قَالَ تَعَالَى ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ المُرَاد بِالسَّيِّئَةِ هُنَا الْجِنْس وَلَا بُد أَن يكون سَببهَا محيطا بِهِ من جَمِيع جوانبه فَلَا تبقى لَهُ حَسَنَة وسدت عَلَيْهَا مسالك النجَاة وَالْخُلُود فى النَّار هُوَ للْكفَّار وَالْمُشْرِكين فَيتَعَيَّن تَفْسِير السَّيئَة والخطيئة فى هَذِه الْآيَة بالْكفْر والشرك وَبِهَذَا يبطل تشبث الْمُعْتَزلَة والخوارج لما ثَبت فى السّنة تواترا من خُرُوج عصاة الْمُوَحِّدين من النَّار قَالَ الْحسن كل مَا وعد الله عَلَيْهِ النَّار فَهُوَ الْخَطِيئَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أى عَن حَالهم الَّتِى تكون لَهُم فى الْقِيَامَة فانها شنيعة وَلَا يمكنك فى هَذِه الدَّار الِاطِّلَاع عَلَيْهَا وَهَذَا فِيهِ تخويف لَهُم وتسلية لَهُ ﷺ وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب القرظى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَيْت شعرى مَا فعل أبواي فَنزلت هَذِه الْآيَة أخرجه عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر قَالَ السيوطى هَذَا مُرْسل ضَعِيف الْإِسْنَاد ثمَّ رَوَاهُ عَن دَاوُد بن عَاصِم مَرْفُوعا وَقَالَ هُوَ معضل الاسناذ لَا تقوم بِهِ الْحجَّة وَلَا بالذى قبله
قلت وأخبار إِسْلَام أبوى النَّبِي ﷺ أَضْعَف من ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا وماتوا وهم كفار أُولَئِكَ عَلَيْهِم لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ خَالِدين فِيهَا لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب وَلَا هم ينظرُونَ﴾ وَاسْتدلَّ بِهِ على جَوَاز لعن الْكفَّار على الْعُمُوم قَالَ القرطبى وَلَا خلاف فى
[ ٦٧ ]
ذَلِك قَالَ بن العربى أَن لعن العاصى الْمعِين لَا يجوز بِاتِّفَاق وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النُّور إِلَى الظُّلُمَات أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا لن تغني عَنْهُم أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم من الله شَيْئا وَأُولَئِكَ هم وقود النَّار﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم بعد إيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ قيل هم أهل الْكتاب وَقيل المرتدون وَقيل المبتدعون وَقيل الْكَافِرُونَ فيلقون فى النَّار وَقيل هم المُنَافِقُونَ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا النَّار الَّتِي أعدت للْكَافِرِينَ﴾ فِيهِ أَنه يكفر من اسْتحلَّ الرِّبَا وَهَذِه الْآيَة أخوف آيَة فى الْقُرْآن حَيْثُ أوعد الله الْمُؤمنِينَ بالنَّار الْمعدة للْكَافِرِينَ إِن لم يتقوه ويجتنبوا مَحَارمه وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا وسيصلون سعيرا﴾
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يبْعَث يَوْم الْقِيَامَة قوما من قُبُورهم تتأجج أَفْوَاههم نَارا فَقيل يَا رَسُول الله من هم قَالَ ألم تَرَ أَن الله يَقُول الْآيَة أخرجه بن أَبى شيبَة وَأَبُو يعلى والطبرانى وَابْن حبَان فى صَحِيحه وَابْن أَبى حَاتِم
وَعَن أبي سعيد الخدرى قَالَ حَدثنَا النَّبِي ﷺ عَن لَيْلَة أسرى بِهِ قَالَ نظرت فاذا بِقوم لَهُم مشافر كمشافر الْإِبِل وَقد وكل بهم من يَأْخُذ بمشافرهم ثمَّ يَجْعَل فى أَفْوَاههم صخرا من نَار فيقذف فِي فى أحدهم حَتَّى يخرج من أسافلهم وَلَهُم خوار وصراخ فَقلت يَا جِبْرِيل من هؤلاءقال هَؤُلَاءِ الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما الْآيَة أخرجه ابْن جرير وَابْن ابي حَاتِم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾
[ ٦٨ ]
وَالْآيَة فى قسْمَة الْمَوَارِيث فاذا لم يرض فِيهَا لقسمة الله وتعدى حَده كفر إِذا لم يتب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا بِآيَاتِنَا سَوف نصليهم نَارا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ أى كلما احترقت جُلُودهمْ أعطيناهم مَكَان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق فان ذَلِك أبلغ فى الْعَذَاب للشَّخْص وَقيل المُرَاد بالجلود السرابيل وَلَا مُوجب لترك الْمَعْنى الحقيقى هُنَا قَالَ ابْن عمر يبدلون جُلُودًا بَيْضَاء مِثَال الْقَرَاطِيس وَتقدم هَذِه الْآيَة فى الْبَاب السَّابِق
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار فَقَالُوا يَا ليتنا نرد وَلَا نكذب بآيَات رَبنَا ونكون من الْمُؤمنِينَ بل بدا لَهُم مَا كَانُوا يخفون من قبل﴾ إِلَى قَوْله ﴿قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون قد خسر الَّذين كذبُوا بلقاء الله حَتَّى إِذا جَاءَتْهُم السَّاعَة بَغْتَة قَالُوا يَا حسرتنا على مَا فرطنا فِيهَا وهم يحملون أوزارهم على ظُهُورهمْ أَلا سَاءَ مَا يزرون﴾
وَقَالَ تَعَالَى كلما دخلت أمة لعنت أُخْتهَا حَتَّى إِذا أدركوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَت أخراهم لأولاهم رَبنَا هَؤُلَاءِ أضلونا فآتهم عذَابا ضعفا من النَّار قَالَ لكل ضعف وَلَكِن لَا تعلمُونَ قَالَ السدى يلعن الْمُشْركُونَ الْمُشْركين وَالْيَهُود الْيَهُود وَالنَّصَارَى النَّصَارَى والصابئون الصابئين وَالْمَجُوس الْمَجُوس تلعن الْآخِرَة الأولى وَلكُل طَائِفَة مِنْهُم ضعف من الْعَذَاب أما القادة فبكفرهم وتضليلهم وَأما الأتباع فبكفرهم وتقاليدهم قَالَه الكرخى
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونادى أَصْحَاب الْجنَّة أَصْحَاب النَّار أَن قد وجدنَا مَا وعدنا رَبنَا حَقًا فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم فَأذن مُؤذن بَينهم أَن لعنة الله على الظَّالِمين الَّذين يصدون عَن سَبِيل الله ويبغونها عوجا وهم بِالآخِرَة﴾
[ ٦٩ ]
﴿كافرون﴾ وَهَذِه المناداة لم تكن لقصد الْأَخْبَار لَهُم بِمَا نادوهم بِهِ بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الْحَسْرَة فى قُلُوبهم عَن ابْن عمر أَن النَّبِي ﷺ لما وقف على قليب بدر تَلا هَذِه الْآيَة أخرجه ابْن أَبى شيبَة وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن مرْدَوَيْه
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونادى أَصْحَاب النَّار أَصْحَاب الْجنَّة أَن أفيضوا علينا من المَاء أَو مِمَّا رزقكم الله قَالُوا إِن الله حرمهما على الْكَافرين الَّذين اتَّخذُوا دينهم لهوا وَلَعِبًا وغرتهم الْحَيَاة الدُّنْيَا فاليوم ننساهم كَمَا نسوا لِقَاء يومهم هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يجحدون﴾
قَالَ ابْن عَبَّاس يُنَادى الرجل أَخَاهُ فَيَقُول يَا أخى أغثنى فانى قد احترقت فأفض على من المَاء فَيُقَال أجبه فَيَقُول ﴿إِن الله حرمهما على الْكَافرين﴾ وَمعنى ننساهم نتركهم فى النَّار وَقَالَ مُجَاهِد نؤخرهم جياعا عطاشا وَقيل نَفْعل بهم فعل الناسى بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم فى النَّار تركا كليا قَالَ ابْن عَبَّاس نسيهم من الْخَيْر وَلم ينسهم من الشَّرّ وسمى جَزَاء نسيانهم بِالنِّسْيَانِ مجَازًا لِأَن الله لَا ينسى شَيْئا
وَقَالَ تَعَالَى وَلَو ترى إِذْ يتوفى الَّذين كفرُوا الْمَلَائِكَة يضْربُونَ وُجُوههم وأدبارهم ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق أى جِهَة الْأَمَام وجهة الْخلف يعْنى أستاههم كنى عَنْهَا بالأدبار وَقيل ظُهُورهمْ بمقامع من حَدِيد وَهَذَا نَص فى أَن مَلَائِكَة الْمَوْت عِنْد قبضهَا لروح الْكَافِر تضربه بِمَا ذكر وَتقول لَهُ مَا ذكر وَإِن كُنَّا محجوبين عَن رُؤْيَة ذَلِك وسماعه وَاخْتلفُوا فى وَقت هَذَا الضَّرْب فَقيل يكون عِنْد الْمَوْت تضربهم بسياط من نَار وَقيل هُوَ يَوْم الْقِيَامَة حِين يَسِيرُونَ بهم إِلَى النَّار
وَقَالَ ابْن جريج يُرِيد مَا أقبل من أَجْسَادهم وَأدبر
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم﴾
[ ٧٠ ]
﴿وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾ أى النَّار توقد عَلَيْهَا وهى ذَات حمى وحر شَدِيد وَخص الثَّلَاثَة لِأَن التألم بكيها أَشد لما فى داخلها من الْأَعْضَاء الشَّرِيفَة وَقيل ليَكُون الكى فى الْجِهَات الْأَرْبَع من قُدَّام وَخلف وَعَن يَمِين ويسار وَقيل لِأَن الْجمال فى الْوَجْه وَالْقُوَّة فى الظّهْر والجنبين وَالْإِنْسَان إِنَّمَا يطْلب المَال للقوة وَالْجمال وَقيل غير ذَلِك مِمَّا لَا يَخْلُو عَن تكلّف وَبعد
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كسبوا السَّيِّئَات جَزَاء سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وترهقهم ذلة مَا لَهُم من الله من عَاصِم كَأَنَّمَا أغشيت وُجُوههم قطعا من اللَّيْل مظلما أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ المُرَاد بِالسَّيِّئَةِ إِمَّا الشّرك أَو المعاصى والرهق الغشيان والذلة الخزى والهوان وَالْقطع بِفَتْح الطَّاء جمع قِطْعَة أى طَائِفَة من اللَّيْل فَقيل ظلمَة آخر اللَّيْل وَقَالَ الْأَخْفَش سَواد اللَّيْل
