هذه بعض المحاذير التي لا تنبغي في هذا السن بالذات، والتصريح بها أولى من التلميح أو التعميم، وذك لوجودها عند البعض قيل لحكيم: أي شيء أشد؟ قال: دنو أجل وسوء عمل (٣).
١ - كثرة المزاح والكلام فيما لا ينفع في الآخرة والاشتهار به،
_________________
(١) شذرات الذهب (١/ ١٤٥) لابن العماد، المكتب التجاري للطباعة بيروت.
(٢) البداية والنهاية (١٢/ ٢٧) (١٤/ ٢٣٥).
(٣) فيض القدير (١/ ٥٥٧).
[ ٤٥ ]
أو كثرة القصص والأخبار الدنيوية قليلة الفائدة والتي زاحم حفظها حفظ القرآن والسنة، فتجد أحدهم يحفظ مئات القصص والأخبار والاشعار التي لن تنفعه في الآخرة يوم عرض الأعمال، فتمنى الواحد زيادة حسنة أو نقص سيئة، ولكن هيهات، بل إنه ربما لا يحفظ جزءا من القرآن أو بعض الأحاديث أو شيئا من سيرة الرسول - ﷺ - والصالحين في كل زمان ومكان.
٢ - بذل الشهادة لكل من طلبها دون تأكد أو تثبت، وربما كانت بمقابل مالي أو معنوي في غير حق وبر، بل ربما شهادة زور أو قول زور يختم به حياته بما يغضب الله، ويلحق بهذا المحذور: الأيمان الكاذبة (الغموس) على أمر من أمور الدنيا كبير أو صغير.
٣ - التصابي والتجمل المبالغ فيه، لدرجة الوقوع في محظورات شرعية كحلق اللحية أو التخفيف الشديد منها، أو الصبغ بالسواد وغيرها من الأمور التي لا تحسن بالشاب المسلم فكيف بالشيخ الكبير، ولينظر بأي حال يريد أن يلقى الله وهو عليه في هيئته ومنظره ومخبره، فإنه (يُبعث كل عبدٍ على ما ماتَ عليه) رواه مسلم.
قال هشام بن الحكم الثقفي: كان يقال: خمسة أشياء تقبح بالرجل: الفتوة في الشيوخ، والحرص في القراء، وقلة الحياء في ذوي الأحساب، والبخل في ذوي الأموال، والحدة في السلطان (١).
_________________
(١) شعب الإيمان (٦/ ٤٠).
[ ٤٦ ]
٤ - التعلق بالشهوات والإكثار من المباحات، كالتوسع في المناكح والمطاعم والمشارب والنوم الكثير نهارًا، والسهر ليلًا على ملهيات ومشغلات عن الله تعالى وعن معالي الأمور، قال المعري:
جني ابن ستين على نفسه بالولد الحادث ما لا يحب
تقول عرسُ الشيخ في نفسها لا كنتَ ياشر خليل صحب
ما يصنع الشيخ بالعذراء يملكها؟ كجوزة بين فكي أدرد خرف
إن رام يكسرها بالسن تثلمه وكسرها راحة للهائم الدنف
٥ - صحبة من لا تزيد صحبته إلا نقصا ممن لا يذكر إلا بالدنيا وملذاتها وحطامها الزائل، ولقد أمر الله تعالى بصحبة الصادقين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] قال الطبري: وكونوا في الدنيا من أهل ولاية الله وطاعته تكونوا في الآخرة مع الصادقين في الجنة، يعني مع من صدق الله الإيمان به (١). ونهى - ﷺ - عن صحبة غير المؤمن فقال: «لا تصاحب إلا مؤمنا» (٢).
وقال الإمام طاووس ﵀ لابنه: يا بني صاحب العقلاء
_________________
(١) تفسير الطبري (١١/ ٦٢).
(٢) حسنه الألباني برقم (٧٢١٨) في صحيح الجامع.
[ ٤٧ ]
تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم (١).
٦ - كثرة الأسفار والرحلات غير المفيدة، وأشد من ذلك المحرمة أو التي تؤدي إلى محرم في مثل ما يسمى بالسياحة الخارجية والسفر إلى بلاد الإباحية والانحلال الخلقي لتمتيع ناظريه أو ما هو أسوأ من ذلك، أو أن يبرر لنفسه بأنه يعوض ما فاته كما يخدعه الشيطان.
٧ - زيادة الهلع والقلق على أمور المعاش، خصوصا إذا كان ذلك بعد انخفاض في موارده المالية بسبب التقاعد أو غيره، وليوقن بقوله - ﷺ -: «لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها» (٢).
وليحذر البخل والشح حال صحته واستطاعته وبالذات في آخر حياته، ولما سئل - ﷺ - عن أي الصدقة أفضل؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم» وفي لفظ: «وأنت حريص تأمل الغنى» أي قاربت الروح الحلقوم، والشح: بخل مع حرص، والتصدق في الحياة وفي الصحة أفضل منه بعد الموت (أي بالوصية) وفي المرض، لأنه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبا، لما يخوفه به الشيطان
_________________
(١) حلية الأولياء، (٤/ ١٣).
(٢) رواه ابن حبان في صحيحة، وقريب منه عند الحاكم والبيهقي وصححه الالباني برقم (٧١٩٢) في صحيح الجامع.
[ ٤٨ ]
ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال (١).
٨ - البدء في مشاريع ضخمة تستهلك وقته وجهده دون مشاركة أحد من أبناءه له في التنفيذ أو المتابعة بل لقد سمعتُ كثيرا من الآباء يشكو أبناءه: أنهم لا يساعدونه في شيء من تلك الأعمال وإنما قام بها من أجلهم، حتى إن بعضهم لما يئس من مساعدتهم قام بتصفيتها بأقل من تكلفتها الحقيقية نادمًا على ما أضاع فيها من جهود وأوقات، عازمًا على الاستمتاع بما بقي من طاقته وماله فيما يحب هو.
* * *