كنت قد ذكرت الشيب وأحكامه وكلام أهل العلم فيه في رسالة (يا ابن الأربعين) أعيد بعضه هاهنا مختصرًا:
جاء عند الإمام مالك ﵀: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أول الناس رأى الشيب إبراهيم ﵇، فقال: يارب ما هذا؟
_________________
(١) رحلة ابن بطوطة ص ٢٣٥، ص ٤٢٢ دار الكتاب اللبناني المصري، بيروت القاهرة.
(٢) تفسير الطبري، (١/ ٢٧٧) البغوي ص١٧، دار طيبة الرياض.
[ ٣١ ]
فقال الله ﵎: هذا وقار يا إبراهيم (أي حلم ورزانة) فقال: رب زدني وقارا»، فالشيب ممدوح (١).
قال - ﷺ -: «لا تنتفوا الشيب، فإنه نور الإسلام، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة» (٢).
وقال - ﷺ -: «من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا يوم القيامة» (٣).
وزاد الحاكم في الكني: «ما لم يغيرها» (٤).
وقال - ﷺ -: «الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة ورفع بها درجة» (٥).
وهذا شاعر لخص أثر كل شيبة تظهر على العقلاء من الناس، فقال:
لقد جلَّ خطبٌ إن كان كلما بدت شيبة يعرى من اللهو مركب
وللناس مع الشيب مذاهب:
فمنهم من رضي به واطمأن إليه، وعده نذيرا، واستعد لما
_________________
(١) ما بين الأقواس من شرح الزرقاني، (٥/ ٢٩٥) مكتبة الحلبي مصر.
(٢) حديث صحيح برقم (٧٣٤٠) في صحيح الجامع.
(٣) حديث صحيح برقم (٦١٨٣) في صحيح الجامع.
(٤) الزيادة من شرح الزرقاني، (٥/ ٢٩٥).
(٥) حديث صحيح برقم (٣٦٤٢) في صحيح الجامع.
[ ٣٢ ]
بعده.
ومنهم من لم يأبه به، ولم يمثل له أي شيء، أو يعني له أي معنى، وما كأنه نزل بساحته.
وصنف آخر التفوا عليه، واحتالوا وسارعوا إلى إخفائه، بنتفه، أو صبغه بالسواد، أو تغيير لونه الحقيقي، ضجرًا به، وكرهًا له، أو تشاؤما منه، خصوصًا أنه إذا حلَّ تتابع.
والمرء وإن أخفاه بطريقة أو أخرى، فإن الواقع والحقيقة لا يمكن إخفاؤهما.
أما البستي - ﵀ – فقد قطع الطريق على حيل النفوس والأعذار خصوصًا في هذا السن، فقال:
ويا أخَا الشيب لو ناصحتَ نفسَك لم يكن لمثلكَ في الإسراف إمعانُ
هب الشبيبة تُبدى عذر صاحبها ما عذر أشيب يستهويه شيطان
وهذا شاعر قد صدق في وصف أثر الشيب على المسلم، فقال [بتصرف يسير)
عُلقتَ يا كعبُ بعد الشيب فانيةً والشيب فيه عن الأهواء مزدجرُ
فإن لم يكن الشيب زاجرًا عن الأهواء، فلم يكن حينئذ نذيرًا ..
ولقد بوب مسلم في صحيحه على حكم الصبغ والخضاب
[ ٣٣ ]
أبوابًا، وساق أحاديث، منها: باب استحباب خضاب الشيب بصفرة أو حمرة وتحريمه بالسواد: عن جابر قال: أتى بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا، فقال رسول الله - ﷺ -: «غيروا هذا بشيء، واجتنبوا السواد» الثغامة: نبت أبيض الزهر والثمر.
وقال: باب في مخالفة اليهود في الصبغ: وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: «إن اليهود والنصاري لا يصبغون فخالفوهم».
قال النووي: ومذهبنا استحبابُ خضاب الشيب للرجل والمرأة بصفرة أو حُمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح (١).
قال ابن حجر ﵀: قوله - ﷺ - «إن اليهود والنصاري لا يصبغون فخالفهوهم» يقتضي مشروعية الصبغ، والمراد به صبغ اللحية والرأس، ولا يعارض ما ورد من النهي عن إزالة الشيب، لأن الصبغ لا يقتضي الإزالة، ثم إن المأذون فيه مقيد لما أخرجه مسلم من حديث جابر أنه - ﷺ - قال: غيروه، ولأبي داود وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس – ﵄ – مرفوعا: «يكون قوم في آخر الزمان يخضبون كحواصل الحمام لا يجدون ريح الجنة» وإسناده قوي إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه وعلى تقدير ترجيح وقف فمثله لا يقال فيه بالرأي، فحكمه الرفع، ولهذا
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، (١٤/ ٨٠) دار إجياء التراث بيروت.
[ ٣٤ ]
اختار النووي أن الصبغ بالسواد يكره كراهية تحريم» (١).
وللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ ابن باز - ﵁ - فتاوى في صبغ شعر الرأس واللحية، منها: إن تغيير الشيب بصبغ شعر الرأس واللحية بالحناء والكتم ونحوهما جائز بل مستحب، وتغييره بالصبغ الأسود لا يجوز (٢).
قال - ﷺ -: «إذا خطب أحدكم المرأة وقد خضب بالسواد فليعلمها».