وَإِطْلَاق الخلود هُنَا مُقَيّد بِمَا تَوَاتر فى السّنة من خُرُوج عصاة الْمُوَحِّدين وَقَالَ تَعَالَى ﴿يقدم قومه﴾ أى فِرْعَوْن ﴿يَوْم الْقِيَامَة﴾ أى يصير مُتَقَدما سَابِقًا لَهُم إِلَى عَذَاب النَّار كَمَا كَانَ يتقدمهم فى الدُّنْيَا ﴿فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود﴾ أى الْمدْخل الْمَدْخُول فِيهِ وَهُوَ النَّار ﴿وأتبعوا فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة﴾ أى طردا وإبعادا من الإسم بعدهمْ يَوْم الْقِيَامَة ﴿بئس الرفد المرفود﴾ أى العون المعان أَو الْعَطاء الْمُعْطى
وَقَالَ تَعَالَى فَأَما الَّذين شَقوا ففى النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق خَالِدين فِيهَا مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبك قَالَ الزّجاج الزَّفِير من شدَّة الأنين وَهُوَ الْمُرْتَفع جدا
قَالَ وَزعم أهل اللُّغَة من الْبَصرِيين والكوفيين أَن الزَّفِير بِمَنْزِلَة ابْتِدَاء صَوت الْحمير والشهيق آخِره وَقيل الزَّفِير للحمار والشهيق للبغل وَقيل الزَّفِير الصَّوْت الشَّديد والشهيق الصَّوْت الضَّعِيف وَقيل الزَّفِير إِخْرَاج
[ ٧١ ]
النَّفس والشهيق ردهَا وَقيل الزَّفِير من الصَّدْر والشهيق من الْحلق وَقيل الزَّفِير ترديد النَّفس فى الصَّدْر من شدَّة الْخَوْف حَتَّى تنتفخ مِنْهُ الأضلاع والشهيق النَّفس الطَّوِيل الممتد أَو رد النَّفس إِلَى الصَّدْر وَالْمرَاد بهما الدّلَالَة على شدَّة كربهم وغمهم وتشبيه حَالهم بِمن استولت الْحَرَارَة على قلبه وانحصر فِيهِ روحه
وَقَالَ اللَّيْث الزَّفِير أَن يمْلَأ الرجل صَدره حَال كَونه فى الْغم الشَّديد من النَّفس ويخرجه والشهيق أَن يخرج ذَلِك النَّفس وَهُوَ قريب من قَوْلهم تنفس الصعداء
وَاخْتلف أهل الْعلم فى معنى هَذَا التَّوْقِيت وَالِاسْتِثْنَاء اخْتِلَافا شَدِيدا لِأَنَّهُ قد علم بالأدلة القطعية تأبيد عَذَاب الْكفَّار فى النَّار وَعدم انْقِطَاعه عَنْهُم وَالْكَلَام على ذَلِك يطول جدا فَارْجِع إِلَى تفسيرنا فتح الْبَيَان فَفِيهِ مَا يشفى ويكفى لفهم هَذَا الْمقَام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَترى الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ مُقرنين فِي الأصفاد سرابيلهم من قطران وتغشى وُجُوههم النَّار ليجزي الله كل نفس مَا كسبت إِن الله سريع الْحساب﴾ المُرَاد بالمجرمين الْمُشْركُونَ وَمعنى مُقرنين مشدودين يَجْعَل بَعضهم مَقْرُونا مَعَ بعض أى بِحَسب مشاركتهم فى العقائد أَو قرنوا مَعَ الشَّيَاطِين أَو جعلت أَيْديهم مقرونة إِلَى أَرجُلهم والمقرن من جمع فى الْقرن وَهُوَ الْحَبل الذى يرْبط بِهِ والأصفاد الأغلال والقيود قَالَه قَتَادَة
وَقَالَ ابْن عَبَّاس الكبول وَعنهُ يَقُول فى وثائق وَقَالَ سعيد بن جُبَير السلَاسِل والسرابيل القمص قَالَه السدى وَعَن ابْن زيد مثله وَاحِدهَا سربال وَالْمعْنَى قمصانهم من قطران تطلى بِهِ جُلُودهمْ حَتَّى يعود ذَلِك الطلاء كالسرابيل وَخص القطران لسرعة اشتعال النَّار فِيهِ ولذعه مَعَ نَتن رَائِحَته ووحشة لَونه
[ ٧٢ ]
وَقَالَ جمَاعَة هُوَ النّحاس الْمُذَاب وَبِه قَالَ عمر وَابْن عَبَّاس قَالَ عِكْرِمَة هَذَا القطران يطلى بِهِ حَتَّى يشتعل نَارا وَقَالَ سعيد بن جُبَير الْقطر الصفر والآن الْحَار وَعَن عِكْرِمَة نَحوه
والقطران فِيهِ لُغَات وَهُوَ مَا يسْتَخْرج من الشّجر فيطبخ ويطلى بِهِ الْإِبِل ليذْهب جربها لحدته وَقيل هُوَ دهن ينحلب من شجر الأبهل والعرعر والتوت كالزفت تدهن بِهِ الْإِبِل إِذا جربت وعو الهناء وَلَو أَرَادَ الله الْمُبَالغَة فى إحراقهم بِغَيْر ذَلِك لقدر وَلكنه حذرهم بِمَا يعْرفُونَ
وَعَن أَبى مَالك الأشعرى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ النائحة إِذا لم تتب قبل مَوتهَا تلقم يَوْم الْقِيَامَة وَعَلَيْهَا سربال من قطران وَدرع من جرب أخرجه مُسلم وَغَيره
وَمعنى تغشى تعلو أى تضرب النَّار الْوُجُوه وتخللها وَقُلُوبهمْ أَيْضا وَخص الْوُجُوه لِأَنَّهَا أشرف مَا فى الْبدن وفيهَا الْحَواس المدركة أعاذنا الله مِنْهَا
وَقَالَ تَعَالَى وَإِن جَهَنَّم لموعدهم أَجْمَعِينَ سَبْعَة لَهَا أَبْوَاب لكل بَاب مِنْهُم جُزْء مقسوم أى موعد الغاوين فهم يدْخلُونَ من أَبْوَابهَا وَإِنَّمَا كَانَت سَبْعَة لِكَثْرَة أَهلهَا وَلكُل بَاب من الأتباع الغواة نصيب وَقدر مَعْلُوم متميز عَن غَيره والجزء بعض الشَّيْء وَالْمرَاد بِهِ هُنَا الحزب والطائفة والفريق وَقيل المُرَاد بالأبواب الأطباق طبق فَوق طبق
قَالَ ابْن جريج النَّار سبع دركات وهى جَهَنَّم ثمَّ لظى ثمَّ الحطمة ثمَّ السعير ثمَّ سقر ثمَّ الْجَحِيم ثمَّ الهاوية فأعلاها للموحدين وَالثَّانيَِة للْيَهُود وَالثَّالِثَة لِلنَّصَارَى وَالرَّابِعَة للصابئين وَالْخَامِسَة للمجوس وَالسَّادِسَة للْمُشْرِكين
[ ٧٣ ]
وَالسَّابِعَة لِلْمُنَافِقين فجهنم أَعلَى الطَّبَقَات ثمَّ مَا بعْدهَا تحتهَا ثمَّ كَذَلِك
وَالْمعْنَى أَن الله تَعَالَى يجزىء أَتبَاع إِبْلِيس سَبْعَة أَجزَاء فَيدْخل كل جُزْء وَقسم دركة من النَّار وَالسَّبَب فِيهِ أَن مَرَاتِب الْكفْر والمعاصى مُخْتَلفَة فَلذَلِك اخْتلفت مَرَاتِبهمْ فى النَّار قَالَ الْخَطِيب تَخْصِيص هَذَا الْعدَد لِأَن أَهلهَا سبع فرق وَقيل جعلت سَبْعَة على وفْق الْأَعْضَاء السَّبْعَة من الْعين وَالْأُذن وَاللِّسَان والبطن والفرج وَالْيَد وَالرجل لِأَنَّهَا مصَادر السَّيِّئَات فَكَانَت مواردها الْأَبْوَاب السَّبْعَة وَلما كَانَت هى بِعَينهَا مصَادر الْحَسَنَات بِشَرْط النِّيَّة وَالنِّيَّة من أَعمال الْقلب زَادَت الْأَعْضَاء وَاحِدًا فَجعلت أَبْوَاب الْجنَّة ثَمَانِيَة أه
أَقْوَال الْحِكْمَة فى تَخْصِيص هَذَا الْعدَد لَا تَنْحَصِر فِيمَا ذكر بل الأولى تفويضها إِلَى جاعلها سَبْعَة وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ إِلَّا أَن يرد بِهِ خبر صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ فَيجب الْمصير إِلَيْهِ
عَن على قَالَ أطباق جَهَنَّم سَبْعَة بَعْضهَا فَوق بعض فيملى الأول ثمَّ الثانى ثمَّ الثَّالِث حَتَّى يملى كلهَا وَعَن بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لِجَهَنَّم سَبْعَة أَبْوَاب بَاب مِنْهَا لمن سل السَّيْف على أمتى أخرجه البخارى فى تَارِيخه والترمذى وَاسْتَغْرَبَهُ وَعَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ فى الْآيَة جُزْء أشركوا بِاللَّه وجزء شكوا فى الله وجزء غفلوا عَن الله أخرجه ابْن مرْدَوَيْه والخطيب فى تَارِيخه
وَقد وَردت فى صفة النَّار وأهوالها أَحَادِيث وآثار كَثِيرَة تأتى فى محلهَا
وَقَالَ تَعَالَى فادخلوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين يُقَال لَهُم ذَلِك عِنْد الْمَوْت وَقد تقدم ذكر الْأَبْوَاب وَأَن جَهَنَّم دَرَجَات بَعْضهَا فَوق بعض أى ليدْخل كل صنف فى الطَّبَقَة الَّتِى هُوَ مَوْعُود بهَا وَإِنَّمَا
[ ٧٤ ]
قيل لَهُم ذَلِك لِأَنَّهُ أعظم فى الخزى وَالْغَم وَفِيه دَلِيل على أَن الْكفَّار بَعضهم أَشد عذَابا من بعض وَالْمرَاد تكبرهم عَن الْإِيمَان وَالْعِبَادَة كَمَا فى قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُم كَانُوا إِذا قيل لَهُم لَا إِلَه إِلَّا الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونحشرهم يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم عميا وبكما وصما مأواهم جَهَنَّم كلما خبت زدناهم سعيرا ذَلِك جزاؤهم بِأَنَّهُم كفرُوا بِآيَاتِنَا﴾ وَهَذَا الْحَشْر فِيهِ الْوَجْهَانِ لِلْمُفَسِّرِينَ
الأول إِنَّه عبارَة عَن الْإِسْرَاع بهم إِلَى جَهَنَّم
الثانى إِنَّهُم يسْحَبُونَ يَوْم الْقِيَامَة على وُجُوههم حَقِيقَة كَمَا يفعل فى الدُّنْيَا بِمن يُبَالغ فى إهانته وتعذيبه وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لقَوْله سُبْحَانَهُ ﴿يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم﴾
وَلما صَحَّ فى السّنة عَن أنس ﵁ قَالَ قيل يَا رَسُول الله كَيفَ يحْشر النَّاس على وُجُوههم قَالَ الذى أَمْشَاهُم على أَرجُلهم قَادر على أَن يُمشيهمْ على وُجُوههم أخرجه البخارى وَمُسلم وَغَيرهمَا
وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يحْشر النَّاس يَوْم الْقِيَامَة على ثَلَاثَة أَصْنَاف صنف مشَاة وصنف ركبانا وصنف على وُجُوههم قيل يَا رَسُول الله كَيفَ يَمْشُونَ على وُجُوههم قَالَ إِن الذى أَمْشَاهُم على أَقْدَامهم قَادر على أَن يُمشيهمْ على وُجُوههم أما إِنَّهُم يَبْتَغُونَ بِوُجُوهِهِمْ كل حدب وَصوب أخرجه أَبُو دَاوُد والترمذى وَحسنه البيهقى والحدب مَا ارْتَفع الأَرْض
وفى الْبَاب أَحَادِيث وَالْأَعْمَى الذى لَا يبصر والأبكم الذى لَا ينْطق والأصم الذى لَا يسمع أى هَذِه هَيْئَة يبعثون عَلَيْهَا فى أقبح صُورَة وأشنع
[ ٧٥ ]
منظر قد جمع الله لَهُم بَين عمى الْبَصَر وَعدم النُّطْق وَعدم السّمع مَعَ كَونهم مسحوبين على وُجُوههم وَقد أثبت الله تَعَالَى لَهُم الرُّؤْيَة وَالْكَلَام والسمع فى قَوْله ﴿وَرَأى المجرمون النَّار﴾ وَقَوله ﴿دعوا هُنَالك ثبورا﴾
