قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة ذكر الله تَعَالَى النَّار فى كِتَابه ووصفها وَأخْبر بهَا على لِسَان نبيه ﷺ ونعتها وأوعد بهَا الْكَافرين وَخَوف الطغاة والمتمردين والعصاة من الْمُوَحِّدين لينزجروا عَمَّا نَهَاهُم والآى فى هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة انْتهى وَهَذَا الْكثير أذكرهُ فى بَابَيْنِ فَهَذَا الْبَاب أوردت فِيهِ مَا ورد من ذكر النَّار فى الْكتاب ثمَّ أتبعه بِبَاب آخر أذكر فِيهِ مَا ورد فى صفة النَّار وَأَهْلهَا وَإِن كَانَ فى هَذَا الِاخْتِيَار وَالتَّرْتِيب بعض التكرير وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
قَالَ تَعَالَى فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ الْوقُود بِالْفَتْح الْحَطب وبالضم التوقد وَفِيه دَلِيل على عظم تِلْكَ النَّار وقوتها وفى هَذَا من التهويل مَا لَا يقادر قدره من كَون هَذِه النَّار تتقد بِالنَّاسِ وَالْحِجَارَة فأوقدت بِنَفس مَا يُرَاد إحراقه بهَا وَمعنى أعدت جعلت عدَّة لعذابهم وهيئت كَذَلِك قَالَه ابْن عَبَّاس
وَعَن أنس قَالَ تَلا رَسُول الله ﷺ هَذِه الْآيَة فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فهى سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهيبها أخرجه ابْن مرْدَوَيْه والبيهقى فى شعب الْإِيمَان وَأخرج ابْن أَبى شيبَة والترمذى وَابْن مردوية والبيهقى عَن أَبى هُرَيْرَة مَرْفُوع مثله وَأخرج أَحْمد وَمَالك والبخارى وَمُسلم عَنهُ بِلَفْظ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ نَار بنى آدم الَّتِى يوقدون جُزْء من سبعين جُزْء من نَار جَهَنَّم قَالُوا يَا رَسُول الله إِن كَانَت لكَافِيَة قَالَ فانها قد فضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْء كُلهنَّ مثل حرهَا
[ ٤٩ ]
وَعَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ ترونها حَمْرَاء مثل نَاركُمْ هَذِه الَّتِى توقدون إِنَّهَا لأشد سوادا من القار قَالَ الشَّوْكَانِيّ فِي فتح الْقَدِير وَالْآيَة دلّت على أَنَّهَا مخلوقة إِذْ الْأَخْبَار عَن إعدادها بِلَفْظ الماضى دَلِيل على وجودهَا وَإِلَّا لزم الْكَذِب فى خبر الله تَعَالَى فَمَا زعمت الْمُعْتَزلَة من أَنَّهَا تخلق يَوْم الْجَزَاء مَرْدُود وتأويلهم بِأَنَّهُ يعبر عَن الْمُسْتَقْبل بالماضى لتحقيق الْوُقُوع وَمثله كثير فى الْقُرْآن مَدْفُوع بِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر وَلَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا بِقَرِينَة وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمُتَقَدّمَة تَدْفَعهُ انْتهى
وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ أى لَا يخرجُون مِنْهَا وَلَا يموتون فِيهَا والخلد وَالْخُلُود الْبَقَاء الدَّائِم الذى لَا يَنْقَطِع وَقد يسْتَعْمل مجَازًا فِيمَا يطول دَامَ أَو لم يدم وَالْمرَاد هُنَا الأول لما تشهد لَهُ الْآيَات وَالْأَحَادِيث
وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَو قيل لأهل النَّار إِنَّكُم مَاكِثُونَ فى النَّار عدد كل حَصَاة فى الدُّنْيَا لفرحوا وَلَو قيل لأهل الْجنَّة إِنَّكُم مَاكِثُونَ عدد كل حَصَاة لحزنوا وَلَكِن جعل لَهُم الْأَبَد أخرجه الطبرانى وَابْن مرْدَوَيْه وَأَبُو نعيم وَقَالَ ابْن عَبَّاس يُخْبِرهُمْ أَن الثَّوَاب بِالْخَيرِ وَالشَّر مُقيم على أَهله أبدا لانْقِطَاع لَهُ
وَقَالَ تَعَالَى وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة أى قدرا مُقَدرا يحصرها الْعدَد ويلزمها فى الْعَادة الْقلَّة ثمَّ يرفع عَنَّا الْعَذَاب قَالَه الْيَهُود وفى سَبَب نُزُولهَا فى الحَدِيث قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذبْتُمْ بل أَنْتُم خَالدُونَ مخلدون فِيهَا قَالَ عِكْرِمَة وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن
وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تسئل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم وهى النَّار الشَّدِيدَة التأجج وكل نَار بَعْضهَا فَوق نَار وَقَالَ أَبُو مَالك الْجَحِيم مَا عظم من النَّار وَقَالَ تَعَالَى وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ اضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير أى سأرزقه فى الدُّنْيَا مُدَّة حَيَاته ثمَّ ألزه لز الْمُضْطَر إِلَى عَذَابهَا
[ ٥٠ ]
