قال - ﷺ -: «إنما الأعمال بخواتيهما» [رواه البخاري].
قال المناوي عند شرح هذا الحديث: فعلى الخاتمة سعادة الآخرة وشقاوتها (١). جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله».
وعن عبد الله بن بسر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «خير الناس من طال عمره وحسن عمله» (٢).
قال قتادة: اعلموا أن طول العمر حجة، فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر، قد نزلت هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة (٣).
فمن عمره الله تعالى إلى أن بلغ الستين فأكثر، فليجعله كما مر معنا (سن الإنابة والخشوع وترقب المنية ولقاء الله تعالى)، و(عمر التذكر والتوفيق).
وختامًا أوجز أمورًا ينبغي على المسلم الذي بلغه الله هذا العمر
_________________
(١) فيض القدير، (٢/ ٢٣١).
(٢) الحديث الأول رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني بإسناد صحيح والحاكم والبيهقي في الزهد وغيره، وحديث عبد الله بن بسر رواه الترمذي وقال: حديث حسن، الترغيب والترهيب (٦/ ٧٢).
(٣) تفسير ابن كثير، (٣/ ٨٨٨).
[ ٥٣ ]
أن يأتي بها ويحرص عليها منها:
١ - أن يكثر من أن يدعو الله تعالى ببعض ما ثبت عنه - ﷺ - بما يناسب هذه المرحلة، مثل: «اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» (١)، فإنه لا يدري: أيهما خير له، الموت أم الحياة؟
وكقوله - ﷺ -: «اللهم اجعل أوسع رزقك على عند كبر سني، وانقطاع عمري» قال المناوي: أي إشرافه على الانقطاع والرحيل من هذه الدار، فإن الإنسان عند الشيخوخة قليل القوة ضعيف الكد عاجز عن السعي فإذا وسع الله عليه رزقه حين ذلك كان عونا له على العبادة (٢).
٢ - أن يكثر من الذكر الاستغفار عن خطئه وتقصيره فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار والطاعة والإقبال على الآخرة بالكلية (٣).
وكما قال الشاعر:
دعْ عنك ما قد فاتَ في عهد الصبا واذكر ذنوبكَ وابكِها يا مُذْنِبُ
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) فيض القدير، (٢/ ١٢٥) والحديث راه الحاكم وحسنه الألباني (١٢٦٦) صحيح الجامع.
(٣) فتح الباري، (١١/ ٢٤٠).
[ ٥٤ ]
٣ - أن يزيد من علمه اشرعي لمعرفة مراد الله تعالى، ويستدرك ما فاته، فإنه «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» (١).
ولا أحصي عدد المرات التي سمعت فيها الإمام عبد العزيز بن باز ﵀ يقول عند شرحه هذا الحديث: إن من معاني هذا الحديث أن (من لم يرد الله به خيرا لا يفقهه في الدين).
وهذا يشمل كل أحد حتى كبير السن، فإن العلم ليس له سن معين، بل الأمر كما قال الإمام أحمد: مع المحبرة إلى المقبرة، وكان يقول: عن المحابر في أيدي طلاب العلم: هذه سرج الإسلام (٢).
ولما قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: حتى الممات إن شاء الله (٣).
ويقول الغزالي: فلا يزيد كبر السن للجاهل إلا جهلًا، فالعلم ثمرة العقل وهي غريزة ولا يؤثر الشيب فيها.
وقال أيوب السختياني: أدركت الشيخ ابن ثمانين سنة يتبع الغلام يتعلم منه.
وقيل لابي عمرو بن العلاء: أيحسن من الشيخ أن يتعلم من الصغير؟ فقال: إن كان الجهل يقبح به، فالتعلم يحسن به (٤).
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) تلبيس إبليس، ص ٣٢٩، دار الكتب العلمية بيروت.
(٣) جامعُ بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، (١/ ٤٠٦).