قال المناوي: أي والحال أنه (يخضب) شعره الأبيض (بالسواد) أي يغير لونه به وذلك جائز للجهاد ممنوع لغيره (فليعلمها) وجوبا (أنه) أي بأنه (يخضب) لأن النساء يكرهن الشعر الأبيض غالبًا، لدلالته على الشيخوخة الدالة على ضعف القوى، فكتمه تدليس، إذ لو علمت أنه غير شاب ربما لم تدخل عليه رواه الترمذي والبيهقي وزاد بعد قوله: فليعلمها، (لا يغرنها) (٣).
وكان - ﷺ - يتمثل بهذا البيث:
كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيًا!
أي زاجرًا ورادعا، وإنما كان يتمثل به لأن الشيب نذير الموت، والموت يسن إكثار ذكره، لتتنبه النفس من سنة الغفلة، فيسن لمن
_________________
(١) فتح الباري (٦/ ٤٩٩).
(٢) فتاوي اللجنة الدائمة (٥/ ١٦٥ - ١٦٩) دار العاصمة الرياض.
(٣) فيض القدير (١/ ٣٣٦).
[ ٣٥ ]
بلغ سن الشيب أن يعاتب نفسه ويوبخها بإكثار التمثل بذلك (١).
وذكر البخاري أن عمر - ﵁ - سمع مولى بني الحسحاس يقول الشعر فدعاه، فقال: كيف قلت؟ فقال:
ودع سليمي إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا
قال: حسبك، صدقت صدقت (٢).
وصاغ آخر قريبا منه، فقال:
أبى الشيبُ والإسلام أن ابتع الهوى وفي الشيب والاسلام للمرء وازع
ولأبي إسحاق الألبيري:
الشيب نبه ذا النهى فتنبها ونهى الجهول فما استفاق ولا انتهى
فإلى متى ألهو وأفرح بالمنى والشيخ أقبح ما يكون إذا لها
ما حسنه إلا التقى لا أن يرى صبًَّا بألحاظ الجآذر والمَهَا
ولماذا كل هذا الهروب من المشيب مع أنه خير للمسلم،
_________________
(١) فيض القدير، (٥/ ٢٠٣).
(٢) الأدب المفرد للبخاري ص ٥٤٦، المطبعة العصرية، مشروع زايد الإمارات العربية المتحدة.
[ ٣٦ ]
وذكرى وعظة؟!
إن المشيب رداء الحلم والأدب كما الشباب رداء اللهو واللعب
حتى شعراء الجاهلية رأوا في الشيب حكمًا، فهذا النابغة يقول:
على حين عاتبتُ المشيب على الصبا وقلت: ألما أصح، والشيب وازع؟
وهذا دريد بن الصمة يقول:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل: ابعد!
وكان أبو حازم - ﵁ - ينصح ابنه بأمور اقتنع بها، فأعلنها حكما لابنه، وللأجيال من بعده، فيقول: يا بني لا تقتد بمن لا يخاف الله بظهر الغيب، ولا يعف عن العيب، ولا يصلح عند الشيب (١).
وهذه الأبيات لشاعر عرف دور الشيب فأحسن الروي:
رأيت الشيب من نذر المنايا لصاحبه وحسبك من نذير
وقائلةٍ تخضب يا حبيبي وسود شعر شيبك بالعبير
فقلت لها: المشيبُ نذير عمري
_________________
(١) حلية الأولياء، (٣/ ٢٣٠).
[ ٣٧ ]
ولستُ مسودا وجه النذيرِ
وهذا شاعر تمنى الشيب مبكرًا، لفوائد عاينها، ولا يخلو الشيب من فوائد:
تمنيت أن الشيب عاجل لمَّتِى وقرب مني في صباي مزاره
لآخذ من عصر الشباب نشاطه وآخذ من عصر المشيب وقاره
أنشد أبو عمر هلال بن العلاء:
يا خاضب الشيب بالحناء تستره سل المليك له سترًا من النار
لن يرحل الشيب عن دار أقام بها حتى يرحل عنها صاحب الدار
وحكى ابن المنجم حال بعض من يخضب الشيب بالسواد، ولكن سرعان ما تبدو أصوله، فقال:
وما خصبَ الناسُ البياض لقبحه وأقبحُ منه حين يظهر ناصلُه
ولكنه مات الشبابُ فسودت على الرسم من حزن عليه منازله
أما التميمي: فله قصيدة لابن الأربعين - هي لصاحب الستين أولى - فيقول (مع تصرف يسير).
[ ٣٨ ]
وما شنآن الشيب من أجل لونه ولكنه حاد إلى البين مسرعُ
إذا ما بدت منه الطليعة آذنتْ بأن المنايا خلفها تتطلع
فإن قصها المقراض صاحت بأختها فتظهر يتلوها ثلاث وأربع
وإن خضبت حال الخضاب لأنه يغالبُ صنع الله والله أصنع
فيضحي كريش الديك فيه تلمع وأفظع ما تكساه ثوب ملمع
إذا ما بلغت الأربعين فقل لمن يودك فيما تشتهيه ويسرع
هلموا لنبكي قبل فرقة بيننا فما بعدها عيش لذيذ ومجمع
وخل التصابي والخلاعة والهوى وأُمَّ طريق الحق فالحق أنفع
وخذ جنة تنجي وزادًا من التُّقي وصحبه مأموم فقصدك مفزع
وللأنصاري:
والشيب يأمر بالعفافِ وبالتقى وإليه بأوي العقلُ حين يؤولُ
[ ٣٩ ]
وما أقبح التفريط في زمن الصبا فكيف به والشيب للرأس شاعل
ترحل من الدنيا بزاد من التقى فعمرك أيام وهن قلائل
انتهى، من رسالة (يا .. ابن الأربعين) بختصار وزيادة يسيرة.