وَقَالَ تَعَالَى وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار فِيهِ دَلِيل على خُلُود الْكفَّار فى النَّار وَظَاهر هَذَا التَّرْكِيب يُفِيد الِاخْتِصَاص وَجعله الزمخشرى للتقوية لغَرَض لَهُ يرجع إِلَى المدهب والبحث فى هَذَا يطول وَعَن ثَابت بن معبد قَالَ مَا زَالَ أهل النَّار يأملون الْخُرُوج مِنْهَا حَتَّى نزلت هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فى بطونهم إِلَّا النَّار ذكر الْبُطُون دلَالَة وتأكيدا على أَن هَذَا الْأكل حَقِيقَة وَقَالَ تَعَالَى فَمَا أصبرهم على النَّار مَعْنَاهُ التَّعَجُّب وَالْمرَاد تعجب الْخلق من حَال هَؤُلَاءِ الَّذين باشروا الْأَسْبَاب الْمُوجبَة لعذاب النَّار فكأنهم بِهَذِهِ الْمُبَاشرَة للأسباب صَبَرُوا على الْعقُوبَة فى نَار جَهَنَّم
وَقَالَ تَعَالَى وقنا عَذَاب النَّار وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا قيل لَهُ اتَّقِ الله أَخَذته الْعِزَّة بالإثم فحسبه جَهَنَّم ولبئس المهاد أَي كافيه معاقبة وَجَزَاء وَسميت مهادا لِأَنَّهَا مُسْتَقر الْكفَّار وَقيل أَنَّهَا بدل لَهُم من مهاد والمهاد الْفراش قَالَ مُجَاهِد بئْسَمَا مهدوا لأَنْفُسِهِمْ وَقَالَ ابْن عَبَّاس بئس الْمنزل وَهَذَا من بَاب التهكم والاستهزاء
وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار أى إِلَى الْأَعْمَال الْمُوجبَة للنار فَكَانَ فى مصاهرة الْمُشْركين ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الْخطر الْعَظِيم مَالا يجوز للْمُؤْمِنين أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ ويدخلوا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ هم وقود النَّار أى حطب جَهَنَّم الذى تسعر بِهِ وَقَالَ تَعَالَى قل للَّذين كفرُوا ستغلبون وتحشرون إِلَى جَهَنَّم وَبئسَ المهاد الْجُمْلَة مستأنفة تهويلا وتفظيعا أى بئس مَا مهد لَهُم فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا وشفا كل شىء حرفه أَي كُنْتُم على طرفها من مَاتَ مِنْكُم وَقع فِي النَّار فَبعث الله مُحَمَّدًا ﷺ واستنقذكم بِهِ من تِلْكَ الحفرة
[ ٥١ ]
وَقَالَ تَعَالَى وَاتَّقوا النَّار الَّتِى أعدت للْكَافِرِينَ قَالَ بَعضهم إِن هَذِه الْآيَة أخوف آيَة فى الْقُرْآن حَيْثُ أوعد الله الْمُؤمنِينَ بالنَّار الْمعدة للْكَافِرِينَ إِن لم يتقوه ويجتنبوا مَحَارمه وَقَالَ تَعَالَى مأواهم النَّار وَبئسَ مثوى الظَّالِمين أى مسكنهم الَّذين يستقرون فِيهِ وَكلمَة ﴿بئس﴾ تسْتَعْمل فى جَمِيع المذام وفى جعلهَا مثواهم بعد جعلهَا مأواهم رمز إِلَى خلودهم فان المثوى مَكَان الْإِقَامَة المنبثة عَن الْمكْث والمأوى الْمَكَان الذى يأوى إِلَيْهِ الْإِنْسَان وَقدم المأوى على المثوى لِأَنَّهُ على التَّرْتِيب الوجودى يأوى ثمَّ يثوى
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومأواه جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ أى الْمرجع يعْنى الغال والمتخلف عَن رَسُول الله ﷺ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ والحريق اسْم للنار الملتهبة وَإِطْلَاق الذَّوْق على إحساس الْعَذَاب فِيهِ مُبَالغَة بليغة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن زحزح عَن النَّار وَأدْخل الْجنَّة فقد فَازَ﴾ الزحزحة التنحية والابعاد وَقَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَكَ فقنا عَذَاب النَّار رَبنَا إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته وَمَا للظالمين من أنصار﴾ قَالَ الْمفضل أخزيته أهلكته وَقيل فضحته وأبعدته قَالَ سعيد بن الْمسيب هَذِه الْآيَة خَاصَّة بِمن لَا يخرج مِنْهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا﴾ المُرَاد بأكلها مَا يكون سَببا للنار تَعْبِير بالمسبب عَن السَّبَب قيل بطونهم أوعية النَّار وَهَذَا على الْحَقِيقَة كَمَا تقدم
وَقيل بالمجاز وَالْأول أولى وَقَالَ تَعَالَى سيصلون سعيرا أى بأكلهم أَمْوَال الْيَتَامَى وَالصَّلَا هُوَ التسخن بِقرب النَّار أَو بمباشرتها والسعير الْجَمْر المشتعل وَقيل النَّار الموقدة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ أى وَله بعد إِدْخَاله النَّار
[ ٥٢ ]
عَذَاب ذُو إهانة لَا يعرف كنهه وَلَا دَلِيل فى الْآيَة للمعتزلة على أَن العصاة والفساق من أهل الْإِيمَان يخلدُونَ فى النَّار قَالَ تَعَالَى ﴿فَسَوف نصليه نَارا﴾ أى عَظِيمَة يَحْتَرِق فِيهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكفى بجهنم سعيرا﴾ أى نَارا مسعرة لمن لَا يُؤمن
