إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إليه إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ﷺ.
أما بعد:
كنتُ قد ذكرت في رسالة سابقة بعنوان (يا ابن الأربعين) ما أخاطب بها نفسي ومن بلغ أربعين سنة أو جاوزها، وما ينبغي لنا في مثل تلك السن.
ومما جاء في مقدمتها ما نصه (وكل واحد ابن لعامه الذي وصل إليه، كما هو مشتهر في لغة العرب، وكما جاء في الحديث المتفق عليه في صفة رسول الله ﷺ ومبعثه: أنه أنزل عليه القرآن وهو: ابن أربعين سنة.
أو يكون المرء أخا للعمر الذي هو فيه، كما قال سحيم ابن وثيل:
أخو الخمسين مجتمعٌ أشُدِّي وتُجديني مداورةُ الشؤون
وقد يكون المرء صاحبا للعمر الذي وصل إليه، إذا كان طاعنا في السن، وهذا مشتهر في اللغة، كصاحب الستين فأكثر وربما كان
[ ٥ ]
صاحبا لها لأن الافتراق في الصحبة أكثر من النسب، وأسرع.
وقد ساق ابنُ جرير بسنده إلى رسول الله - ﷺ - أنه قال: «لقد أعذر الله صاحب الستين سنة، والسبعين» (١) والله أعلم.
واليوم أخص صاحب الستين – فأكثر- برسالة مستقلة، فهو أولى بذلك لأسباب كثيرة سيأتي ذكر بعضها.
واستجابة لطلب بعض الأحبة أوجه هذه الرسالة المختصرة إلى من بلغ الستين أو جاوزها، على أن من لم يبلغها وكان بين الستين والأربعين فإن الرسالتين مكملتان لبعضهما.
وبلوغ الستين من الشيخوخة عند أهل العلم واللغة.
ففي تحفة القارئ: سن الشباب خمس وثلاثون سنة، وسن الكهولة خمسون سنة، وسن الشيخوخة ستون سنة (٢).
فالشيخ هو الذي استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب، وقيل: هو شيخ من خمسين إلى آخره، والجمع أشياخ وشيخان وشيوخ ومشايخ، وفي الحديث ذكر شيخان قريش: جمع شيخ كضيف وضيفان، والأنثى شيخة، وقد شاخ يشيخ شيخا، وشيخته: دعوته شيخا للتبجيل (٣).
ويقال لمن طعن في السن: الشيخ، وقد يعبر به فيما بيننا عمن
_________________
(١) تفسير الطبري، (٢٢/ ١٤٢) مكتبة الحلبي.
(٢) دليل الفالحين، (١/ ٢١٤) للصديقي الشافعي، دار الفكر بيروت.
(٣) لسان العرب، (٣/ ٣١، ٣٢) دار صادر بيروت.
[ ٦ ]
يكثر علمه، لما كان من شأن الشيخ أن تكثر تجاربه ومعارفه، ويقال شيخ بين الشيخوخة (١).
وأحب أن أبيّن – ابتداءً – أني لا أدعو صاحب الستين إلى اليأس والقنوط وترك الدنيا تمامًا، بل أدعوه إلى مزيد اهتمام بما هو مقبل عليه (الآخرة)، أكثر من اهتمامه بما هو مدبر عنه (الدنيا).
سائلا الله تعالى أن ينفع بها كاتبها وقارئها، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا.
على بن سعيد بن حسين بن دعجم
إبها – ص. ب.:٢٥٢٣
جمادي الأولى ١٤٢٥هـ
_________________
(١) الغريب في مفردات القرآن، مكتبة الأنجلو المصرية.
[ ٧ ]