وَقَوله تَعَالَى ﴿سمعُوا لَهَا تغيظا وزفيرا﴾ فَالْمَعْنى هُنَا عميا لَا يبصرون مَا يسرهم كَمَا لَا ينطقون بِحجَّة صمًّا لَا يسمعُونَ مَا يلذ مسامعهم وَقيل هَذَا حِين يُقَال لَهُم اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون وَقيل يحشرون على مَا وَصفهم ثمَّ يُعَاد إِلَيْهِم هَذِه الْأَشْيَاء بعد ذَلِك ثمَّ من وَرَاء ذَلِك الْمَكَان الَّذين يأوون إِلَيْهِ كلما سكن لَهب النَّار بِأَن أكلت جُلُودهمْ ولحومهم زادهم الله تسعرا وَهُوَ التلهب والتوقد أى فتعود ملتهبة ومتسعرة فَإِنَّهُم لَهُم لما كذبُوا بالاعادة بعد الافناء جزاهم الله بِأَن لَا يزَالُوا على الْإِعَادَة والإفناء
وَقد قيل أَن فى خبوء النَّار تَخْفِيفًا لعذاب أَهلهَا فَكيف يجمع بَينه وَبَين قَوْله ﴿لَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب﴾ وَأجِيب بِأَن المُرَاد بِعَدَمِ التَّخْفِيف أَنه لَا يَتَخَلَّل زمَان محسوس بَين الخبوء والتسعر وَقيل أَنَّهَا تخبو من غير تَخْفيف عَنْهُم من عَذَابهمْ وَقيل ضعفت وهدأت من غير أَن يُوجد نُقْصَان فى إيلامهم لِأَن الله تَعَالَى لَا يفتر عَنْهُم وَقيل مَعْنَاهُ أَرَادَت أَن تخبو وَقيل نَضِجَتْ جُلُودهمْ واحترقت وأعيدوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ وَزيد فى سعير النَّار لتحرقهم أعاذنا الله تَعَالَى عَنْهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ يشوي الْوُجُوه بئس الشَّرَاب وَسَاءَتْ مرتفقا﴾ السرادق الذى يمد فَوق صحن الدَّار وكل بَيت من كُرْسُف أى قطن فَهُوَ سرادق فارسى مُعرب يُقَال بَيت مسردق وَقَالَ ابْن الأعرابى سرادقها سورها وَقَالَ القتيبى السرادق الْحُجْرَة الَّتِى تكون حول الْفسْطَاط
[ ٧٦ ]
وَالْمعْنَى أَنه أحَاط بالكفار سرادق النَّار على تَشْبِيه مَا يحيطهم من النَّار بالسرادق الْمُحِيط بِمن فِيهِ قَالَ ابْن عَبَّاس حَائِط من نَار وَعَن أَبى سعيد الخدرى ﵁ عَن النبى ﷺ قَالَ سرادق النَّار أَرْبَعَة جدر كَثَافَة كل جِدَار مِنْهَا مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة أخرجه أَحْمد والترمذى وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَغَيرهم
وَعَن يعلى ابْن أُميَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الْبَحْر هُوَ من جَهَنَّم ثمَّ تَلا ﴿نَارا أحَاط بهم سرادقها﴾ أخرجه أَحْمد مطولا وَرِجَاله ثِقَات قَالَه فى مجمع الزَّوَائِد وَرَوَاهُ البخارى وَالْحَاكِم وَصَححهُ
وان يطلبوا الانقاذ من شدَّة الْعَطش يضْربُوا ويعذبوا بالحديد الْمُذَاب وَهُوَ الْمهل قَالَ الزّجاج أَنهم يغاثون بِمَاء كالرصاص الْمُذَاب والصفر وَقيل هُوَ دردى الزَّيْت أى مَا بقى فى أَسْفَل الْإِنَاء وَوجه الشّبَه وجود الثخن والرداءة فى كل مِنْهُمَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة والأخفش العكر وكل مَا أذيب من جَوَاهِر الأَرْض من حَدِيد ورصاص ونحاس وَقيل هُوَ ضرب من القطران
وَعَن أَبى سعيد الخدرى عَن النَّبِي ﷺ قَالَ كَعَكرِ الزَّيْت فَإِذا قرب إِلَيْهِ سَقَطت فَرْوَة وَجهه أخرجه أَحْمد والترمذى وَأَبُو يعلى وَابْن جرير وَابْن حبَان والبيهقى فى الْبَعْث وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ مَاء غليظ كدردى الزَّيْت وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه سُئِلَ عَن الْمهل فَدَعَا بِذَهَب وَفِضة فأذابه فَلَمَّا ذاب قَالَ هَذَا أشبه شىء بالمهل الذى هُوَ شراب اهل النَّار ولونه لون السَّمَاء غير أَن شرابهم أَشد حرا من هَذَا
وَعَن ابْن عمر هَل تَدْرُونَ مَا الْمهل هُوَ مهل الزَّيْت يعْنى آخِره وَأَنه إِذا قدم إِلَيْهِم صَارَت وُجُوههم مشوية لحرارته والشىء الانضاج بالنَّار من غير
[ ٧٧ ]
احراق وَقَوله ﴿مرتفقا﴾ اى متكأ وَقيل مَجْلِسا ومنزلا وَقيل مجتمعا وَبِه قَالَ مُجَاهِد
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَأى المجرمون النَّار فظنوا أَنهم مواقعوها وَلم يَجدوا عَنْهَا مصرفا﴾ أى عاينوها من مسيرَة أَرْبَعِينَ عَاما وأيقنوا أَنهم داخلون وواقعون فِيهَا والمواقعة المخالطة بالوقوع فِيهَا وَقيل إِن الْكفَّار يرَوْنَ النَّار من مَكَان بعيد فيظنون ذَلِك ظنا وَلم يَجدوا عَنْهَا معدلا يعدلُونَ إِلَيْهِ وانصرافا لِأَن النَّار قد أحاطت بهم من كل جَانب وَقيل ملْجأ يلجؤن إِلَيْهِ وَالْمعْنَى مُتَقَارب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنفخ فِي الصُّور فجمعناهم جمعا وعرضنا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا الَّذين كَانَت أَعينهم فِي غطاء عَن ذكري وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سمعا أفحسب الَّذين كفرُوا أَن يتخذوا عبَادي من دوني أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ نزلا قل هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا أُولَئِكَ الَّذين كفرُوا بآيَات رَبهم ولقائه فحبطت أَعْمَالهم فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا ذَلِك جزاؤهم جَهَنَّم بِمَا كفرُوا وَاتَّخذُوا آياتي ورسلي هزوا﴾
الصُّور الْقرن والنفخ فِيهِ للبعث وهى النفخة الثَّانِيَة وَيكون جمع الْخَلَائق بعد تلاشى أبدانهم ومصيرها تُرَابا وَيكون جمعا تَاما على أكمل صفة وأبدع هَيْئَة وأعجب اسلوب فى صَعِيد وَاحِد وفى عرض جَهَنَّم لَهُم وَعِيد عَظِيم لما يحصل مَعَهم عِنْد مشاهدتها من الْفَزع والروعة والغطاء الغشاء والستر وَهُوَ مَا غطى الشىء وستره من جَمِيع الجوانب وَالْمرَاد بِالذكر الْآيَات وَكَانُوا لَا يقدرُونَ على الِاسْتِمَاع لما فِيهِ الْحق من كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله لغَلَبَة
[ ٧٨ ]
الشقاوة عَلَيْهِم ولشدة عداوتهم لَهما والحسبان الظَّن والنزل الذى يعد للضيف وَفِيه تهكم بهم كَقَوْلِه ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾
قَالَ ابْن الاعرابى تَقول الْعَرَب مَا لفُلَان عندنَا وزن أى قدر لخسته ويوصف الرجل بِأَنَّهُ لَا وزن لَهُ لخفته وَسُرْعَة طيشه وَقلة تثبته وَالْمعْنَى أَنهم لَا يعْتد بهم وَلَا يكون لَهُم عِنْد الله منزلَة وَقدر
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّه ليأتى الرجل الْعَظِيم السمين يَوْم الْقِيَامَة لَا يزن عِنْد الله جنَاح بعوضة واقرؤا إِن شِئْتُم ﴿فَلَا نُقِيم لَهُم يَوْم الْقِيَامَة وزنا﴾ أخرجه البخارى وَمُسلم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فوربك لنحشرنهم وَالشَّيَاطِين ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا ثمَّ لننزعن من كل شيعَة أَيهمْ أَشد على الرَّحْمَن عتيا ثمَّ لنَحْنُ أعلم بالذين هم أولى بهَا صليا وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها كَانَ على رَبك حتما مقضيا﴾ الْمَعْنى نسوقهم إِلَى الْمَحْشَر بعد إخراجهم من قُبُورهم أَحيَاء كَمَا كَانُوا مَعَ شياطينهم الَّذين أغووهم وأضلوهم فى سلسلة ثمَّ نحضرهم حول النَّار من خَارِجهَا قبل دُخُولهَا أَو من داخلها جاثين على ركبهمْ لما يصيبهم من أهوال المواقف وروعة المحاسبة ثمَّ تنزعن من كل أمة وَفرْقَة وَأهل دين وملة من الْكفَّار قَالَ الزمخشرى الشِّيعَة هى الطَّائِفَة الَّتِى شاعت أى تبِعت غاويا من الغواة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا لست مِنْهُم فِي شَيْء﴾ انْتهى
يعْنى ينْزع من كل طوائف ألغى كالروافض والخوارج والنواصب والمقلدة لآراء الرِّجَال والمتبعة للفلاسفة الضلال وَغَيرهم أعصاهم وأعتاهم فَإِذا اجْتَمعُوا طرحهم فى جَهَنَّم وهم أولى بصليها أَو صليهم أولى بالنَّار
[ ٧٩ ]
وَمَا من أحد مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا إِلَّا وصاليها وداخلها ثمَّ يُنجى الله الَّذين اتَّقوا ويذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا وَهَذِه أخوف آيَة
وَقَالَ تَعَالَى وَمن أعرض عَنهُ فَإِنَّهُ يحمل يَوْم الْقِيَامَة وزرا أى اثما عَظِيما وعقوبة ثَقيلَة بِسَبَب إعراضه خَالِدين فِيهَا وساء لَهُم يَوْم الْقِيَامَة حملا يَوْم ينْفخ فى الصُّور ونحشر الْمُجْرمين يَوْمئِذٍ زرقا المُرَاد بالمجرمين الْمُشْركُونَ والكافرون والعصاة المآخذون بِذُنُوبِهِمْ الَّتِى لم يغفرها الله لَهُم والزرقة الخضرة فى الْعين كعين السنور
وَالْعرب تتشاءم بهَا لِأَن الرّوم كَانُوا اعدى عدوهم وهم زرق وهى أَسْوَأ ألوان الْعين وأبغضها إِلَى الْعَرَب وَقَالَ الْفراء زرقا أى عميا وَقَالَ الأزهرى عطاشا وَهُوَ قَول الزّجاج وَقيل إِنَّه كِنَايَة عَن الطمع الْكَاذِب إِذا تعقبه الخيبة وَقيل هُوَ كِنَايَة عَن شخوص الْبَصَر من شدَّة الْحِرْص وَالْقَوْل الأول أولى وَالْجمع بَين هَذِه الْآيَة وَبَين الْآيَة السَّابِقَة ﴿عميا وبكما وصما﴾ مَا قيل من أَن ليَوْم الْقِيَامَة حالات ومواطن تخْتَلف فِيهَا صفاتهم ويتنوع عِنْدهَا عَذَابهمْ فيكونون فى حَال زرقا وفى حَال عميا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ لَهُم فِيهَا زفير وهم فِيهَا لَا يسمعُونَ﴾ وفى هَذَا تبكيث لعباد الْأَصْنَام وتوبيخ شَدِيد لمن يتَّخذ من دون الله أَرْبَابًا والزفير هُوَ صَوت نفس المغموم وَالْمرَاد هُنَا الأنين والبكاء والتنفس الشَّديد والعويل وَلَا يسمع بَعضهم زفير بعض لشدَّة الهول قَالَ ابْن مَسْعُود فى الْآيَة إِذا بقى فى النَّار من يخلد فِيهَا جعلُوا فى توابيت من نَار ثمَّ جعلت تِلْكَ التوابيت فى توابيت أخر عَلَيْهَا مسامير من نَار فَلَا يسمعُونَ شَيْئا وَلَا يرى أحد مِنْهُم أَن فى النَّار أحدا يعذب غَيره وَقيل لَا يسمعُونَ شَيْئا لأَنهم يحشرون