وَقَالَ تَعَالَى ﴿سَوف نصليهم نَارا كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ أى آتَيْنَاهُم مَكَان كل جلد محترق جلدا آخر غير محترق فان ذَلِك أبلغ فى الْعَذَاب للشَّخْص لِأَن إحساسه لعمل النَّار فى الْجلد الذى لم يَحْتَرِق أبلغ من إحساسه لعملها فى الْجلد المحترق قَالَ معَاذ تبدل فى سَاعَة مائَة مرّة
وَعَن ابْن مَسْعُود أَن غليظ جلد الْكَافِر اثْنَان وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعا وَقَالَ الْحسن تأكلهم النَّار فى كل يَوْم سبعين ألف مرّة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا﴾ وَلَيْسَ وَرَاء هَذَا التَّشْدِيد تَشْدِيد وَلَا مثل هَذَا الْوَعيد وَعِيد
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾
وَقد اسْتدلَّ جمَاعَة من أهل الْعلم بِهَذِهِ الْآيَة على حجية الاجماع وَلَا حجَّة فى ذَلِك كَمَا قَرَّرَهُ الشوكانى فى كتبه وقررته أَنا فى فتح الْبَيَان وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ مأواهم جَهَنَّم وَلَا يَجدونَ عَنْهَا محيصا﴾ أى معدلا وَقيل ملْجأ ومخلصا ومحيدا ومهربا والمحيص اسْم مَكَان وَقيل مصدر
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ألم تكن أَرض الله وَاسِعَة فتهاجروا فِيهَا فَأُولَئِك مأواهم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا﴾ أى مَكَانا يصيرون إِلَيْهِ وَالْآيَة تدل على أَن من لم
[ ٥٣ ]
يتَمَكَّن من إِقَامَة دينه فى بلد كَمَا يجب بِأَيّ سَبَب كَانَ وَعلم أَنه يتَمَكَّن من إِقَامَته فى غَيره حقت عَلَيْهِ الْهِجْرَة وفى الْبَاب أَحَادِيث ذَكرنَاهَا فى خَاتِمَة كتاب الْعبْرَة بِمَا جَاءَ فى الْغَزْو وَالشَّهَادَة وَالْهجْرَة فَرَاجعه
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله جَامع الْمُنَافِقين والكافرين فِي جَهَنَّم جَمِيعًا﴾ أى كَمَا اجْتَمعُوا فى الدُّنْيَا على الْكفْر والاستهزاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار وَلنْ تَجِد لَهُم نَصِيرًا﴾ أى فى الطَّبَق الذى فى قَعْر جَهَنَّم والدرك الطَّبَق وَالنَّار دركات سبع بَعْضهَا فَوق بعض وَسميت طبقاتها دركات لِأَنَّهَا متداركة متتابعة
فالمنافق فى الدَّرك الْأَسْفَل مِنْهَا وهى الهاوية لغلظ كفره وَكَثْرَة غوائله وَأَعْلَى الدركات جَهَنَّم ثمَّ لظى ثمَّ الحطمة ثمَّ السعير ثمَّ سقر ثمَّ الْجَحِيم ثمَّ الهاوية وسيأتى تَفْصِيل لذَلِك وَقد يُسمى جَمِيعهَا باسم الطَّبَقَة الْعليا أعاذنا الله مِنْهَا وَقيل الدَّرك بَيت مقفل عَلَيْهِم تتوقد فِيهِ النَّار من فَوْقهم وَمن تَحْتهم
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَافِق أَشد عذَابا من الْكَافِر لِأَنَّهُ أَمن السَّيْف فى الدُّنْيَا فَاسْتحقَّ الدَّرك الْأَسْفَل فى الْآخِرَة تعديلا وَلِأَنَّهُ مثله فى الْكفْر وَضم إِلَى كفره الِاسْتِهْزَاء بِالْإِسْلَامِ وَأَهله قَالَ ابْن مَسْعُود الدَّرك الْأَسْفَل توابيت من حَدِيد مقفلة عَلَيْهِم وفى لفظ مُبْهمَة عَلَيْهِم أى مقلقة لَا يهتدى لمَكَان فتحهَا وَعَن أَبى هُرَيْرَة نَحوه
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين كفرُوا وظلموا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم طَرِيقا إِلَّا طَرِيق جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ وَالْمعْنَى يدخلهم جَهَنَّم لكَوْنهم اقترفوا مَا يُوجب لَهُم ذَلِك بِسوء اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الْوَاضِح وعاندوا الْبَين
[ ٥٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا وكذبوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أى ملابسوها وَالْجُمْلَة مستأنفة أَتَى بهَا اسمية دَالَّة على الثُّبُوت والاستقرار وَهَذِه الْآيَة نَص قَاطع فى أَن الخلود لَيْسَ إِلَّا للْكفَّار لِأَن المصاحبة تقتضى الْمُلَازمَة
وَقَالَ تَعَالَى إِن اريد أَن تبوء بإثمى وإثمك فَتكون من أَصْحَاب النَّار وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمين أى من الملازمين لَهَا قَالَ تَعَالَى ﴿يُرِيدُونَ أَن يخرجُوا من النَّار وَمَا هم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أى دَائِم ثَابت لَا يَزُول عَنْهُم وَلَا ينْتَقل أبدا
