هل من توبة؟ سبحان من يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.
قال العبد المذنب الذليل:
يا رب هل من توبة تمحو الخطايا والذنوب
قال الله التواب الجليل:
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]
وقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]
[ ٤٦ ]
ولكي يكون الأمر جليا نذكر قصتين عن توبة من ابتلي بالوقوع في هذه الفاحشة على عهد النبي - ﷺ - لنرى كيف كانت التوبة فيهما، وهل قبلت أم لا؟ .
أولا: قصة ماعز الأسلمي: وهي عند أبي داود من طريق نعيم بن هزال قال: «كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له أبي: أئت رسول الله - ﷺ - فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك ورجاء أن يكون لك مخرج، فأتاه فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأقم علي كتاب الله» وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة «فناداه يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي - ﷺ - فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه فجاء لشق وجه النبي - ﷺ - الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي
[ ٤٧ ]
- ﷺ - فقال: " أبك جنون؟ " قال: لا يا رسول الله، فقال: " أحصنت؟ " قال: نعم يا رسول الله، قال: " اذهبوا فارجموه» وفي حديث ابن عباس عند البخاري أيضا، أن رسول الله - ﷺ - قال له: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت» وفي رواية أبي هريرة المذكورة أن النبي - ﷺ - سأله باللفظ الصريح الذي معناه الجماع (. . .؟) قال: نعم، قال: «حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ " قال: نعم، قال: " كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ " قال: نعم، قال: " أتدري ما الزنا؟ " قال: نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: " فماذا تريد بهذا القول؟ " قال: تطهرني، فأمر به فرجم» وعند أبي داود من حديث جابر بن عبد الله قال: كنت فيمن رجم الرجل، إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا: يا قوم ردوني إلى
[ ٤٨ ]
رسول الله فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي، فلم ننزع عنه حتى قتلناه، فلما رجعنا إلى رسول الله - ﷺ - وأخبرناه قال - ﷺ -: «فهلا تركتموه وجئتموني به» ليستثبت رسول الله - ﷺ -، فأما لترك حد فلا.
وفي رواية له أيضا عن أبي هريرة قال: «فأمر به رسول الله - ﷺ - فرجم، فسمع النبي - ﷺ - رجلين من أصحابه يقوله أحدهما لصاحبه: انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه، فلم تدعه نفسه حتى رجم رجم الكلب، فسكت عنهما - ﷺ - ثم سار ساعة حتى مر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: " أين فلان وفلان " فقالا: نحن ذان يا رسول الله، فقال: " انزلا فكلا من جيفة هذا الحمار " فقالا: يا نبي الله من يأكل هذا، قال: " فما نلتما من عرض أخيكما آنفا أشد من أكل منه، والذي نفسي بيده إنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس
[ ٤٩ ]
فيها» .
الله أكبر! ما أجمل التوبة الصادقة النصوح ولو كان ثمنها قتل النفس، وإنها للحظات ثم ينغمس في أنهار الجنة، وصحيح أن الرجم عذاب ولكنه يطهر كما قال ماعز للنبي - ﷺ -: ". . فطهرني " فالتطهير في الدنيا يقي عذاب الآخرة ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٣٣]
جاء في حديث عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - «ومن أصاب من ذلك شيئا - أي من السرقة والزنى والقتل وغيره - فعوقب به - أي في الدنيا - فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه فهو إلى الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه» (١) فهل يدري من مات ولم يحد إلى أي مشيئة سيصير؟
_________________
(١) رواه البخاري ومسلم وأحمد.
[ ٥٠ ]