عذاب قوم لوط وعقوبتهم: ذُكِرَ أن الله تعالى أمطرهم بالحجارة التي لم تدع حاضرا ولا غائبا إلا أتت عليه (. . . حتى إن تاجرا منهم كان في الحرم فوقفت له حجرا أربعين يوما حتى قضى تجارته وخرج من الحرم فوقع عليه. .) (١) .
وشدة العذاب دليل على أن اللواطة من أعظم الفواحش كما دللت بذلك الآيات. وجاء في خبر أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة - ﵁ - وصححه الحاكم عن النبي - ﷺ - قال: «لعن الله تعالى سبعة من خلقه فوق سبع سماوات، فردّد لَعْنَهُ على واحد منها ثلاثا ولعن بعدُ كُلَّ واحد لعنة لعنة فقال
_________________
(١) روح المعاني للألوسي ٨، ص ١٧٢.
[ ٦٢ ]
ملعون ملعون ملعون من عَمِلَ عَمَل قوم لوط. .» (١) الحديث، واللعن هو المقت والطرد من رحمة الله - ﷿ -، أعاذنا الله من ذلك.
قال الشوكاني - رحمه الله تعالى - في نيل الأوطار باب الحدود: (وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارف هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشبها لعقوبتهم. وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم) اهـ.
وقد عاقب الله تعالى أهل هذه الجريمة النكراء بأقسى عقوبة ليكونوا عبرة لأسلافهم، وليس ما
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ٦٣ ]
حدث للسلف ببعيد عن الخلف ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]
فخسف الله تعالى بهم الأرض وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود.
قال الجوهري: (حجارة من طين طبخت بنار جهنم مكتوب فيها أسماء القوم، ومعنى منضود: أي متتابع يتبع بعضه بعضا) (١) .
كل هذا جزاء فعلتهم الشنيعة، قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: (وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصلها ورفعت نحو السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير. . بأن قلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل فقال - عز من قائل -: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]
_________________
(١) لسان العرب: مادة سجل.
[ ٦٤ ]
فجعلهم الله آية للعالمين وموعظة للمتقين ونكالا وسلفا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ - وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ - إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٥ - ٧٧]
أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فقلبت تلك اللذات آلاما، فأصبحوا بها يعذبون - فصارت مآربهم العذبة الحلوة في الدنيا عذابا في الممات (١) .
مآربُ كانت في الحياة لأهلِها. . عِذَابًا فَصَارَتْ في الممات عَذَابًا
ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات وانقضت
_________________
(١) الجملة الاعتراضية من أسلوب المؤلف تمهيدا وشرحا لبيت الشعر.
[ ٦٥ ]
الشهوات وأورثت الشقوات، تمتعوا قليلا وعذبوا طويلا. . . إلى أن قال: فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون ذوقوا ما كنتم تكسبون ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
ولقد قرب الله تعالى مسافة العذاب بين هذه الأمة - قوم لوط - وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفا لهم أن يقع الوعيد ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]
[ ٦٦ ]
فيا ناكحي الذكران يهنيكمُ البشرَى فيوم معادِ الناسِ إِنَّ لكم أجرا
كلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا فإن لكم زفًّا إلى الجنةِ الحَمْرا
فإخوانكم قد مهَّدوا الدارَ قبلَكم وقالوا إلينا عجِّلُوا لكم بُشرا
وها نحنُ أسلافٌ لكم في انتظاركم سيجمعنا الجبارُ في نارِه الكُبْرى
فلا تحسبوا أن الذين نَكَحْتُمُوا يغيبون عنكم بل ترونهم جَهْرا
ويلعنُ كل منكما لخليلهِ ويشقَى به المحزون في الكَرَّةِ الأُخرى
يُعَذَّب كُلٌّ منهما بشريكِهِ كما اشتركا في لذةٍ تُوجِبُ الوِزْرا
[ ٦٧ ]
انتهى كلام ابن القيم - رحمه الله تعالى - (الجواب الكافي ص ١٩٧ - ١٩٨) .
إذن كان عذابهم: ١ - الإهلاك.
٢ - قلب ديارهم عليهم.
٣ - الخسف بهم.
٤ - رجمهم بالحجارة الممطرة عليهم من السماء.
٥ - التنكيل بهم نكالا لم ينكله الله تعالى بأمة سواهم وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة، فليحذر كل من سار في هذا الطريق المظلم وامتطى تلك المطية، ونعوذ بالله من ذلك.