وَقد تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيث تواترا لَا يخفى على من لَهُ أدنى إِلْمَام بِعلم الرِّوَايَة بِأَن عصاة الْمُوَحِّدين يخرجُون من النَّار فَمن أنكر هَذَا فَلَيْسَ بِأَهْل المناظرة لِأَنَّهُ أنكر مَا هُوَ من ضروريات الشَّرِيعَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه من يُشْرك بِاللَّه فقد حرم الله عَلَيْهِ الْجنَّة ومأواه النَّار﴾ أى مصيره إِلَيْهَا فى الْآخِرَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ أى حبسوا عَلَيْهَا وَقيل ادخلوها وَقيل بقربها معانين لَهَا وَالتَّقْدِير لرأيت منْظرًا هائلا وَحَالا فظيعا وأمرا عجيبا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين أبسلوا بِمَا كسبوا لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يكفرون﴾ وَالْحَمِيم المَاء الْحَار الْبَالِغ نِهَايَة الْحَرَارَة وَمثل قَوْله تَعَالَى يصب من فَوق رُؤْسهمْ الْحَمِيم وَهُوَ هُنَا شراب يشربونه فَيقطع أمعاءهم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْكُم أَجْمَعِينَ﴾ وفى هَذَا من التهديد مَالا يقادر قدره وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم من جَهَنَّم مهاد وَمن فَوْقهم غواش﴾ جمع
[ ٥٥ ]
غاشية أى نيران تحيط بهم من تَحْتهم وتغشاهم من فَوْقهم كالأغطية قَالَ ابْن عَبَّاس الغواش اللحف وَبِه قَالَ القرطبى وَالضَّحَّاك والسدى
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد ذرأنا لِجَهَنَّم كثيرا من الْجِنّ وَالْإِنْس لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ أى جعلهم سُبْحَانَهُ للنار بعدله وبعمل أَهلهَا يعْملُونَ وَقد علم مَا هم عاملون قبل كَونهم كَمَا ثَبت فى الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة
وَعَن ابْن عمر ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ ان الله لما ذَرأ لِجَهَنَّم من ذَرأ كَانَ ولد الزِّنَا مِمَّن ذَرأ لِجَهَنَّم أخرجه ابْن جرير وَابْن أَبى حَاتِم وَأَبُو الشَّيْخ وَابْن النجار
وَعَن عَائِشَة قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله خلق للجنة أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فى أصلاب آبَائِهِم وَخلق للنار أَهلا خلقهمْ لَهَا وهم فى أصلاب آبَائِهِم أخرجه مُسلم
وَقَالَ تَعَالَى إِن للْكَافِرِينَ عَذَاب النَّار إِشَارَة إِلَى الْعقَاب الآجل الذى أعده الله لَهُم فى الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين كفرُوا إِلَى جَهَنَّم يحشرون﴾ أى يساقون إِلَيْهَا لَا إِلَى غَيرهَا وَالْمرَاد المستمرون على الْكفْر
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَيَجْعَلهُ﴾ أى الْفَرِيق الْخَبيث فى جَهَنَّم ﴿أُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ أى الكاملون فى الخسران
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذوقوا عَذَاب الْحَرِيق﴾ أى المحرق والذوق قد يكون محسوسا وَقد يوضع مَوضِع الِابْتِلَاء والاختبار
[ ٥٦ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وَفِي النَّار هم خَالدُونَ﴾ وفى هَذِه الْجُمْلَة الإسمية مَعَ تَقْدِيم الظّرْف الْمُتَعَلّق بالْخبر تَأْكِيد لمضمونها وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذين يكنزون الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل الله فبشرهم بِعَذَاب أَلِيم يَوْم يحمى عَلَيْهَا فِي نَار جَهَنَّم فتكوى بهَا جباههم وجنوبهم وظهورهم هَذَا مَا كنزتم لأنفسكم فَذُوقُوا مَا كُنْتُم تكنزون﴾
والبشارة بِالْعَذَابِ من بَاب التهكم بهم وَأَن النَّار توقد على مَا ذكر من الْأَعْضَاء وهى ذَات حمى وحر شَدِيد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن جَهَنَّم لمحيطة بالكافرين﴾ أى مُشْتَمِلَة عَلَيْهِم من جَمِيع الجوانب لَا يَجدونَ عَنْهَا مخلصا وَلَا يتمكنون من الْخُرُوج مِنْهَا بِحَال من الْأَحْوَال وَهَذَا وَعِيد لَهُم على مَا فعلوا وَقَالَ تَعَالَى ألم يعلم أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ذَلِك الخزي الْعَظِيم أى يخالفهما وأصل المحاددة وُقُوع هَذَا فى حد وَذَلِكَ فى حد وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم ولعنهم الله وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أى نوع آخر من الْعَذَاب غير النَّار دَائِم لَا يَنْفَكّ عَنْهُم كالزمهرير وَالْمعْنَى يصلونها مقيمين فِيهَا مقدرين الخلود وَالنَّار كافيهم جَزَاء وعقابا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى زِيَادَة على عَذَابهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ أى حرا كثيرا فى زمن كَبِير بل غير متناه أَبَد الآبدين ودهر الداهرين وَقَالَ تَعَالَى ومأواهم جَهَنَّم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ والمأوى كل مَكَان يأوى إِلَيْهِ لَيْلًا أَو نَهَارا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن أسس بُنْيَانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بُنْيَانه على شفا جرف هار فانهار بِهِ فِي نَار جَهَنَّم﴾ والشفا الشفير يُقَال اشفا على كَذَا إِذا دنا مِنْهُ وَقرب أَن يَقع فِيهِ والجرف مَا ينجرف بالسيول