(٤) إحياء علوم الدين (١/ ١٤٣، ١٤٤).
[ ٥٥ ]
٤ - أن يوجه قلبه وهمه إلى الدار الآخرة، حيث لم يبق إلا القليل، وليس بمقبول منه أفعال الشباب وفتوتهم، ولا أعنى أنه يهجر الدنيا ويتركها تماما ولكن كما ذكر سابقا، ينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة.
وها هو الجاحظ يستنكر على شيخ لم يقدر لهذه المرحلة حق قدرها، فيقول:
أترجو أن تكونَ وأنت شيخٌ كما قد كنتَ أيام الشباب
لقد كذبتْكَ ليسَ ثوبٌ خليقٌ كالجديدِ من الثيابِ
٥ - أن يكتب وصيته وماله وما عليه، كما جاء في الحديث المتفق عليه: «ما حقُّ امرئ مسلم له شيءٌ يريد أن يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته عند رأسه» ولكن عليه أن لا يجوز بأن يزيد أو ينقص في وصيته عما شرعه الله تعالى كأن يخص أحد الورثة بشيء أو يحرم آخرين، أو يوصي بأكثر من الثلث من ماله صدقة بعد موته لقوله - ﷺ - لسعد ﵁: «والثلث كثير» (١) أو كما قال - ﷺ - «إن الرجل ليعمل بطاعة الله أو المرأة ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضارَّان في الوصية فتجب لهما النار».
_________________
(١) رواه البخاري.
[ ٥٦ ]
والحديث (فيه وعيد شديد وزجر بليغ وتهديد لأن مجرد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعددة، بلا شك أنها من أشد الذنوب لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم الضِّرار، فتكون الوصية المشتملة على الضرر مخالفة لما شرعه الله تعالى وما كان كذلك فهو معصية، وقد تقدم قريبا عن ابن عباس مرفوعا وموقوفا بإسناد صحيح أن وصية الضرر من الكبائر، وذلك مما يؤيد معنى الحديث فما أحق وصية الضرار بالإبطال) (١).
والمضارة هي إيصال الضرر بالحرمان أو بما يعد في الشرع نقصانًا إلى بعض من لا يستحق لولا هذه الوصية (٢).
٦ - أن يكثر من صلة الأرحام، وتعويض ما قصر فيه تجاههم فيما سلف، والإحسان إليهم لعل الخاتمة تنسي ما قبلها من تقصير أو إساءة.
٧ - أن يعمل على التحلل ممن أخطأ في حقهم بغيبة أو تعد على حقوق مالية أو معنوية قبل أن لا ينفعه مال ولا بنون.
٨ - أن يحرص على المكسب الحلال والمطعم والمشرب والملبس «أطيب مطعمك تستجب دعوتك» (٣).
_________________
(١) الحديث رواه أحمد والترمذي وحسنه وأبو داود وابن ماجة: نيل الأوطار، (٦/ ٣٧) للشوكاني، مكتبة الباز بمكة المكرمة.
(٢) عون العبود، (٨/ ٤٩).
(٣) رواه ابن مردوية والطرباني، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٤).
[ ٥٧ ]
٩ - أن يرسم لنفسه برنامجًا يوميًا في الزيادة من الذكر والعبادة يستثمر فيه ما بقي من عمره – خصوصا الأوقات الفاضلة – بحيث لا يتراجع عن هذا البرنامج، ويجاهد نفسه أن لا يتركه، بل يزيد عليه، والأصل أن هذا حال المسلم في كل سن، لكن من وصل إلى هذا السن بها أولى. وأسوق هنا المعالم الأساسية في البرنامج اليومي لرجل صالح عايشته، وسمعت من جيرانه وبعض أقاربه:
*الاستيقاظ قبل الفجر بزمن كافٍ ليصلي ما شاء الله له أن يصلي، ثم يوقظ أهل بيته عند الأذان ويذهب لصلاة الفجر، وبعدها يبقى في مصلاه ذاكرا حتى تطلع الشمس وترتفع فيصلي ركعتين رغبة في أجر حجة وعمرة تامة (١) كما صح عنه - ﷺ -.