[ ٨٠ ]
صمًّا وَإِنَّمَا سلبوا السماع لِأَن فِيهِ بعض تروح وتأنس وَقيل لَا يسمعُونَ مَا يسرهم بل يسمعُونَ مَا يسوءهم
وَقَالَ تَعَالَى فَالَّذِينَ كفرُوا قطعت لَهُم ثِيَاب من نَار يصب من فَوق رُؤْسهمْ الْحَمِيم يصهر بِهِ مَا فى بطونهم والجلود وَلَهُم مَقَامِع من حَدِيد كلما أَرَادوا أَن يخرجُوا مِنْهَا أعيدوا فِيهَا وذوقوا عَذَاب الْحَرِيق أى قدرت لَهُم على قدر جثثهم لِأَن الثِّيَاب الجدد تقطع على مِقْدَار بدن من يلبسهَا شبه إعداد النَّار وإحاطتها بهم بتقطيع ثِيَاب لَهُم وَجمع الثِّيَاب لِأَن النَّار لتراكمها عَلَيْهِم كالثياب الملبوس بَعْضهَا فَوق بعض وَقيل إِنَّهَا من نُحَاس فقد أذيب فَصَارَ كالنار وهى السرابيل الْمَذْكُورَة فى آيَة أُخْرَى قَالَه سعيد ابْن جُبَير وَزَاد لبس من الْآنِية إِذا حمى أَشد حرا مِنْهُ
وَالْحق إِجْرَاء النّظم القرآنى على ظَاهره وَلَا نرتضى تَأْوِيله بِمَا يُخَالف ظَاهر لَفظه وواضح مَعْنَاهُ وَالْحَمِيم المَاء الْحَار المغلى بِنَار جَهَنَّم انْتَهَت حرارته يذاب بِهَذَا الْحَمِيم مَا فى بطونهم وتسيل بِهِ أمعاؤهم وتتناثر جُلُودهمْ
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ أَنه تَلا هَذِه الْآيَة فَقَالَ سَمِعت رَسُول اللهيقول إِن الْحَمِيم ليصب على رُؤْسهمْ فَينفذ الجمجمة حَتَّى يخلص إِلَى جَوْفه فيسلت مَا فى جَوْفه حَتَّى يَمْرُق من قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصهر ثمَّ يُعَاد كَمَا كَانَ أخرجه الترمذى وَالْحَاكِم وصححاه وَابْن جرير وَابْن أَبى حَاتِم وَغَيرهم وَقَالَ ابْن عَبَّاس يَمْشُونَ وأمعاؤهم تتساقط وَعنهُ قَالَ يسقون مَاء إِذا دخل فى بطونهم أذابها والجلود مَعَ الْبُطُون والمقمعة المطرقة وَقيل السَّوْط وَسميت بالمقامع لِأَنَّهَا تقمع الْمَضْرُوب أى تذلله
وَعَن أَبى سعيد الخدرى ﵁ عَن رَسُول ﷺ قَالَ
[ ٨١ ]
لَو أَن مِقْمَعًا من حَدِيد وضع فى الأَرْض فَاجْتمع الثَّقَلَان مَا أَقلوهُ من الأَرْض وَلَو ضرب الْجَبَل بمقمع من حَدِيد لتفتت ثمَّ عَاد كَمَا كَانَ أخرجه أَحْمد وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم وَصَححهُ البيهقى
وَعَن سلمَان قَالَ النَّار سَوْدَاء مظْلمَة لَا يضىء لهيبها وَلَا جمرها ثمَّ قَرَأَ ﴿كلما أَرَادوا﴾ الْآيَة وَالْمرَاد إعادتهم إِلَى مُعظم النَّار لَا إِنَّهُم ينفصلون عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ ثمَّ يعودون إِلَيْهَا وَقيل لَهُم ذوقوا عَذَاب المحرق الغليظ الْمُنْتَشِر الْعَظِيم الإهلاك الْبَالِغ نِهَايَة الإحراق
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين سعوا فِي آيَاتنَا معاجزين أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أى اجتهدوا فى إِبْطَالهَا حَيْثُ قَالُوا الْقُرْآن شعر أَو سحر أَو أساطير الْأَوَّلين أَو للتلاوة دون الْعَمَل ظانين ومقدرين أَن يعْجزُوا الله ويفوتوه وَقيل معاندين أَو مراغمين ومشاقين فهم أَصْحَاب النَّار الموقدة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ اخسؤوا فِيهَا وَلَا تكَلمُون﴾ أى اسْكُتُوا فى جَهَنَّم سكُوت هوان وَلَا تكَلمُون رَأْسا أَو فى إخراجكم من النَّار أَو فى رفع الْعَذَاب عَنْكُم قَالَ الْحسن هُوَ آخر كَلَام يتَكَلَّم بِهِ أهل النَّار وَمَا بعد ذَلِك إِلَّا الزَّفِير والشهيق وعواء كعواء الْكلاب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إِذا رأتهم من مَكَان بعيد سمعُوا لَهَا تغيظا وزفيرا﴾ أى إِذا رأتهم وهى بعيدَة عَنْهُم قيل بَينهَا وَبينهمْ مسيرَة مائَة عَام وَقيل خَمْسمِائَة عَام وَذَلِكَ إِذا أَتَى بجهنم تقاد بسبعين ألف زِمَام يشد بِكُل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك لَو تركت لاتت على كل بار وَفَاجِر فترى تزفر زفرَة لَا تبقى قَطْرَة من دمع إِلَّا بَدَت ثمَّ تزفر الثَّانِيَة فتقلع الْقُلُوب من أماكنها وتبلغ الْقُلُوب الْحَنَاجِر وَعَن رجل من الصَّحَابَة قَالَ قَالَ النبى ص من يقل على مَا لم أقل أَو ادّعى إِلَى غير أَبِيه وانتمى
[ ٨٢ ]
إِلَى غير موَالِيه فَليَتَبَوَّأ بَين عينى جَهَنَّم مقْعدا قيل يَا رَسُول الله وَهل لَهَا من عينين قَالَ نعم أما سَمِعْتُمْ الله يَقُول ﴿إِذا رأتهم من مَكَان بعيد﴾ أخرجه عبد بن حميد وَابْن جرير من طَرِيق خَالِد بن دريك وَنَحْوه عِنْد رزين فى كِتَابه وَصَححهُ بن العربى فى قبسه وَأخرج الترمذى من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة
قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ يخرج عنق من النَّار يَوْم الْقِيَامَة لَهُ عينان يبصران وأذنان يسمعان ولسان ينْطق يَقُول إنى وكلت بِثَلَاث كل جَبَّار عنيد وَبِكُل من دَعَا مَعَ الله إِلَهًا آخر وبالمصورين وفى الْبَاب عَن أَبى سعيد قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب صَحِيح والتغيظ الغليان إِذا غلا صَدره من الْغَضَب يعْنى أَن لَهَا صَوتا يدل على التغيظ على الْكفَّار أَو لغليانها صَوت يشبه صَوت المغتاظ وَتقدم الْكَلَام على زفير
وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا ألقوا مِنْهَا مَكَانا ضيقا مُقرنين دعوا هُنَالك ثبورا لَا تدعوا الْيَوْم ثبورا وَاحِدًا وَادعوا ثبورا كثيرا
عَن يحيى بن أسيد أَن رَسُول ﷺ سُئِلَ عَن هَذِه الْآيَة فَقَالَ والذى نفسى بِيَدِهِ إِنَّهُم ليستكرهون فى النَّار كَمَا يستكره الوتد فى الْحَائِط وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه يضيق عَلَيْهِم كَمَا يضيق الزج فى الرمْح وَالثُّبُور الْهَلَاك وَالْمرَاد بِهَذَا الْجَواب عَلَيْهِم الدّلَالَة على خُلُود عَذَابهمْ وإقناطهم عَن حُصُول مَا يتمنونه من الْهَلَاك المنجى لَهُم مِمَّا هم فِيهِ
وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول ﷺ إِن أول مَا يكسى حلته من النَّار إِبْلِيس فَيَضَعهَا على حاجبيه ويسحبها من خَلفه وَذريته من بعده وَهُوَ يُنَادى يَا ثبوراه وَيَقُولُونَ يَا ثبور حَتَّى يقف على النَّاس فَيَقُول يَا ثبوراه وَيَقُولُونَ يَا ثبورهم فَيُقَال لَهُم لَا تدعوا الْيَوْم ثبورا وَاحِدًا وَادعوا ثبورا كثيرا
[ ٨٣ ]
وَقَالَ تَعَالَى فكبكبوا فِيهَا أى ألقوا فى جَهَنَّم على رؤوسهم وَقيل قلبوا على رؤوسهم وَقيل ألْقى بَعضهم على بعض وَقيل جمعُوا قَالَه ابْن عَبَّاس وَقيل طرحوا وَقيل نكسوا هم والغاوون أى المعبودون والعابدون وجنود إِبْلِيس أَجْمَعُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَلَكِن حق القَوْل منى لأملأن جَهَنَّم من الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ هَذَا هُوَ القَوْل الذى وَجب من الله وَحقّ على عباده وَنفذ فِيهِ قَضَاؤُهُ وَإِنَّمَا قضى عَلَيْهِم بِهَذَا لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قد علم أَنهم من أهل الشقاوة وَأَنَّهُمْ مِمَّن يخْتَار الضَّلَالَة على الْهدى
وَقَالَ تَعَالَى يَوْم تقلب وُجُوههم فى النَّار يعْنى تقلبها تَارَة على جِهَة مِنْهَا وَتارَة على جِهَة أُخْرَى ظهرا لبطن أَو تغير ألوانهم بلفح النَّار فتسود تَارَة وتخضر أُخْرَى أَو تبدل جُلُودهمْ بجلود أُخْرَى وَخص الْوَجْه لِأَنَّهُ أكْرم مَوضِع من الأنسان أَو يكون الْوَجْه عبارَة عَن الْجُمْلَة
وَقَالَ تَعَالَى وَجَعَلنَا الأغلال فى أَعْنَاق الَّذين كفرُوا هَل يجزون إِلَّا مَا كَانُوا يعْملُونَ أى جعلت الأغلال من الْحَدِيد فى أَعْنَاق هَؤُلَاءِ فى النَّار
وَقَالَ تَعَالَى وهم يصطرخون فِيهَا من الصُّرَاخ وَهُوَ الصياح أى وهم يستغيثون فى النَّار رافعين أَصْوَاتهم والصارخ المستغيث وَقَالَ تَعَالَى هَذِه جَهَنَّم الَّتِى كُنْتُم توعدون اصلوها الْيَوْم بِمَا كُنْتُم تكفرون الْيَوْم نختم على أَفْوَاههم وتكلمنا أَيْديهم وَتشهد أَرجُلهم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أى توعدون بهَا فى الدُّنْيَا على أَلْسِنَة الرُّسُل فادخلوها وقاسوا حرهَا
قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّهُم يُنكرُونَ الشّرك وَتَكْذيب الرُّسُل فيختم الله على أَفْوَاههم ختما لَا يقدرُونَ مَعَه على الْكَلَام وَتكلم أَيْديهم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَتشهد أَرجُلهم عَلَيْهِم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَهُ باختيارها بعد إقدار الله تَعَالَى لَهَا على الْكَلَام ليَكُون أدل على صُدُور الذَّنب مِنْهُم
[ ٨٤ ]