[ ٥٧ ]
وهى الجوانب الَّتِى تنحفر بِالْمَاءِ وَقيل الْمَكَان الذى أكل المَاء تَحْتَهُ فَهُوَ إِلَى السُّقُوط قريب وَقيل الْبِئْر الَّتِى لم تطو وَقيل هُوَ الهوة والاجتراف اقتلاع الشَّيْء من أَصله والهار السَّاقِط
قَالَ ابْن عَبَّاس أى صيرهم نفاقهم إِلَى النَّار وَجَاء بالانهيار الذى هُوَ للجرف ترشيحا للمجاز فسبحان الله مَا أبلغ هَذَا الْكَلَام وَأقوى تراكيبه وأوقع مَعْنَاهُ وأفصح مبناه وَقَالَ تَعَالَى ﴿من بعد مَا تبين لَهُم أَنهم أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ فِيهِ النهى عَن الاسْتِغْفَار للْمُشْرِكين الَّذين هم أهل النَّار
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَهُم شراب من حميم وَعَذَاب أَلِيم﴾ وَهُوَ المَاء الْحَار الذى قد انْتهى حره وكل مسخن عِنْد الْعَرَب فَهُوَ حميم وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ الَّذين لَيْسَ لَهُم فِي الْآخِرَة إِلَّا النَّار وحبط مَا صَنَعُوا فِيهَا وباطل مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ الْآيَة خَاصَّة بالكفار وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يكفر بِهِ﴾ أى بالنبى أَو الْقُرْآن ﴿من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده﴾ أى من أهل النَّار لَا محَالة وفى جعل النَّار موعدا اشعار بِأَن فِيهَا مَالا يُحِيط بِهِ الْوَصْف من أفانين الْعَذَاب
عَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يسمع بى أحد من هَذِه الامة لَا يهودى وَلَا نصرانى وَمَات وَلم يُؤمن بالذى أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار أخرجه البغوى بِسَنَدِهِ قَالَ سعيد بن جُبَير مَا بلغنى حَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ على وَجهه إِلَّا وجدت مصداقه فى كتاب الله حَتَّى بلغنى هَذَا الحَدِيث فَقلت أَيْن هَذَا فى كتاب الله حَتَّى أتيت على هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تركنوا إِلَى الَّذين ظلمُوا فتمسكم النَّار﴾ وَفِيه أَن الظلمَة أهل النَّار ومصاحبة النَّار توجب لَا محَالة مَسهَا وَهَذَا فِيمَن ركن إِلَى من ظلم فَكيف بالظالم نَفسه وَقَالَ تَعَالَى ﴿وتمت كلمة رَبك لأملأن جَهَنَّم من﴾
[ ٥٨ ]
﴿الْجنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ﴾ أى مِمَّن يَسْتَحِقهَا من الطَّائِفَتَيْنِ
وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ الأغلال فى أَعْنَاقهم وَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ جمع غل بِالضَّمِّ وَهُوَ طوق من حَدِيد يَجْعَل فى الْعُنُق وتشد بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق أى يغلون بهَا يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُقَاد الْأَسير ذليلا بالغل وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعقبى الْكَافرين النَّار﴾ أى لَيْسَ لَهُم عَاقِبَة وَلَا مُنْتَهى إِلَّا ذَلِك
وَقَالَ تَعَالَى ﴿من وَرَائه جَهَنَّم﴾ أى من بعده وَقيل من أَمَامه ﴿ويسقى من مَاء صديد﴾ أى مَا يسيل من الْجُلُود واللحوم وَهُوَ دم مختلط بقيح يسيل من جلد الْكَافِر ولحمه وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ الْقَيْح وَالدَّم وَقَالَ القرظى هُوَ مَا يسيل من فروج الزناة يسقاه الْكَافِر ﴿يتجرعه وَلَا يكَاد يسيغه﴾ أى يبتلعه
وَعَن أَبى أُمَامَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يقرب إِلَى فِيهِ فيكرهه فَإِذا أدنى مِنْهُ شوى وَجهه وَوَقعت فَرْوَة رَأسه فاذا شربه قطع أمعاءه حَتَّى يخرج من دبره يَقُول الله ﴿وَسقوا مَاء حميما فَقطع أمعاءهم﴾ وَقَالَ ﴿وَإِن يستغيثوا يغاثوا بِمَاء كَالْمهْلِ يشوي الْوُجُوه بئس الشَّرَاب وَسَاءَتْ مرتفقا﴾ أخرجه أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَاسْتَغْرَبَهُ والنسائى وَابْن أَبى الدُّنْيَا وَأَبُو يعلى وَابْن مرْدَوَيْه والبيهقى وَأَبُو نعيم فى الْحِلْية
