوله: ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي ﴾ الْآيَات أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم (١) هَذِه قصَّة كَعْب بن مَالك ﵁ وَقد اجتزأت مِنْهَا الْمَقْصُود، وفيهَا عبر كَثِيرَة وفوائد جمة فَانْظُر كَيفَ اسْتَطَاعَ المربي ﷺ أَن يَجْعَل هَؤُلَاءِ الَّذين أخطأوا فِي سجن من غير أَن يسجنهم، فضاقت بهم الأَرْض على سعتها وتعدّى ذَلِك الضّيق إِلَى أنفسهم وَلَيْسَ هَذَا انتقامًا مِنْهُم وَلَا بغضًا وكراهية لَهُم إِنَّمَا تربية وتأديبًا من محب وتنفيذ لأوامر الرب سُبْحَانَهُ الَّذِي دبرّ ذَلِك وَأنزل فِيهِ آيَات تتلى وَلذَلِك فرِح ﷺ أَشد الْفَرح لما تَابَ الله عَلَيْهِم. وَلَقَد كَانَ لهَذَا الهجر أَثَره على
_________________
(١) أخرجه البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: حَدِيث كَعْب بن مَالك (٨/١١٣) وَمُسلم ك: التَّوْبَة ب: تَوْبَة كَعْب بن مَالك وَصَاحبه (٤/٢١٢١) .
[ ١٤١ ]
الثَّلَاثَة ﵃ حَيْثُ تَابُوا وأنابوا.. فَهَذَا كَعْب ﵁ يلْتَزم الصدْق فِي كل أَقْوَاله فِيمَا يسْتَقْبل من أَيَّامه، وَأَرَادَ أَن يخرج من مَاله صَدَقَة لله وَرَسُوله ثمَّ صَارَت هَذِه الْقِصَّة عِبْرَة تدل على عظم الْمعْصِيَة وخطرها..
قَالَ ابْن حجر ﵀ فِي فَوَائِد الْقِصَّة: وفيهَا عظم أَمر الْمعْصِيَة وَقد نبه الْحسن الْبَصْرِيّ على ذَلِك فِيمَا أخرجه ابْن أبي حَاتِم عَنهُ قَالَ: يَا سُبْحَانَ الله مَا أكل هَؤُلَاءِ مَالا حَرَامًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا وَلَا أفسدوا فِي الأَرْض أَصَابَهُم مَا سَمِعْتُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ فَكيف بِمن يواقع الْفَوَاحِش والكبائر (١) .
وَهَذِه الْقِصَّة تدل على قُوَّة التربية النَّبَوِيَّة لمجتمع الصَّحَابَة ﵃ فها هم ﵃ يتفاعلون مَعَ هَذِه الْقِصَّة فيلتزمون أَمر النَّبِي ﷺ بِعَدَمِ الحَدِيث مَعَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة حَتَّى إِن قريب كَعْب بن مَالك لم يرد السَّلَام عَلَيْهِ وَلم يُجِبه إِلَّا لما ألحَّ عَلَيْهِ بقوله: الله أعلم. ثمَّ لما نزلت تَوْبَة الله على الثَّلَاثَة وَأخْبر النَّبِي ﷺ بذلك فَرح الصَّحَابَة ﵃ وَاسْتَبْشَرُوا وتسابقوا لبشارة الثَّلَاثَة وهنئوهم بِصُورَة رائعة تدل على تراحم الْمُجْتَمع الْمُسلم وتآلفه.
وَلَقَد كَانَ هَذَا التَّأْدِيب والهجر خيرا لهَؤُلَاء أَرَادَهُ الله بهم فَفِي الحَدِيث: «إِذا أَرَادَ الله بِعَبْد خيرا عجل لَهُ عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا وَإِذا أَرَادَ الله بِهِ شرا أمسك عَنهُ عُقُوبَته فَيرد الْقِيَامَة بذنوبه» (٢) وَهَكَذَا كَانَت هَذِه الْقِصَّة عبرا ودروسًا يَنْبَغِي أَن يعيها المربون ويستفيدوا مِنْهَا فِي تربية الأجيال.
_________________
(١) فتح الْبَارِي (٨/١٢٣) .
(٢) أخرجه أَحْمد فِي الْمسند (٤/٨٧) من حَدِيث عبد الله بن مُغفل. قَالَ الهيثمي: وَرِجَاله رجال الصَّحِيح. وَله شَاهد من حَدِيث عمار بن يَاسر عزاهُ الهيثمي للطبراني وَقَالَ: إِسْنَاده جيد (مجمع الزَّوَائِد ١٠/١٩١ - ١٩٢) .
[ ١٤٢ ]