وَأخرج أَحْمد وَمُسلم والنسائى وَالْبَزَّار وَغَيرهم عَن أنس فى الْآيَة قَالَ كُنَّا عِنْد النبى ص فَضَحِك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه قَالَ أَتَدْرُونَ مِمَّا ضحِكت قُلْنَا لَا يَا رَسُول الله قَالَ من مُخَاطبَة العَبْد ربه يَقُول يَا رب ألم تجرنى من الظُّلم فَيَقُول بلَى فَيَقُول إنى لَا أُجِيز على إِلَّا شَاهدا منى فَيَقُول كفى بِنَفْسِك الْيَوْم عَلَيْك شَهِيدا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبين شُهُودًا فيختم على فِيهِ وَيُقَال لِأَرْكَانِهِ انطقى فَتَنْطِق بِأَعْمَالِهِ ثمَّ يخلى بَينه وَبَين الْكَلَام فَيَقُول بعدا لَكِن وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كنت أُنَاضِل
وَأخرج مُسلم والترمذى وَابْن مرْدَوَيْه والبيهقى عَن أَبى سعيد وأبى هُرَيْرَة ﵄ قالاقال رَسُول الله ﷺ يلقى العَبْد ربه فَيَقُول الله ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لَك الْخَيل وَالْإِبِل وأذرك ترأس وتربع فَيَقُول بلَى أى رب فَيَقُول أفظننت إِنَّك ملاقى فَيَقُول لَا فَيُقَال إنى أنساك كَمَا نسيتنى ثمَّ يلقى الثانى فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك ثمَّ يلقى الثَّالِث فَيَقُول لَهُ مثل ذَلِك فَيَقُول آمَنت بك وبكتابك وبرسولك وَصليت وَصمت وتصدقت ويثنى بِخَير مَا اسْتَطَاعَ فَيَقُول أَلا نبعث شاهدنا عَلَيْك فيفكر فى نَفسه من الذى يشْهد على فيختم على فِيهِ وَيُقَال لفخذه انطقى فَتَنْطِق فَخذه وفمه وعظامه بِعَمَلِهِ مَا كَانَ وَذَلِكَ ليعذر من نَفسه وَذَلِكَ الْمُنَافِق وَذَلِكَ الذى يسْخط عَلَيْهِ
وَأخرج ابْن جرير وَابْن أَبى حَاتِم من حَدِيث أَبى مُوسَى نَحوه
قَالَ تَعَالَى قل أذلك خير نزلا أم شَجَرَة الزقوم إِنَّا جعلناها فتْنَة للظالمين إِنَّهَا شَجَرَة تخرج فى أصل الْجَحِيم طلعها كَأَنَّهُ رُءُوس الشَّيَاطِين فَإِنَّهُم لآكلون مِنْهَا فمالئون مِنْهَا الْبُطُون ثمَّ إِن لَهُم عَلَيْهَا لشوبا من حميم ثمَّ إِن مرجعهم لإلى الْجَحِيم
قَالَ الواحدى الزقوم شىء مر كريه يكره أهل النَّار على تنَاوله فهم
[ ٨٥ ]
يتزقمونه فهى على هَذَا مُشْتَقَّة من التزقم وَهُوَ البلع على جهد لكراهتها ونتنها قَالَ قطرب إِنَّهَا شَجَرَة مرّة كريهة الرَّائِحَة تكون بتهامة من أَخبث الشّجر وَقَالَ غَيره بل هُوَ كل نَبَات قَاتل وَقيل شَجَرَة مَسْمُومَة مَتى مست جَسَد أحد تورم فَمَاتَ جعلهَا الله محنة لَهُم لكَوْنهم يُعَذبُونَ بهَا وَالْمرَاد الظَّالِمين هُنَا الْكفَّار أَو أهل المعاصى الْمُوجبَة للنار وَهَذِه الشَّجَرَة تنْبت فى قَعْر النَّار وأسفلها وَأَغْصَانهَا ترفع إِلَى دركاتها
وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ لَو أَن قَطْرَة من زقوم جَهَنَّم أنزلت إِلَى الأَرْض لأفسدت على النَّاس مَعَايشهمْ وتمرها وَمَا تحمله فى تفاهى قبحه وَهُوَ لَهُ وشناعة منظره مثل رُءُوس الشَّيَاطِين قَالَ الزّجاج وَالْفراء الشَّيَاطِين حيات هائلة لَهَا رُءُوس وأطراف وهى من أقبح الْحَيَّات وأخبثها وأخفها جسما وَقيل هُوَ شجر خشن منتن مر مُنكر الصُّورَة يُسمى ثَمَرَة وءوس الشَّيَاطِين والشوب الْخَلْط والمزج وَالْحَمِيم المَاء الْحَار وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى وَسقوا مَاء حميما فَقطع أمعاءهم وَقيل أَن الزقوم الْحَمِيم نزل يقدم اليهم قبل دُخُولهَا أعاذنا الله تَعَالَى وإخواننا الْمُؤمنِينَ من هَذَا الطَّعَام وَالشرَاب
وَقَالَ تَعَالَى فليذوقوه حميم وغساق تقدم تَفْسِير الْحَمِيم مرَارًا والغساق مَا سَالَ من جُلُود أهل النَّار من الْقَيْح وَمن الصديد والغسقان الأنصباب وَقيل هُوَ مَا قتل برده وَقيل هُوَ الزَّمْهَرِير وَقيل الْمَتْن وَقيل هُوَ عين فى جَهَنَّم يسيل مِنْهُ كل ذوب حَيَّة وعقرب وَقَالَ قَتَادَة هُوَ مَا يسيل من فروج النِّسَاء الزوانى وَمن نَتن لُحُوم الْكَفَرَة وجلودهم
وَقَالَ القرظى هُوَ عصارة أهل النَّار وَقَالَ السدى هُوَ الذى يسيل من دموع أهل النَّار يسقونه مَعَ الْحَمِيم وَكَذَا قَالَ ابْن زيد وَقَالَ مُجَاهِد وَمُقَاتِل
[ ٨٦ ]
هُوَ الثَّلج الْبَارِد الذى انْتهى برده وَتَفْسِير الغساق بالبارد أنسب بِمَا تَقْتَضِيه لُغَة الْعَرَب وأنسب أَيْضا بِمُقَابلَة الْحَمِيم
وَأخرج أَحْمد والترمذى وَابْن جرير وَابْن أَبى حَاتِم وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه والبيهقى فى الْبَعْث عَن أَبى سعيد ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو أَن دلوا من غساق يهرق فى الدُّنْيَا لأنتن أهل الدُّنْيَا قَالَ الترمذى لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث رشدين بن سعد قلت وَرشْدِين هَذَا فِيهِ مقَال مَعْرُوف وَآخر من شكله أَزوَاج أى وَعَذَاب آخر أَو مذوق آخر أَو نوع آخر من شكل ذَلِك الْعَذَاب أَو المذوق أَو النَّوْع الأول والشكل الْمثل أَو مذوقات أخر وأنواع أخر من شكل ذَلِك المذوق أَو النَّوْع الْمُتَقَدّم وَمعنى ازواج أَجنَاس وأنواع وَأَشْبَاه ونظائر قَالَ الْمُفَسِّرُونَ هُوَ الزَّمْهَرِير
هَذَا فَوْج مقتحم مَعكُمْ أى الِاتِّبَاع داخلون مَعكُمْ إِلَى النَّار بِشدَّة والاقتحام الالقاء فى الشىء بِشدَّة فانهم يضْربُونَ بمقامع من حَدِيد حَتَّى يقتحموها بِأَنْفسِهِم خوفًا من تِلْكَ المقامع وَقيل الاقتحام ركُوب الشدَّة وَالدُّخُول فِيهَا
وفى الْمُخْتَار قحم فى الْأَمر رمى بِنَفسِهِ فِيهِ من غير رويه لَا مرْحَبًا بهم أى لَا اتسعت مَنَازِلهمْ فى النَّار والرحب السعَة وَالْمعْنَى لَا كَرَامَة لَهُم وَهَذَا إِخْبَار من الله تَعَالَى بِانْقِطَاع الْمَوَدَّة بَين الْكفَّار وَأَن الْمَوَدَّة الَّتِى كَانَت بَينهم تصير عَدَاوَة انهم صالوا النَّار أى كَمَا صليناها قَالُوا بل أَنْتُم لَا مرْحَبًا بكم أى قَالَ الِاتِّبَاع عِنْد سَماع مَا قَالَه الرؤساء والقادة بل أَنْتُم أَحَق بِمَا قُلْتُمْ لنا ثمَّ عللوا ذَلِك بقَوْلهمْ أَنْتُم قدمتموه لنا أى الْعَذَاب أَو الصلى وأوقعتمونا فِيهِ ودعوتمونا إِلَيْهِ بِمَا كُنْتُم تَقولُونَ لنا من أَن الْحق مَا أَنْتُم عَلَيْهِ وَأَن الْأَنْبِيَاء غير صَادِقين فِيمَا جَاءُوا بِهِ فبئس الْقَرار أى بئس الْمقر جَهَنَّم لنا وَلكم قَالُوا رَبنَا من قدم لنا هَذَا فزده عذَابا ضعفا فى النَّار وَقَالُوا مَا لنا لَا نرى
[ ٨٧ ]
رجَالًا كُنَّا نعدهم من الأشرار أى الأراذل الَّذين لَا خير لَهُم وَلَا جدوى اتخذناهم سخريا فى الدُّنْيَا فأخطأنا أم زاغت عَنْهُم الْأَبْصَار فَلم نعلم مكانهم إِن ذَلِك أى مَا تقدم من حِكَايَة حَالهم لحق وَاقع ثَابت فى الدَّار الْآخِرَة لَا يتَخَلَّف الْبَتَّةَ تخاصم أهل النَّار
وَقَالَ تَعَالَى لَهُم من فَوْقهم ظلل من النَّار وَمن تَحْتهم ظلل أى أطباق من النَّار وفراش ومهاد وسرادفات وَقطع كبار من النَّار تتلهب عَلَيْهِم وَإِطْلَاق الظلل عَلَيْهَا تهكم وَإِلَّا فهى محرقة والظلة تقى من الْحر وَقَالَ تَعَالَى وَلَو أَن للَّذين ظلمُوا مَا فى الأَرْض جَمِيعًا وَمثله مَعَه لَا فتدوا بِهِ من سوء الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة وبدا لَهُم من الله مالم يَكُونُوا يحتسبون وبدا لَهُم سيئات مَا كسبوا وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون وفى هَذَا وَعِيد لَهُم عَظِيم وتهديد بَالغ غَايَة لَا غَايَة وَرَاءَهَا قَالَ سُفْيَان الثورى ويل لأهل الرِّيَاء ويل لأهل الرِّيَاء ويل لأهل الرِّيَاء هَذِه آياتهم وقصتهم
وَقَالَ تَعَالَى وَترى الَّذين كذبُوا على الله وُجُوههم مسودة أى لما أحَاط بهم من الْعَذَاب وَلما شهدوه من غضب الله ونقمته
وَقَالَ تَعَالَى حَتَّى إِذا جاءوها فتحت أَبْوَابهَا أى أَبْوَاب النَّار ليدخلوها وهى سَبْعَة أَبْوَاب وَكَانَت قبل ذَلِك مغلقة وَقَالَ لَهُم خزنتها ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى وَلَكِن حقت كلمة الْعَذَاب على الْكَافرين قيل أى لَهُم ادخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا فبئس مثوى المتكبرين جَهَنَّم وَاللَّام فِيهِ للْجِنْس
وَقَالَ تَعَالَى النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا أى صباحا وَمَسَاء وعرضهم عَلَيْهَا إحراقهم بهَا
[ ٨٨ ]
عَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ معقدة بِالْغَدَاةِ والعشى إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن اهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا وَزَاد ابْن مرْدَوَيْه ثمَّ قَرَأَ ﴿النَّار﴾ الْآيَة
وَاحْتج بعض أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على اثبات عَذَاب الْقَبْر أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهُ بمنه وَكَرمه وَقَالَ القرظى إِن أَرْوَاحهم فى جَوف طير سود تَغْدُو على جَهَنَّم وَتَروح كل يَوْم مرَّتَيْنِ فَذَلِك عرضهَا
وَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَن هَذَا الْعرض هُوَ البرزخ