﴿ويأتيه الْمَوْت من كل مَكَان﴾ أى من كل جِهَة من الْجِهَات السِّت أَو من كل مَوضِع من مَوَاضِع بدنه وَالْمرَاد بِالْمَوْتِ الْبلَاء الذى يُصِيب الْكَافِر فى النَّار سَمَّاهُ موتا لِشِدَّتِهِ ﴿وَمَا هُوَ بميت﴾ حَقِيقَة فيستريح وَقيل تعلق نَفسه فى حنجرته فَلَا تخرج من فِيهِ فَيَمُوت وَلَا ترجع إِلَى مَكَانهَا من جَوْفه فيحيا وَمثله قَوْله ﴿لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ وَقيل مَا هُوَ بميت لتطاول شَدَائِد الْمَوْت
[ ٥٩ ]
بِهِ وامتداد سكراته عَلَيْهِ ﴿وَمن وَرَائه عَذَاب غليظ﴾ أى شَدِيد يسْتَقْبل فى كل وَقت عذَابا أَشد مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ قيل هُوَ الخلود فى النَّار وَقيل حبس الأنفاس
وَقَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين بدلُوا نعْمَة الله كفرا وَأَحلُّوا قَومهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها وَبئسَ الْقَرار﴾ أى قرارهم فِيهَا أَو بئس الْمقر جَهَنَّم والبوار الْهَلَاك وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا جرم أَن لَهُم النَّار وَأَنَّهُمْ مفرطون﴾ أى مقدمون إِلَى النَّار وَقيل متروكون منسيون فِيهَا وَقيل معجلون إِلَيْهَا وَقيل مسرفون فى الذُّنُوب وقرىء بِكَسْر الرَّاء أى مضيعون أَمر الله
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ حَصِيرا﴾ أى سجنا ومحبسا لَا يخلصون عَنْهَا أبدا وَقيل فراشا ومهادا وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ جعلنَا لَهُ جَهَنَّم يصلاها مذموما مَدْحُورًا﴾ أى ملوما من الْخلق مطرودا من رَحْمَة الله مبتعدا عَنْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تجْعَل مَعَ الله إِلَهًا آخر فَتلقى فِي جَهَنَّم ملوما مَدْحُورًا﴾ وَمَعْنَاهُ مَا تقدم آنِفا وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمن تبعك مِنْهُم فَإِن جَهَنَّم جزاؤكم جَزَاء موفورا﴾ أى وافرا مكملا وَقيل موفرا بإضمار تجازون
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعرضنا جَهَنَّم يَوْمئِذٍ للْكَافِرِينَ عرضا﴾ أى أظهرناها حَتَّى شاهدوها يَوْم جَمعنَا لَهُم وفى ذَلِك وَعِيد للْكفَّار عَظِيم لما يحصل لَهُم عِنْد مشاهدتها من الْفَزع والروعة وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّم للْكَافِرِينَ نزلا﴾ يتمتعون بِهِ عِنْد ورودهم والنزل المأوى والمنزل وَالْمعْنَى أَن جَهَنَّم معدة لَهُم كَمَا يعد الْمنزل للضيف
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ لنحضرنهم حول جَهَنَّم جثيا﴾ أى جاثين على ركبهمْ لما يصيبهم من هول الْموقف وروعة الْحساب وَقيل جثيا أى جماعات وَقَالَ ابْن عَبَّاس قعُودا وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن مِنْكُم إِلَّا واردها﴾ أى النَّار كَانَ على رَبك حكما مقضيا أى أمرا محتوما لَازِما قد قضى سُبْحَانَهُ أَنه
[ ٦٠ ]
لَا بُد من وُقُوعه لَا محَالة بِمُقْتَضى حكمته لَا بِإِيجَاب غَيره عَلَيْهِ
وَقد وَردت أَحَادِيث تدل على إِخْرَاج الْمُؤمن الموحد من النَّار وهى مَعْرُوفَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا﴾ أى مشَاة عطاشا قيل يساقون إِلَى النَّار باهانة واستخفاف كَأَنَّهُمْ نعم عطاش تصاق إِلَى المَاء وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّه من يَأْتِ ربه مجرما فَإِن لَهُ جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى﴾ وَهَذَا تَحْقِيق لكَون عَذَابه أبقى وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يقل مِنْهُم إِنِّي إِلَه من دونه فَذَلِك نجزيه جَهَنَّم كَذَلِك نجزي الظَّالِمين﴾ أى الواضعين الإلهية وَالْعِبَادَة فى غير موضعهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَا يكفون عَن وُجُوههم النَّار وَلَا عَن ظُهُورهمْ﴾ أى لَا يقدرُونَ على دَفعهَا من جَانب من جوانبهم وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّكُم وَمَا تَعْبدُونَ من دون الله حصب جَهَنَّم أَنْتُم لَهَا وَارِدُونَ﴾ أى وقود النَّار وحطبها وكل مَا أوقدت بِهِ النَّار أَو هيجتها فَهُوَ حصب قَالَه الجوهرى وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة كل مَا قَذَفته فى النَّار فقد حصبتها بِهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونذيقه يَوْم الْقِيَامَة عَذَاب الْحَرِيق﴾ أى عَذَاب النَّار المحرقة وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَحِيم﴾ أى النَّار الموقدة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفأنبئكم بشر من ذَلِكُم النَّار وعدها الله الَّذين كفرُوا وَبئسَ الْمصير﴾ أى الْموضع الذى يصيرون إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فِي جَهَنَّم خَالدُونَ تلفح وُجُوههم النَّار وهم فِيهَا كَالِحُونَ﴾ أى تحرقها والكالح الذى قد شمرت شفتاه وبدت أَسْنَانه
