الْحَمد لله رب الْعَالمين وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على من أرْسلهُ الله رَحْمَة للْعَالمين وَجعله هاديًا ومربيًا وقدوة للْمُؤْمِنين.
لقد أرسل الله نبيه مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى هَذِه الْأمة وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه وَأمره أَن يَدْعُو النَّاس إِلَى عبَادَة رَبهم وتوحيده وَترك الشّرك وَعبادَة الْأَصْنَام فَاسْتَجَاب ﷺ لأمر ربه فَقَامَ وأنذر، وصدع بِمَا يُؤمر، وأنذر عشيرته الْأَقْرَبين، ودعا الْعَرَب إِلَى تَوْحِيد رب الْعَالمين، فَاسْتَجَاب لَهُ من أَرَادَ الله هدايته وَأعْرض عَنهُ وعاداه من آثر الغواية والضلال، وَلَقَد كَانَ المستجيبون قليلين مستضعفين يخَافُونَ أَن يتخطفهم النَّاس فاعتنى بهم الرَّسُول ﷺ ورباهم بِحِكْمَتِهِ، وغرس فِي قُلُوبهم العقيدة القويمة وصاغ مِنْهُم صورًا حَيَّة لِلْقُرْآنِ، ونماذج لِلْإِسْلَامِ، فَقَوِيت هَذِه الْقلَّة بعد ضعف، وَكَثُرت بعد قلَّة، ونصرها الله يَوْم نصرته، وحقق آمالها لما صبرت فَانْطَلَقت تنشر الْإِسْلَام فِي أرجاء الأَرْض، وتحطم عروش الْجَاهِلِيَّة ومعتقداتها حَتَّى أتم الله لَهُم ومكنهم فِي الأَرْض فَانْتَشرُوا فِي شَرق الأَرْض وغربها، وفتحوا أقوى الممالك على وَجه الأَرْض فِي ذَلِك الْوَقْت، وبلغوا رِسَالَة رَبهم إِلَى أرجاء المعمورة فِي فَتْرَة وجيزة.
كَانُوا رُعَاة جمال قبل نهضتهم وَبعدهَا ملأوا الْعَالم تمدينا
لَو كَبرت بِأَرْض الصين مئذنة سَمِعت فِي الغرب تهليل المصلينا
فلنتأمل فِي التربية الَّتِي صنعت هَؤُلَاءِ الْأَبْطَال. ولننظرفي مَنْهَج المربي ﷺ الَّذِي هُوَ قدوة هَؤُلَاءِ الرِّجَال فإنّ من الْوَاجِب علينا أَن نقتفي أثر الرَّسُول ﷺ ونستقي من منهجه فِي الدعْوَة والتربية فَهُوَ قدوتنا وقائدنا ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة لمن كَانَ يرجوا الله وَالْيَوْم الآخر﴾ (١) وَهَذِه
_________________
(١) سُورَة الْأَحْزَاب الْآيَة: (٢١) .
[ ١٠٣ ]
وقفات مَعَ منهجه ﷺ فِي التربية وَقد جَعلتهَا وفْق الْآتِي:
أَولا: أسس تربية النَّبِي ﷺ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات:
الوقفة الأولى: فِي التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة.
الوقفة الثَّانِيَة: فِي التربية الأخلاقية.
الوقفة الثَّالِثَة: التربية بالقدوة.
ثَانِيًا: أساليب تَرْبِيَته ﷺ؛ وفيهَا ثَلَاث وقفات:
الوقفة الرَّابِعَة: التربية بالثواب وَالْعِقَاب.
الوقفة الْخَامِسَة: التربية بِالْقُرْآنِ.
الوقفة السَّادِسَة: التربية المتوازنة.
وَقد تمّ جمع الْأَحَادِيث وترتيبها حسب الْمُنَاسب فِي نَظَرِي وعلقت على مَا يحْتَاج إِلَى تَعْلِيق وأنقل من أَقْوَال أهل الْعلم من شرَّاح الحَدِيث وَغَيرهم مَا أرَاهُ مناسبا وَمَا كَانَ من الْأَحَادِيث فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا فأكتفي بتخريجه وَمَا كَانَ من غَيرهمَا فأدرس إِسْنَاده وَأثبت مَا توصلت إِلَيْهِ من دَرَجَته بعد تَخْرِيجه.
هَذَا وأسأل الله أَن يَجْعَل هَذَا الْعَمَل خَالِصا لوجهه وَأَن ينفع بِهِ وَهُوَ الْمُوفق سُبْحَانَهُ.
[ ١٠٤ ]