وَقَالَ تَعَالَى قَالَ الَّذين فى النَّار أى من الْأُمَم الْكَافِرَة مستكبرهم وضعيفهم جَمِيعًا ﴿لخزنة جَهَنَّم﴾ وهم القائمون بتعذيب أهل النَّار وَإِنَّمَا لم يقل لخزنتها لِأَن فى ذكر جَهَنَّم تهويلا وتفظيعا أَو لبَيَان محلهم فِيهَا فَإِن جَهَنَّم هى أبعد النَّار قعرا وفيهَا أَعْتَى الْكفَّار وأطغاهم فَلَعَلَّ الْمَلَائِكَة الموكلين بِعَذَاب أُولَئِكَ أجوب دَعْوَة لزِيَادَة قربهم من الله فَلهَذَا تعمدهم أهل النَّار لطلب الدعْوَة مِنْهُم ادعوا ربكُم يُخَفف عَنَّا يَوْمًا من الْعَذَاب قَالُوا أَو لم تَكُ تَأْتيكُمْ رسلكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بلَى قَالُوا فَادعوا وَمَا دُعَاء الْكَافرين إِلَّا فى ضلال أى فى ضيَاع وَبطلَان وخسارة وتبار وانعدام وَفِيه إقناط لَهُم عَن الْإِجَابَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف يعلمُونَ إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس فينسلخ كل شىء عَلَيْهِم من جلد وَلحم وعرق حَتَّى يصير فى عقبه حَتَّى إِن لَحْمه قدر طوله وَطوله سِتُّونَ ذِرَاعا ثمَّ يكسى جلدا آخر ﴿ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾
[ ٨٩ ]
عَن ابْن عَمْرو قَالَ تلى رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة فَقَالَ لَو أَن رصاصة مثل هَذِه وَأَشَارَ إِلَى جمجمة أرْسلت من السَّمَاء إِلَى الأَرْض وهى مسيرَة خَمْسمِائَة سنة لبلغت الأَرْض قبل اللَّيْل وَلَو أَنَّهَا ارسلت من رَأس السلسلة لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْل وَالنَّهَار قبل أَن يبلغ أَصْلهَا أَو قَالَ قعرها أخرجه أَحْمد والترمذى وَحسنه وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَابْن مرْدَوَيْه والبيهقى فى الْبَعْث والنشور
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يحْشر أَعدَاء الله إِلَى النَّار فهم يُوزعُونَ﴾ أى يحبس أَوَّلهمْ على آخِرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا حَتَّى إِذا مَا جاءوها شهد عَلَيْهِم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بِمَا كَانُوا يعْملُونَ فى الدُّنْيَا من المعاصى وفى كَيْفيَّة هَذِه الشَّهَادَة ثَلَاثَة أَقْوَال
أَولهَا إِن الله يخلق للفهم وَالْقُدْرَة والنطق فِيهَا فَتشهد كَمَا يشْهد الرجل على مَا يعرفهُ
ثَانِيهَا أَنه تَعَالَى يخلق فِي تِلْكَ الْأَعْضَاء الْأَصْوَات والحروف الدَّالَّة على تِلْكَ الْمعَانى
ثَالِثهَا أَن يظْهر فى تِلْكَ الْأَعْضَاء أَحْوَال تدل على صُدُور تِلْكَ الْأَعْمَال من ذَلِك الْإِنْسَان وَتلك الأمارات تسمى شَهَادَات ﴿وَقَالُوا لجلودهم لم شهدتم علينا قَالُوا أنطقنا الله الَّذِي أنطق كل شَيْء وَهُوَ خَلقكُم أول مرّة وَإِلَيْهِ ترجعون وَمَا كُنْتُم تستترون أَن يشْهد عَلَيْكُم سمعكم وَلَا أبصاركم وَلَا جلودكم وَلَكِن ظننتم أَن الله لَا يعلم كثيرا مِمَّا تَعْمَلُونَ وذلكم ظنكم الَّذِي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فَإِن يصبروا فَالنَّار مثوى لَهُم وَإِن يستعتبوا فَمَا هم من المعتبين﴾ أى إِن يطلبوا الرِّضَا لم يَقع الرِّضَا عَنْهُم بل لَا بُد لَهُم النَّار وَتَمام الْكَلَام على هَذِه الْآيَة فى تفسيرنا فتح الْبَيَان
[ ٩٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وفى يَده كِتَابَانِ فَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكتابان قُلْنَا لَا إِلَّا أَن تخبرنا يَا رَسُول الله قَالَ للذى فى يَده الْيُمْنَى هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجل على آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم
ثمَّ قَالَ للذى فى شِمَاله هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل النَّار وَأَسْمَاء آبَائِهِم وقبائلهم ثمَّ أجل آخِرهم فَلَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم أبدا فَقَالَ أَصْحَابه فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله إِن كَانَ أَمر قد فرغ مِنْهُ فَقَالَ سددوا وقاربوا فَإِن صَاحب الْجنَّة يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل الْجنَّة وَإِن عمل أى عمل وَإِن صَاحب النَّار يخْتم لَهُ بِعَمَل أهل النَّار وَإِن عمل أى عمل قَالَ رَسُول الله ﷺ بيدَيْهِ فنبذهما ثمَّ قَالَ فرغ ربكُم من الْعباد فريق فى الْجنَّة وفريق فى السعير
أخرجه الترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَأحمد والنسائى وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن مرْدَوَيْه وروى بن جرير طرفا مِنْهُ مَوْقُوفا على ابْن عَمْرو قَالَ هَذَا الْمَوْقُوف أشبه بِالصَّوَابِ قَالَ الشوكانى بل الْمَرْفُوع أشبه بِهِ فقد رَفعه الثِّقَة وَرَفعه زِيَادَة ثَابِتَة من وَجه صَحِيح ويقوى الرّفْع مَا أخرجه بن مرْدَوَيْه عَن الْبَراء قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ وفى يَده كتاب ينظر فِيهِ قَالُوا انْظُرُوا إِلَيْهِ كَيفَ وَهُوَ أمى لَا يقْرَأ قَالَ فَعلمه رَسُول الله ﷺ فَقَالَ هَذَا كتاب من رب الْعَالمين بأسماء أهل الْجنَّة وَأَسْمَاء قبائلهم لَا يُزَاد فيهم وَلَا ينقص مِنْهُم وَقَالَ ﴿فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير﴾ فرغ ربكُم من أَعمال الْعباد انْتهى
قلت وَأَيْضًا لَا يُقَال مثل هَذَا من قبل الرأى
[ ٩١ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي عَذَاب جَهَنَّم خَالدُونَ لَا يفتر عَنْهُم وهم فِيهِ مبلسون﴾ أى آيسون من النجا وَقيل ساكتون سكُوت يأس قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَادَوْا يَا مَالك ليَقْضِ علينا رَبك﴾ أى بِالْمَوْتِ قَالَ انكم مَا كثون أى مقيمون فى الْعَذَاب هَانَتْ وَالله دعوتهم على مَالك وَرب مَالك قَالَ الخازن سكت عَن إجابتهم أَرْبَعِينَ سنة انْتهى وَالسّنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا وَالْيَوْم كألف سنة مِمَّا تَعدونَ قَالَه القرطبى وَقيل ثَمَانِينَ سنة وَقيل مائَة سنة وَقَالَ ابْن عَبَّاس يمْكث عَنْهُم ألف سنة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن شَجَرَة الزقوم طَعَام الأثيم كَالْمهْلِ يغلي فِي الْبُطُون كغلي الْحَمِيم خذوه فاعتلوه إِلَى سَوَاء الْجَحِيم ثمَّ صبوا فَوق رَأسه من عَذَاب الْحَمِيم ذُقْ إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْكَرِيم﴾ تقدم تَفْسِير مثل هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويل لكل أفاك أثيم﴾ الاثم أى لكل كَذَّاب كثير مرتكب لما يُوجِبهُ وويل وَاد فى جَهَنَّم أَو كلمة عَذَاب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَذهَبْتُم طَيِّبَاتكُمْ فِي حَيَاتكُم الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بهَا فاليوم تُجْزونَ عَذَاب الْهون بِمَا كُنْتُم تستكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تفسقون﴾ عرض الشَّخْص على النَّار أَشد فى اهانته من عرض النَّار عَلَيْهِ إِذْ عرضه عَلَيْهَا يُفِيد أَنه كالحطب الْمَخْلُوق للاحتراق وَقيل فى الْكَلَام قلب أَن تعرض النَّار عَلَيْهِم وَمعنى يعرض يعذب والهون مَا فِيهِ ذل وخزى وَمَا أخوف هَذِه الْآيَة فى شَأْن المترفين المتكبرين عَن عبَادَة الله الخارجين عَن طَاعَته بِفعل السَّيِّئَات والمعاصى والمستمتعين باللذات الفانية من المناكح والملابس والمراكب والمساكن النفيسة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَوْم يعرض الَّذين كفرُوا على النَّار أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾
[ ٩٢ ]
قَالُوا بلَى وربنا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون وَالْإِشَارَة بِهَذَا إِلَى مَا هُوَ مشَاهد لَهُم يَوْم عرضهمْ على النَّار وفى الِاكْتِفَاء بِمُجَرَّد الْإِشَارَة من التهويل من الْمشَار إِلَيْهِ والتفخيم لشأنه مَالا يخفى كَأَنَّهُ امْر لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَسقوا مَاء حميما فَقطع أمعاءهم﴾ أى مصارينهم فَخرجت من أدبارهم لفرط حرارته وَقَالَ تَعَالَى ﴿الظانين بِاللَّه ظن السوء عَلَيْهِم دَائِرَة السوء وَغَضب الله عَلَيْهِم ولعنهم وَأعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ وَهَذَا إِخْبَار عَن وُقُوع السوء بهم على ظنهم أَن كلمة الْكفْر تعلو كلمة الْإِسْلَام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألقيا فِي جَهَنَّم كل كفار عنيد مناع للخير مُعْتَد مريب الَّذِي جعل مَعَ الله إِلَهًا آخر فألقياه فِي الْعَذَاب الشَّديد قَالَ قرينه رَبنَا مَا أطغيته وَلَكِن كَانَ فِي ضلال بعيد قَالَ لَا تختصموا لدي وَقد قدمت إِلَيْكُم بالوعيد مَا يُبدل القَوْل لدي وَمَا أَنا بظلام للعبيد﴾ الْخطاب للسائق والشهيد أَو للملكين من خَزَنَة النَّار أَو الْوَاحِد على تَنْزِيل تَثْنِيَة الْفَاعِل منزلَة تَثْنِيَة الْفِعْل وتكريره وَالْمعْنَى كفار للنعم مُجَانب للايمان معاد لأَهله وَلَا يبْذل خيرا وَلَا يُؤدى زَكَاة مَفْرُوضَة أَو كل حق وَجب عَلَيْهِ فى مَاله ظَالِم لَا يقر بتوحيد الله شَاك فِي الْحق وفيهَا نهى عَن الاختصام فى مَوَاقِف الْحساب وَنفى الظُّلم عَن الله تَعَالَى على الْعباد وَلَا مَفْهُوم لقَوْله ظلام
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم نقُول لِجَهَنَّم هَل امْتَلَأت وَتقول هَل من مزِيد﴾ جعله الزمخشرى وَمن تبعه من بَاب الْمجَاز وَهُوَ مَرْدُود لما ورد تَحَاجَّتْ النَّار وَالْجنَّة واشتكت إِلَى رَبهَا قَالَ النسفى هَذَا على تَحْقِيق القَوْل من جَهَنَّم
وَعَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تزَال جَهَنَّم
[ ٩٣ ]
تلقى فِيهَا وَتقول هَل من مزِيد حَتَّى يضع رب الْعِزَّة فِيهَا قدمه فينزوى بَعْضهَا إِلَى بعض وَتقول قطّ قطّ وَعزَّتك وكرمك وَلَا يزَال فى الْجنَّة فضل حَتَّى ينشىء الله لَهَا خلقا آخر فيسكنهم فى فضول الْجنَّة أخرجه الشَّيْخَانِ وَهَذَا لفظ مُسلم وَأَخْرَجَا من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة نَحوه وَفِيه فَأَما النَّار فَلَا تمتلىء حَتَّى يضع الله عَلَيْهَا وَرجله وَيَقُول لَهَا قطّ قظ وفى الْبَاب أَحَادِيث وَمذهب جُمْهُور السّلف الْإِيمَان بالقدم وَالرجل من غير تَأْوِيل وَلَا تَعْطِيل وَلَا تكييف وَلَا تَحْرِيف وَلَا تَمْثِيل وإمرارها على ظَاهرهَا وَهَذَا هُوَ الْحق الذى لَا محيد عَنهُ
قَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم هم على النَّار يفتنون﴾ أى يحرقون ويعذبون فِيهَا وأصل الْفِتْنَة إذابة الْجَوْهَر ليظْهر غشه ثمَّ اسْتعْمل فى التعذيب والاحراق وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر﴾ أى فى ذهَاب عَن الْحق وَبعد عَنهُ وفى نَار تسعر عَلَيْهِم وسقر علم لِجَهَنَّم غير منصرف ومسها مقاساة حرهَا وَشدَّة عَذَابهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعرف المجرمون بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذ بالنواصي والأقدام﴾ الْمَعْنى أَنَّهَا تجْعَل الاقدام مَضْمُومَة إِلَى النواصى وتلقيهم الْمَلَائِكَة فى النَّار قَالَ الضَّحَّاك يجمع بَين ناصيته وَقدمه فى سلسلة من وَرَاء ظَهره وَقيل تسحبهم الْمَلَائِكَة تَارَة إِلَى النَّار بِأخذ النواصى وَتارَة تجرهم على الْوُجُوه وَتارَة بِأخذ أَقْدَامهم وَتارَة تجرهم على رُؤْسهمْ قَالَ ابْن عَبَّاس تَأْخُذ الزَّبَانِيَة بناصيته وقدميه وَيجمع فيكسر كَمَا يكسر الْحَطب فى التَّنور
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يطوفون بَينهَا﴾ أى بَين جَهَنَّم فتحرقهم ﴿وَبَين حميم آن﴾ أى فَيُصِيب وُجُوههم فيحرقون والآن الذى قد انْتهى حره وَبلغ غَايَته وَقيل هُوَ وَاد من أَوديَة جَهَنَّم يجمع فِيهِ صديد أهل النَّار فيغمسون فِيهِ بأغلالهم حَتَّى تنخلع
[ ٩٤ ]
أوصالهم قَالَ قَتَادَة يطوفون أى يَتَرَدَّدُونَ ويسعون مرّة فى الْحَمِيم وَمرَّة فى الْحَمِيم وَمرَّة بَين الْجَحِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَأَصْحَاب الشمَال فى سموم مَا أَصْحَاب الشمَال وحميم وظل من يحموم وَلَا بَارِد وَلَا كريم إِنَّهُم كَانُوا قبل ذَلِك مترفين السمُوم حر النَّار وَتقدم تَفْسِير الْحَمِيم مرَارًا واليحموم الشَّديد السوَاد وَالْمعْنَى أَنهم يفزعون إِلَى الظل فيجدونه ظلا من دُخان جَهَنَّم شَدِيد السوَاد قَالَ الضَّحَّاك النَّار سَوْدَاء وَأَهْلهَا سود كل مَا فِيهَا أسود قَالَ ابْن عَبَّاس يحموم دُخان أسود وفى لفظ دُخان جَهَنَّم وَقيل وَاد فى جَهَنَّم وَقيل اسْم من أسمائها وَالْأول أظهر
والنعتان لقَوْله ظلّ لَا ليحموم وَهَذَا الظل أشجى لحلوقهم وَأَشد لتحسرهم وفى الْأُمُور الثَّلَاثَة إِشَارَة إِلَى كَونهم فى الْعَذَاب دَائِما وفيهَا ذمّ الترفه لِأَنَّهُ مَنعهم من الانزجار وشغلهم عَن الِاعْتِبَار
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ إِنَّكُم أَيهَا الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون مِنْهَا الْبُطُون فشاربون عَلَيْهِ من الْحَمِيم فشاربون شرب الهيم هَذَا نزلهم يَوْم الدّين﴾ وَتقدم تَفْسِير هَذِه الْآيَة والهيم الْإِبِل العطاش الَّتِى لَا تروى لداء يُصِيبهَا
وفى الصِّحَاح الهيام أَشد الْعَطش والنزل الرزق والغذاء وفى هَذَا تهكم بهم لِأَن النزل هُوَ مَا يعد للاضياف تكرمة لَهُم وَمثل هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأما إِن كَانَ من المكذبين الضَّالّين فَنزل من حميم وتصلية جحيم إِن هَذَا لَهو حق الْيَقِين﴾ أى مَحْضَة وخالصة وَالْمعْنَى وَاضح
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجنَّة﴾ أى فى الْفضل والرتبة ﴿أَصْحَاب الْجنَّة هم الفائزون﴾ أى الظافرون بِكُل مَطْلُوب الناجون من كل مَكْرُوه وَهَذَا تَنْبِيه للنَّاس وإيذان بِأَنَّهُم لفرط غفلتهم وَقلة فكرهم
[ ٩٥ ]
فى الْعَاقِبَة وتهالكهم فى إِيثَار العاجلة وَاتِّبَاع الشَّهَوَات كَأَنَّهُمْ لَا يعْرفُونَ الْفرق بَين الْجنَّة وَالنَّار والبون الْعَظِيم بَين أصحابهما وَأَن الْفَوْز الْعَظِيم مَعَ أَصْحَاب الْجنَّة وَالْعَذَاب الدَّائِم الْأَلِيم مَعَ أَصْحَاب النَّار فَمن حَقهم أَن يعملوا ذَلِك وينبهوا عَلَيْهِ
وَقَالَ تَعَالَى إِذا ألقوا فِيهَا سمعُوا لَهَا شهيقا وهى تَفُور تكَاد تميز من الغيظ كلما ألْقى فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم يأتكم نَذِير قَالُوا بلَى قد جَاءَنَا نَذِير فكذبنا وَقُلْنَا مَا نزل الله من شىء إِن أَنْتُم إِلَّا فى ضلال كَبِير وَقَالُوا لَو كُنَّا نسْمع أَو نعقل مَا كُنَّا فى أَصْحَاب السعير فَاعْتَرفُوا بذنبهم فسحقا لأَصْحَاب السعير
الْمَعْنى إِذا طرحوا طرح الْحَطب فى النَّار سمعُوا لَهَا صَوتا مبكرا كصوت الْحمير عِنْد أول نهيقها وهى تغلى غليان الْمرجل بِمَا فِيهِ تكَاد تتقطع من الغيظ على الْكفَّار وَكلما ألْقى فى جَهَنَّم جمَاعَة مِنْهُم سَأَلَهُمْ مَلَائِكَة النَّار عَمَّا ذكر فى الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى خذوه فغلوه ثمَّ الْجَحِيم صلوه ثمَّ فى سلسلة ذرعها سَبْعُونَ ذِرَاعا فاسلكوه إِنَّه كَانَ لَا يُؤمن بِاللَّه الْعَظِيم وَلَا يحض على طَعَام الْمِسْكِين فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْم هَهُنَا حميم وَلَا طَعَام إِلَّا من غسلين لَا يَأْكُلهُ إِلَّا الخاطئون قَالَ الْمُفَسِّرُونَ السلسلة حلق منتظمة كل حَلقَة مِنْهَا فى حَلقَة وَالله أعلم بأى ذِرَاع هى وَقيل بِذِرَاع الْملك قَالَ نوف الشامى كل ذِرَاع سَبْعُونَ باعا كل بَاعَ أبعد مَا بَيْنك وَبَين مَكَّة وَكَانَ نوف فى رحب الْكُوفَة قَالَ مقَاتل لَو أَن حَلقَة مِنْهَا وضعت على ذرْوَة جبل لذاب كَمَا يذوب الرصاص وَقَالَ ابْن جريج لَا يعرف قدرهَا إِلَّا الله وَهَذَا الْعدَد حَقِيقَة أَو مُبَالغَة قَالَ سُفْيَان بلغنَا أَنَّهَا تدخل فى دبره حَتَّى تخرج من فِيهِ
وَقَالَ سُوَيْد بن أَبى نجيح بلغنى أَن جَمِيع أهل النَّار فى تِلْكَ السلسلة والغسلين
[ ٩٦ ]
صديد أهل النَّار وَمَا ينغسل من أبدانهم من الْقَيْح والصديد وَقَالَ أهل اللُّغَة هُوَ مَا يجْرِي من الْجراح إِذا مَا غسلت وَقَالَ الضَّحَّاك وَالربيع بن أنس هُوَ شجر يَأْكُلهُ أهل النَّار وَقَالَ قَتَادَة هُوَ شَرّ الطَّعَام وَقَالَ ابْن زيد لَا يعلم مَا هُوَ وَلَا مَا الزقوم إِلَّا الله تَعَالَى
وَقَالَ ابْن عَبَّاس الغسلين الدَّم وَالْمَاء والصديد الَّذِي يسيل من لحومهم وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن ص قَالَ لَو أَن دلوا من غسلين يهراق فِي الدُّنْيَا لأنتن أهل الدُّنْيَا اخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ وَعَن ابْن عَبَّاس أَيْضا الغسلين اسْم طَعَام من أَطْعِمَة أهل النَّار
والتوفيق بَين مَا هُنَا وَبَين قَوْله إِلَّا من ضَرِيع وَقَوله الزقوم وَقَوله مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار أَنه يجوز أَن يكونه طعامهم جَمِيع ذَلِك أَو أَن الْعَذَاب أَنْوَاع المعذبونطبقات فَمنهمْ أكله الغسلين وَمِنْهُم أَكلَة الضريع وَمِنْهُم أَكلَة الزقومومنهم أَكلَة النَّار لكل مِنْهُم جُزْء مقسوم
وَقَالَ تَعَالَى يود المجرم لَو يفتدي من عَذَاب يَوْم إِذْ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته الَّتِى تؤيه وَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا ثمَّ ينجيه كلا إِنَّهَا لظي نزاعة للشوي تَدْعُو من أدبر وَتَوَلَّى وَجمع فأوعى لظي علم جَهَنَّم وَهُوَ التلهب وَقيل هِيَ الدركة الثَّانِيَة من طباق جَهَنَّم والشوى الْأَطْرَاف وجلدة الرَّأْس وَمَكَارِم الْوَجْه وَحسنه
قَالَ قَتَادَة تبرى اللَّحْم وَالْجَلد عَن الْعظم حَتَّى لَا تتْرك فِيهِ شَيْئا وَقَالَ الْكسَائي هِيَ المفاصل وَقَالَ أَبُو صَالح هِيَ أَطْرَاف الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ وقالابن عَبَّاس تنْزع أم الرَّأْس وَفِي هَذَا ذمّ لمن أدبر عَن الْحق وَأعْرض عَنهُ وَجمع المَال فأوعاه وكثره وَلم يُنْفِقهُ فِي سَبِيل الْخَيْر وَلم يؤد زَكَاته
[ ٩٧ ]
وَقَالَ تَعَالَى ان لدينا انكالا وَجَحِيمًا وَطَعَامًا ذَا غُصَّة وَعَذَابًا أَلِيمًا جمع نكل وَهُوَ الْقَيْد وَقيل الغل من الْحَدِيد وَالْأول أعرف فى اللُّغَة قَالَ مقَاتل هى أَنْوَاع الْعَذَاب الشَّديد وَطَعَام لَا يسوغ فى الْحلق بل ينشب فِيهِ فَلَا ينزل وَلَا يخرج قيل هُوَ الزقوم وَقيل الضريع وَقيل شوك العوسج والغصة الشنجى فى الْحلق