وَعَن أَبى سعيد الخدرى ﵁ عَن النَّبِي ﷺ فى الْآيَة قَالَ تَشْوِيه النَّار فتتقلص شفته الْعليا حَتَّى تبلغ وسط رَأسه وتسترخى
[ ٦١ ]
شفته السُّفْلى حَتَّى تضرب سرته أخرجه الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح غَرِيب وَقَالَ تَعَالَى ﴿ومأواهم النَّار ولبئس الْمصير﴾ أى الْمرجع
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا﴾ وهى النَّار المشتعلة وَالنَّار مَوْجُودَة الْيَوْم لهَذِهِ الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿فكبت وُجُوههم فِي النَّار﴾ أى طرحوا عَلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للْكَافِرِينَ﴾ أى مَكَان يستقرون فِيهِ والاستفهام للتقرير وَهَذِه فى مَوَاضِع الْقُرْآن
قَالَ تَعَالَى وَلَو كَانَ الشَّيْطَان يَدعُوهُم إِلَى عَذَاب السعير أى النَّار المستعرة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأما الَّذين فسقوا فمأواهم النَّار﴾ أى منزلهم الذى يصيرون إِلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لعن الْكَافرين وَأعد لَهُم سعيرا خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ أى بِلَا انْقِطَاع وَهَذَا تَأْكِيد لما اسْتُفِيدَ من ﴿خَالِدين﴾
وَقَالَ تَعَالَى وَمن يزغ مِنْهُم عَن أمرنَا نذقه عَذَاب السعير قَالَ أَكثر الْمُفَسّرين وَذَلِكَ فى الْآخِرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ونقول للَّذين ظلمُوا ذوقوا عَذَاب النَّار الَّتِي كُنْتُم بهَا تكذبون﴾ أى الدُّنْيَا وَقَالَ تَعَالَى إِنَّمَا يدعوا حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير أى من أَعلَى النَّار وَقَالَ تَعَالَى الَّذين كفرُوا لَهُم نَار جَهَنَّم لَا يقْضى عَلَيْهِم فيموتوا وَلَا يُخَفف عَنْهُم من عَذَابهَا كَذَلِك نجزى كل كفور وَقَالَ تَعَالَى ﴿هَذِه جَهَنَّم الَّتِي كُنْتُم توعدون﴾ أى بهَا فى الدُّنْيَا على أَلْسِنَة الرُّسُل وَقَالَ تَعَالَى ﴿فاهدوهم إِلَى صِرَاط الْجَحِيم﴾ أى عرفُوا هَؤُلَاءِ المحشورين طَرِيق النَّار وسوقوهم إِلَيْهَا وَقَالَ تَعَالَى فطلع فَرَآهُ فى سَوَاء الْجَحِيم أى فى وَسطهَا
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ إِن مرجعهم لإلى الْجَحِيم﴾ أى بعد شرب الْحَمِيم وَأكل
[ ٦٢ ]
الزقوم وَقَالَ تَعَالَى ﴿ابْنُوا لَهُ بنيانا فألقوه فِي الْجَحِيم﴾ أى النَّار شَدِيدَة الاتقاد وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا من هُوَ صال الْجَحِيم﴾ أى من أهل النَّار والصلى الدُّخُول وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن للطاغين لشر مآب جَهَنَّم يصلونها فبئس المهاد﴾ أى الْفراش وَقَالَ تَعَالَى ﴿لأملأن جَهَنَّم مِنْك وَمِمَّنْ تبعك مِنْهُم أَجْمَعِينَ﴾ أى من ذُرِّيَّة آدم وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل تمتّع بكفرك قَلِيلا إِنَّك من أَصْحَاب النَّار﴾ أى مصيرك إِلَيْهَا عَن قريب وَإنَّك ملازمها ومعدود من أَهلهَا على الدَّوَام وَهُوَ تَعْلِيل لقلَّة التَّمَتُّع وَفِيه من التهديد أَمر عَظِيم
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أفأنت تنقذ من فِي النَّار﴾ أى حقت عَلَيْهِ كلمة الْعَذَاب
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّم مثوى للمتكبرين﴾ يعْنى مقرا ومقاما وَالْكبر هُوَ بطر الْحق وغمط النَّاس كَمَا فى الحَدِيث الصَّحِيح
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ حقت كلمة رَبك على الَّذين كفرُوا أَنهم أَصْحَاب النَّار﴾ أى لأجل أَنهم مستحقون للنار وَقَالَ تَعَالَى ﴿وقهم عَذَاب الْجَحِيم﴾ أى احفظهم مِنْهُ وَاجعَل بَينهم وَبَينه الْوِقَايَة وَقَالَ تَعَالَى إِن المسرفين هم أَصْحَاب النَّار أى المستكثرين من معاصى الله وَقيل السفاكون للدماء بِغَيْر حَقّهَا وَقيل الجبارون المتكبرون وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي سيدخلون جَهَنَّم داخرين﴾ أى ذليلين صاغرين وَهَذَا وَعِيد شَدِيد لمن استكبر عَن دُعَاء الله وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾ أى توقد بهم النَّار أَو تملأ بهم
وَقَالَ تَعَالَى ادخُلُوا أَبْوَاب جَهَنَّم فبئس مثوى المتكبرين وَتقدم نَحْو
[ ٦٣ ]
هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿ذَلِك جَزَاء أَعدَاء الله النَّار لَهُم فِيهَا دَار الْخلد﴾ أى دَار الْإِقَامَة الَّتِى لَا انْقِطَاع لَهَا وَلَا انْتِقَال عَنْهَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿أَفَمَن يلقى فِي النَّار خير أم من يَأْتِي آمنا يَوْم الْقِيَامَة﴾ الِاسْتِفْهَام للتقرير وَالْغَرَض مِنْهُ التَّنْبِيه على أَن الْمُلْحِدِينَ فى الْآيَات يلقون فى النَّار وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن الْمُجْرمين فِي عَذَاب جَهَنَّم خَالدُونَ﴾ أى أهل الإجرام الكفرية وَقَالَ تَعَالَى أعد لَهُم جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيرا وَقد تقدم نَحْو هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سعيرا أى النَّار الشَّديد الْحر
وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَوْم يدعونَ إِلَى نَار جَهَنَّم دَعَا﴾ الدع الدّفع منف وجفوة قَالَ مقَاتل تغل أَيْديهم إِلَى أَعْنَاقهم وَتجمع نواصيهم إِلَى أَقْدَامهم ثمَّ يدْفَعُونَ إِلَى جَهَنَّم دفعا على وُجُوههم وَقَالَ تَعَالَى ﴿مأواكم النَّار هِيَ مولاكم وَبئسَ الْمصير﴾ أى أَن أولى بكم وَقيل هى ناصركم على طَريقَة قَول الشَّاعِر
تَحِيَّة بَينهم ضرب وَجمع
وَقَالَ تَعَالَى ﴿حسبهم جَهَنَّم يصلونها فبئس الْمصير﴾ تقدم نَحْو هَذِه الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب النَّار﴾ أى وَإِن نَجوا من عَذَاب الدُّنْيَا وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فِي النَّار خَالِدين فِيهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وأعتدنا لَهُم عَذَاب السعير وللذين كفرُوا برَبهمْ عَذَاب جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿أغرقوا فأدخلوا نَارا﴾ وهى نَار الْآخِرَة وَهَذَا من التَّعْبِير عَن الْمُسْتَقْبل بالماضى لتحقيق وُقُوعه وَمثله قَوْله ﴿النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَأما الْفَاسِقُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّم حطبا فِيهِ دَلِيل على أَن الجنى الْكَافِر يعذب فى النَّار
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيرا﴾
[ ٦٤ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للْكَافِرِينَ سلاسل وأغلالا وسعيرا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وبرزت الْجَحِيم لمن يرى﴾ أى أظهرت النَّار المحرقة إِظْهَارًا بَينا مكشوفا لَا يخفى على أحد قَالَ مقَاتل كشف عَنْهَا الغطاء فَينْظر إِلَيْهِ الْخلق وَالظَّاهِر أَنَّهَا تبرز لكل رَاء
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذا الْجَحِيم سعرت﴾ أى أججت وَأوقدت لأعداء الله إيقادا شَدِيدا أَو زيد فيفى إحمائها
وَقَالَ تَعَالَى إِن الْفجار لفى جحيم أى نَار ﴿يصلونها يَوْم الدّين وَمَا هم عَنْهَا بغائبين﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن كتاب الْفجار لفي سِجِّين وَمَا أَدْرَاك مَا سِجِّين كتاب مرقوم ويل يَوْمئِذٍ للمكذبين﴾ وفى تَفْسِير ﴿سِجِّين﴾ أَقْوَال ذَكرنَاهَا فى تَفْسِير فتح الْبَيَان وأولاها مَا فسر بِهِ سُبْحَانَهُ فى هَذِه الْآيَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويتجنبها الأشقى الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى﴾ أى الْعَظِيمَة الفظيعة لِأَنَّهَا أَشد حرا من غَيرهَا وهى نَار جَهَنَّم وَالنَّار الصُّغْرَى نَار الدُّنْيَا وَقَالَ الزّجاج هى السُّفْلى من أطباق النَّار وَقيل أَن فى الْآخِرَة نيرانا ودركات متفاضلة فَكَمَا أَن الْكَافِر أَشْقَى العصاة فَكَذَا يصلى أعظم النيرَان
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَجِيء يَوْمئِذٍ بجهنم يَوْمئِذٍ يتَذَكَّر الْإِنْسَان وأنى لَهُ الذكرى﴾ قَالَ الواحدى قَالَ الْمُفَسِّرُونَ جىء بهَا يَوْم الْقِيَامَة مزمومة بسبعين ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها حَتَّى تنصب عَن يسَار الْعَرْش فَلَا يبْقى ملك مقرب وَلَا نبى مُرْسل إِلَّا جىء لِرُكْبَتَيْهِ يَقُول يَا رب نفسى نفسى
قلت وَهَذَا الذى نَقله قد أَتَى مَرْفُوعا عَن رَسُول الله ﷺ كَمَا تقدم فى الْبَاب
[ ٦٥ ]
وَقَالَ تَعَالَى ﴿عَلَيْهِم نَار مؤصدة﴾ أى مطبقة مغلقة الْأَبْوَاب
وَقَالَ تَعَالَى سندعوا الزَّبَانِيَة أى الْمَلَائِكَة الْغِلَاظ الشداد وهم خَزَنَة جَهَنَّم قَالَه الزّجاج وَقَالَ قَتَادَة هم الشَّرْط فى كَلَام الْعَرَب وَقَالَ تَعَالَى ﴿نَار حامية﴾ أى قد انْتهى حرهَا وَبلغ فى الشدَّة إِلَى الْغَايَة
وَقَالَ تَعَالَى ﴿لترون الْجَحِيم ثمَّ لترونها عين الْيَقِين﴾ أى الرُّؤْيَة الَّتِى هى نفس الْيَقِين
[ ٦٦ ]