*الذهاب للمسجد قبل الأذان لقراءة القرآن وصلاة الرواتب والنوافل، وليكون في ميمنة الصف الأول خلف الإمام كما هو حاله دائمًا.
*صيام يومي الاثنين والخميس أو أحدهما من كل أسبوع.
*الصلاة من الضحى ما ييسر الله له.
*صلاة المغرب في مسجد فيه محاضرة أو درس علميٌّ ثلاث مرات في الأسبوع، وفي باقي أيام الأسبوع ربما بقي في المسجد القريب من بيته حتى ينتهي من صلاة العشاء في قراءة القرآن والذكر، لأنه قد تيقن أن المرء «إذا صلى لم تزل الملائكة تصلي
_________________
(١) رواه الترمي وهو في صحيح الجامع برقم (٦٢٢٢)، ولمسلم قريب منه.
[ ٥٨ ]
عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (١).
*في بعض أيام الجمع يبقى في الجامع من صلاة الفجر إلى أن ينتهي من صلاة الجمعة، فإن لم يتيسر له ذلك فلا يفوته التفرغ التام للذكر آخر ساعةٍ من نهار الجمعة.
*وهو يختم القرآن تلاوة كل شهر عدة مرات، ويكاد يختمه حفظًا، وهو لا يحدث بذلك ولكن القريبين منه يلحظون ذلك في استدلالاته، وعند فتحه على إمام نسي أو أخطأ في القراءة في الصلاة من أي موضع من القرآن.
*لا يفوته أن يتصدق كل يوم ولو بشيء يسير، وربما اجتمع له في بعض الأيام الصدقة والصوم وعيادة المريض واتباع جنازة لعله ينال ما وعد به الرسول - ﷺ - في قوله: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» [رواه مسلم].
*وهكذا يكرر هذا الأعمال العظيمة أو أكثرها، فقد وجد فيها متعا لا يذوقها ولا يعرفها إلا من عاش مثلها، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة).
مع ملاحظة أنه لم يترك متابعة أمور أبنائه وبيته، ولكنه يفوض ويدرب أبناءه ويشرف عليهم، ويباشر أمور معاشه سويعات قليلة
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٥٩ ]
ضحى وبعد العصر، لكن قلبه معلق بالمساجد والدار الآخرة. (١)
وهو وغيره من الأخيار يعلمون أن أحسن الكلام كلام الله في كل شأن، فلم يترك الدنيا كلية بل اهتدي بقوله ﷾: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧].
قال الحسن عندها: ما أحل الله لك منها، فإن لك فيه غنى وكفاية.
وقال أيضا: قدم الفضل، وأمسك ما يبلغك.
وقال الحسن وقتادة: معناه لاتضيع حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه، ونظرك لعاقبة دنياك.
قال ابن العربي: وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: ثم قال القرطبي: ويا ما أحسن هذا (٢).
قال الإمام مسلم (باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، قوله - ﷺ - «إذا مات الانسانُ انقطع عمله إلا من ثلاثة: من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له،
_________________
(١) تهذيب مدارج السالكين لابن القيم، عبد المنعم العزي، ص (٢٤٥) وزارة العدل بالإمارات.
(٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ١١٣) تفسير القرطبي (١٣/ ٣١٤) وقريبا منه عند ابن كثير (٣/ ٦٣٦).
[ ٦٠ ]
إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف) (١).
وأخيرًا ليحرص صاحب الستين على أن يستمر عمله بعد موته بإحدى الثلاثة الأمور أو كلها التي ذكرها النبي - ﷺ -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢).
والحمد لله أولا وآخرا وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
* * *
_________________
(١) شرح صحيح مسلم: (١١/ ٨٥).
(٢) رواه مسلم وغيره.
[ ٦١ ]