وَقَالَ تَعَالَى سأصليه سقر وَمَا أَدْرَاك مَا سقر لَا تبقى وَلَا تذر لواحة للبشر عَلَيْهَا تِسْعَة عشر وَمَا جعلنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة وَمَا جعلنَا عدتهمْ إِلَّا فتْنَة للَّذين كفرُوا السقر النَّار أَو من أسمائها أَو دركة مِنْهَا لَا تبقى لَهُم لَحْمًا وَلَا تذر لَهُم عظما أَو لَا تبقى من فِيهَا حَيا وَلَا تذره مَيتا تظهر لَهُم وتلوح حَتَّى يروها عيَانًا كَقَوْلِه وبرزت الْجَحِيم لمن يرى وَقيل لواحة مُغيرَة لَهُم ومسودة وَهَذَا أرجح من الأول وَإِلَيْهِ ذهب جُمْهُور الْمُفَسّرين وَقيل معطشة
وَقَالَ ابْن عَبَّاس تلوح الْجلد فتحرقه وَتغَير لَونه فَيصير أسود من اللَّيْل وَعنهُ محوقة وَالْمرَاد بالبشر إِمَّا جلدَة الْإِنْسَان الظَّاهِرَة كَمَا قَالَه الْأَكْثَر أَو المُرَاد بِهِ أهل النَّار من الْإِنْس كَمَا قَالَ الْأَخْفَش وعَلى النَّار تِسْعَة عشر من الْمَلَائِكَة خزنتها أَو من أَصْنَاف الْمَلَائِكَة أَو من صفوفهم وَقيل تِسْعَة عشر نَقِيبًا مَعَ كل نقيب جمَاعَة من الْمَلَائِكَة وَالْأول أولى
قَالَ الرازى وَتَخْصِيص هَذَا الْعدَد لحكمة اخْتصَّ الله بهَا
وَقَالَ تَعَالَى مَا سلككم فى سقر قَالُوا لم نك من الْمُصَلِّين وَلم نك نطعم الْمِسْكِين وَكُنَّا نَخُوض مَعَ الخائضين وَكُنَّا نكذب بِيَوْم الدّين حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين وَالصَّحِيح أَن هَذِه الْآيَة فى الْكفَّار قَالَه سُلَيْمَان الْجمل
[ ٩٨ ]
وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا اعتدنا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيرا تقدم تَفْسِير هَذِه الامور الثَّلَاثَة وَعَن يعلى بن مُنَبّه وهى أمة وَأَبوهُ أُميَّة رفع الحَدِيث إِلَى رَسُول الله ﷺ ينشىء الله سَحَابَة لأهل النَّار سَوْدَاء مظْلمَة فَيُقَال يَا أهل النَّار أى شىء تطلبون فَيذكرُونَ بهَا سَحَابَة الدُّنْيَا فَيَقُولُونَ رَبنَا الشَّرَاب فتمطرهم أغلالا يزِيد فى أغلالهم وسلاسل فى سلاسلهم وجمرا تلهب عَلَيْهِم رَوَاهُ الطبرانى فى الْأَوْسَط قَالَ فى مجمع الزَّوَائِد وَفِيه وَمن فِيهِ ضعف قَلِيل وَمن لم أعرفهُ
وَقَالَ تَعَالَى انْطَلقُوا إِلَى ظلّ ذى ثَلَاث شعب لَا ظَلِيل وَلَا يغنى من من اللهب إِنَّهَا ترمى بشرر كالقصر كَأَنَّهُ جمالة صفر ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين هَذَا يَوْم لَا ينطقون وَلَا يُؤذن لَهُم فيعتذرون أى يَقُول لَهُم خَزَنَة جَهَنَّم انْطَلقُوا إِلَى ظلّ من دُخان جَهَنَّم قد سَطَعَ ثمَّ افترق ثَلَاث فرق يكونُونَ فِيهِ حَتَّى يفرغ من الْحساب وَهَذَا شَأْن الدُّخان الْعَظِيم إِذا ارْتَفع تشعب شعبًا وَقيل المُرَاد بالظل هُنَا السرادق وَهُوَ لِسَان من النَّار تحيط بهم وَهُوَ الظل من يحموم وَقيل إِن الشّعب الثَّلَاث هى الضريع والزقوم والغسلين لِأَنَّهَا أَوْصَاف النَّار وكل شررة مِنْهَا كالقصر فى عظمها ثمَّ شبه الشرر بِاعْتِبَار لَونه بالجمال أَو الْجبَال
قَالَ ابْن مَسْعُود لَيست كالشجر وَالْجِبَال وَلكنهَا مثل الْمَدَائِن والحصون
وَقَالَ تَعَالَى إِن جَهَنَّم كَانَت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فِيهَا أحقابا لَا يذوقون فِيهَا بردا وَلَا شرابًا إِلَّا حميما وغساقا جَزَاء وفَاقا أى جَهَنَّم مَوضِع رصد يرصد فِيهِ خَزَنَة النَّار الْكفَّار ليعذبوهم فِيهَا أَو هى فى نَفسهَا متطلعة لما يأتى إِلَيْهَا من الْكفَّار والأحقاب الدهور جمع حقب قَالَ الواحدى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ إِنَّه بضع وَثَمَانُونَ سنة السّنة ثلثمِائة وَسِتُّونَ يَوْمًا
[ ٩٩ ]
الْيَوْم ألف سنة من أَيَّام الدُّنْيَا وروى مَرْفُوعا من حَدِيث أَبى هُرَيْرَة عِنْد الطبرانى وَغَيره وَسَنَده ضَعِيف قَالَه السيوطى وفى الْبَاب أَحَادِيث ذَكرنَاهَا فى فتح الْبَيَان
وَالْمَقْصُود بِالْآيَةِ التَّأْبِيد لَا التَّأْبِيد قَالَ الْحسن وَالله مَا هى إِلَّا أَنه إِذا مضى حقب دخل آخر كَذَلِك إِلَى الْأَبَد
وَقَالَ تَعَالَى فَأَما من طَغى وآثر الْحَيَاة الدُّنْيَا فَإِن الْجَحِيم هى المأوى أى أَنَّهَا منزله الذى ينزله لَا غَيرهَا
وَقَالَ تَعَالَى وَأما من أُوتى كِتَابه وَرَاء ظَهره فَسَوف يَدْعُو ثبورا وَيصلى سعيرا أى يُنَادى هَلَاكه وَيدخل النَّار ويقاسى حرهَا وشدتها
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تصلى نَارا حامية﴾ أى متناهية فى الْحر ﴿تسقى من عين آنِية﴾ الَّتِى انْتهى حرهَا ﴿لَيْسَ لَهُم طَعَام إِلَّا من ضَرِيع﴾ وَهُوَ نوع من الشوك لَا ترعاه دَابَّة لخبثه يُقَال لَهُ الشبرق فى لِسَان قُرَيْش إِذا كَانَ رطبا فَإِذا يبس فَهُوَ الضريع قيل وهم سم قَاتل وَقيل هُوَ الْحِجَارَة وَقيل الشَّجَرَة فى نَار جَهَنَّم وَقَالَ ابْن كيسَان هُوَ طَعَام يضرعون عِنْده ويذلون وَقيل هُوَ الزقوم وَقيل وَاد فى جَهَنَّم وَقَالَ الْحسن هُوَ بعض مَا أخفاه الله من الْعَذَاب ﴿لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع﴾ أى كِلَاهُمَا منفيان عَنهُ
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ رددناه أَسْفَل سافلين﴾ قَالَ مُجَاهِد وَأَبُو الْعَالِيَة وَالْحسن الْمَعْنى ثمَّ رددنا الْكَافِر وَذَلِكَ أَن النَّار دَرَجَات بَعْضهَا أَسْفَل من بعض فالكافر يرد إِلَى أَسْفَل الدَّرَجَات السافلة وَلَا ينافى هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ فَلَا مَانع من كَون الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ مُجْتَمعين فى ذَلِك الدَّرك الْأَسْفَل
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب وَالْمُشْرِكين فِي نَار جَهَنَّم﴾
[ ١٠٠ ]
﴿خَالِدين فِيهَا أُولَئِكَ هم شَرّ الْبَريَّة﴾ وَظَاهر الْآيَة الْعُمُوم وَقيل هم الَّذين عاصروا الرَّسُول ﷺ وَالْأول أولى وَشر أفعل تَفْضِيل وفى هَذَا تَنْبِيه على أَن وَعِيد عُلَمَاء السوء أعظم من وَعِيد كل أحد
وَقَالَ تَعَالَى وَأما من خفت مَوَازِينه فأمه هاوية وَمَا أَدْرَاك مَاهِيَّة نَار حامية اى فمسكنه جَهَنَّم وسماها أمه لِأَنَّهُ يأوى إِلَيْهَا كَمَا يأوى إِلَى أمه والهاوية من أَسمَاء جَهَنَّم وَسميت بهَا لِأَنَّهُ يهوى فِيهَا مَعَ بعد قعرها
عَن أنس ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا مَاتَ الْمُؤمن تَلَقَّتْهُ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ يسألونه مَا فعل فلَان مَا فعلت فُلَانَة فَإِذا كَانَ مَاتَ وَلم يَأْتهمْ قَالُوا خُولِفَ بِهِ إِلَى أمه الهاوية فبئست الْأُم وبئست المربية أخرجه ابْن مرْدَوَيْه وَأخرج من حَدِيث أَبى أَيُّوب الانصارى نَحوه أَيْضا وَابْن الْمُبَارك من حَدِيثه نَحوه أَيْضا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ وهى الْمُشَاهدَة والمعاينة قيل هُوَ إِخْبَار عَن دوَام بقائهم فى النَّار أى هى رُؤْيَة دائمة مُتَّصِلَة وَقيل الْمَعْنى لَو تعلمُونَ الْيَوْم علم الْيَقِين وَأَنْتُم فى الدُّنْيَا لترون الْجَحِيم بعيون قُلُوبكُمْ وَهُوَ أَن تتصوروا أَمر الْقِيَامَة وأهوالها
وَقَالَ تَعَالَى كلا لينبذن فى الحطمة وَمَا أَدْرَاك مَا الحطمة نَار الله الموقده الَّتِى تطلع على الأفئدة إِنَّهَا عَلَيْهِم موصده فى عمد ممدة وَالْمعْنَى ليطرحن فى النَّار وليلقين فِيهَا وَسميت حطمة لِأَنَّهَا تحطم كل مَا يلقى فِيهَا وتهشمه قيل هى الطَّبَقَة السَّادِسَة من طَبَقَات جَهَنَّم وَقيل الطَّبَقَة الثَّانِيَة وَقيل الرَّابِعَة وَهَذِه النَّار يخلص حرهَا إِلَى الْقُلُوب فيعلوها ويغشاها وَخص الأفئدة مَعَ كَونهَا تغش جَمِيع أبدانهم لِأَنَّهَا مَحل العقائد الزائغة أَو لكَونه إِذا وصل اليها مَاتَ صَاحبهَا أى أَنهم فى حَال من يَمُوت وهم لَا يموتون وَقيل الْمَعْنى أَنَّهَا تعلم بِمِقْدَار مَا يسْتَحقّهُ
[ ١٠١ ]
كل وَاحِد من الْعَذَاب وَذَلِكَ بأمارات عرفهَا الله بهَا وَأَنَّهَا عَلَيْهِم مطبقة مغلقة وهم موثوقون فى عمد ممددة
قَالَ مقَاتل أطبقت الْأَبْوَاب عَلَيْهِم ثمَّ شدت بِأَوْتَادٍ من حَدِيد فَلَا يفتح عَلَيْهِم بَاب وَلَا يدْخل عَلَيْهِم روح وَمعنى ممددة مُطَوَّلَة وَقيل الْعمد أغلال فى جَهَنَّم وَقيل قيود
وَقَالَ تَعَالَى ﴿تبت يدا أبي لَهب وَتب مَا أغْنى عَنهُ مَاله وَمَا كسب سيصلى نَارا ذَات لَهب﴾ أى سيصلى هُوَ بِنَفسِهِ نَارا ذَات اشتعال وتوقد وهى نَار جَهَنَّم أجارنا الله مِنْهَا برحمته وَكَرمه إِنَّه على مَا يَشَاء قدير وبالاجابة جدير
وَهَذَا آخر الْآيَات الكريمات الْوَارِدَة فى أَحْوَال جَهَنَّم وأهوال النَّار وَذكر أَصْحَابهَا وَبقيت آيَات مكررة جَاءَت فى ذَلِك وَلَا حَاجَة تدعوا إِلَى إيرادها فى هَذَا الْكتاب المبنى على الِاخْتِصَار
قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة أَبْوَاب جَهَنَّم وَمَا جَاءَ فِيهَا وفى أهوالها وأسمائها انْتهى ثمَّ ذكر ذَلِك فى أَبْوَاب مُتَفَرِّقَة وأتى بِأَحَادِيث وآثار وَردت فى هَذِه الْأَبْوَاب فها أَنا أحذو حذوه فى تَحْرِير ذَلِك مَعَ زِيَادَة على مَا ذكره وَحذف لما تكَرر وَتقدم فى بابى الْآيَات مَعَ الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِئَلَّا يطول ذيل الْكَلَام وَبِاللَّهِ الِاعْتِصَام
[ ١٠٢ ]