أعظم الزنا وأشده: قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: وأعظم أنواع الزنا أن يزني بحليلة جاره، فإن مفسدة الزنا تتضاعف بتضاعف ما ينتهكه من الحرمة، فالزنا بالمرأة التي لها زوج أعظم إثما وعقوبة من التي لا زوج لها إذ فيه انتهاك حرمة الزوج وإفساد فراشه، وتعليق نسب غيره عليه، وغير ذلك من أنواع أذاه، فهو أعظم إثمًا وجرمًا من الزنا بغير ذات البعل. فإن كان زوجها
[ ٤١ ]
جارا له، انضاف إلى ذلك سوء الجوار (١) .
وقد مر بك أن النبي - ﷺ - لما سئل: أي الذنب أعظم فذكر الشرك ثم القتل ثم الزنا بحليلة الجار، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه قال: «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (٢) .
ولا بائقة أعظم من الزنا بامرأته فإن كان الجار أخًا أو قريبًا من أقاربه انضم إلى ذلك قطيعة الرحم فيتضاعف الإثم، فإن كان الجار غائبا في طاعة الله كالصلاة وطلب العلم والجهاد تضاعف الإثم.
حتى إن الزاني بامرأة الغازي في سبيل الله يوقف له يوم القيامة ويقال خذ من حسناته ما شئت، قال النبي - ﷺ -: «ما ظنكم؟» أن يترك له من حسنات قد
_________________
(١) أورد ذلك صاحب موارد الضمان: ج ٥ وص ١٠٨.
(٢) أخرجه البخاري بلفظ: " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن قالوا من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ".
[ ٤٢ ]
حُكِّمَ في أن يأخذ منها ما شاء على شدة الحاجة إلى حسنة واحدة حيث لا يترك الأب لابنه ولا الصديق لصديقه حقا يجب عليه.
فإذا اتفق أن تكون المرأة حليلة جاره رَحِمًا منه انضم إلى ذلك قطيعة رحمها، فإن اتفق أن يكون الزاني محصنا، كان الإثم أعظم، فإن كان شيخا كان أعظم إثما وهو أحد الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم فإن اقترن وقوعه في شهر حرام، أو بلد حرام أو وقت معظم عند الله كأوقات الصلوات وأوقات الإجابة تضاعف الإثم والعقوبة، والله المستعان (١) .
_________________
(١) موارد الظمآن: ج ٥، ص ١٠٩. والحديث أخرجه مسلم عن بريدة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: " حرمة نساء المجاهدين على القاعدين كحرمة أمهاتهم، ما من رجل من القاعدين يخلف رجلا من المجاهدين في أهله فيخونه فيهم إلا وقف له يوم القيامة فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى "، ثم التفت إلينا رسول الله - ﷺ - فقال: " ما ظنكم "؟ .
[ ٤٣ ]
جاء في تفسير روح البيان للبروسوي الاستنابولي: " وأشد الزنى الرجل يطلق امرأته وهو يقيم معها بالحرام ولا يقر عند الناس مخافة الفضيحة فكيف لا يخاف فضيحة الآخرة يوم تبلى السرائر يعني تظهر الأسرار، فاحذر فضيحة ذلك اليوم واجتنب الزنا ولا تصر عليه فإنه لا طاقة لك على عذاب الله. وتب إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٦] (١) [النساء: ١٦] .