قَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن الْكَرِيم وَقَالَ تَعَالَى يدْخلهُ نَار خَالِدا فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَقَالَ تَعَالَى أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم وفى النَّار هم خَالدُونَ وَقَالَ تَعَالَى فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ﴿وَقَالَ﴾ فادخلوا نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا وَهَذِه فى غير مَوضِع من الْقُرْآن وَقَالَ لَو كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَة مَا وردوها وكل فِيهَا خَالدُونَ ﴿وَقَالَ﴾ فى جَهَنَّم خَالدُونَ تلفح وُجُوههم النَّار ﴿وَقَالَ﴾ إِن الْمُجْرمين فى عَذَاب جَهَنَّم خَالدُونَ ﴿وَقَالَ﴾ فَكَانَ عاقبتهما أَنَّهُمَا فى النَّار خَالِدين فِيهَا ﴿وَقَالَ﴾ فى نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا ﴿وَقَالَ﴾ وَمَا هم بِخَارِجِينَ من النَّار
وَعَن ابْن عمر ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يدْخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وَأهل النَّار النَّار ثمَّ يقوم مُؤذن بَينهم يَا أهل الْجنَّة لَا موت وَيَا أهل النَّار لَا موت كل خَالِد فِيمَا هُوَ فِيهِ أخرجه الشَّيْخَانِ وفى رِوَايَة عَنهُ عِنْدهمَا فَيَزْدَاد أهل الْجنَّة فَرحا إِلَى فَرَحهمْ ويزداد أهل النَّار حزنا إِلَى حزنهمْ
وَعَن أَبى سعيد الخدرى ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يجاء بِالْمَوْتِ فى صُورَة كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة فيطلعون مشفقين وَيُقَال يَا أهل النَّار فيطلعون فرحين فَيُقَال هَل تعرفُون هَذَا فَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح بَين الْجنَّة وَالنَّار وَيُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود وَلَا موت فِيهَا وَيَا أهل النَّار خُلُود وَلَا موت فِيهَا أخرجه البخارى وَمُسلم
وفى هَذَا عدَّة أَحَادِيث عَن أَبى هُرَيْرَة عَن الترمذى وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَابْن ماجة وَعَن أنس عَن أَبى يعلى وَالْبَزَّار والطبرانى وَفِيه فَيذْبَح كَمَا تذبح الشَّاة فَيَأْمَن هَؤُلَاءِ وَيَنْقَطِع رَجَاء هَؤُلَاءِ فَثَبت بِمَا ذكر من الْآيَات
[ ٤٠ ]
الصَّرِيحَة وَالْأَخْبَار الصَّحِيحَة خُلُود أهل الدَّاريْنِ خلودا مُؤَبَّدًا كل بِمَا هُوَ فِيهِ من نعيم وَعَذَاب أَلِيم
وعَلى هَذَا اجماع أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فَأَجْمعُوا على أَن عَذَاب الْكفَّار لَا يَنْقَطِع كَمَا أَن نعيم أهل الْجنَّة لاينقطع وَدَلِيل ذَلِك الْكتاب وَالسّنة وَزَعَمت الْجَهْمِية أَن الْجنَّة وَالنَّار تفنيان قَالَ هَذَا جهم بن صَفْوَان إِمَام المعطلة وَلَيْسَ لَهُ فى ذَلِك سلف قطّ لَا من الصَّحَابَة وَلَا من التَّابِعين وَلَا أحد من أَئِمَّة الدّين وَلَا قَالَ بِهِ أحد من أهل السّنة
نعم حكى بعض الْعلمَاء فى أبدية النَّار قَوْلَيْنِ وَحَاصِل ذَلِك كُله سَبْعَة أَقْوَال
أَحدهَا قَول الْخَوَارِج والمعتزلة أَن من دخل النَّار لايخرج مِنْهَا أبدا بل كل من دَخلهَا يخلد فِيهَا أَبَد الآباد
الثَّانِي قَول من يَقُول أَن أَهلهَا يُعَذبُونَ فِيهَا مُدَّة ثمَّ تنْقَلب عَلَيْهِم وَتبقى طبائعهم نارية يتلذذون بالنَّار لموافقتها لطبائعهم وَهَذَا قَول مُحي الدّين بن عربى الطائى فى كِتَابه فصوص الحكم وَغَيره من كتبه
الثَّالِث قَول من يَقُول إِن أهل النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا إِلَى وَقت مَحْدُود ثمَّ يخرجُون مِنْهَا ويخلفهم فِيهَا قوم آخَرُونَ وَهَذَا القَوْل حَكَاهُ الْيَهُود للنَّبِي ﷺ فكذبهم فِيهِ وَقد كذبهمْ الله تَعَالَى أَيْضا فى قَوْله وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت بِهِ خَطِيئَة فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ فَهَذَا القَوْل إِنَّمَا هُوَ قَول أَعدَاء الله الْيَهُود فهم شُيُوخ أربابه والقائلين بِهِ وَقد دلّ الْقُرْآن وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وأئمة الدّين على فَسَاده
الرَّابِع قَول من يَقُول يخرجُون مِنْهَا وَتبقى نَارا بِحَالِهَا لَيْسَ فِيهَا
[ ٤١ ]
أحد يعذب ذكره شيخ الاسلام ابْن تيميه رَحمَه الله تَعَالَى عَن بعض أهل الْفرق قَالَ وَالْقُرْآن وَالسّنة يردان هَذَا القَوْل
الْخَامِس قَول من يَقُول تفنى النَّار بِنَفسِهَا لِأَنَّهَا حَادِثَة كَانَت بعد أَن لم تكن وَمَا ثَبت حُدُوثه اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ وأبديته وَهَذَا قَول جهم بن صَفْوَان وشيعته وَلَا فرق عِنْده بَين الْجنَّة وَالنَّار
السَّادِس قَول من يَقُول تفنى حياتهم وحركاتهم ويصيرون جمادا لَا يتحركون وَلَا يحسون بألم وَهَذَا قَول أَبى الْهُذيْل العلاف أحد أَئِمَّة الْمُعْتَزلَة طردا لِامْتِنَاع حوادث لَا نِهَايَة لَهَا وَالْجنَّة وَالنَّار عِنْده سَوَاء فى هَذَا الحكم
السَّابِع قَول من يَقُول إِن الله تَعَالَى يفنيها لِأَنَّهُ رَبهَا وخالقها لِأَنَّهُ تَعَالَى على زعم أَرْبَاب هَذَا القَوْل جعل لَهَا أمدا تنتهى إِلَيْهِ ثمَّ تفنى وَيَزُول عَذَابهَا
قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية وَقد نقل هَذَا عَن طَائِفَة من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ولشيخ الاسلام وتلميذه الإِمَام الْمُحَقق الْحَافِظ ابْن الْقيم رحمهمَا الله تَعَالَى ركون إِلَى هَذَا القَوْل وَذكر ابْن الْقيم على تأييده بضعا وَعشْرين وَجها ثمَّ قَالَ وَمَا ذَكرْنَاهُ فى هَذِه الْمَسْأَلَة من صَوَاب فَمن الله وَهُوَ المنان بِهِ وَمَا كَانَ من خطأ فمنى وَمن الشَّيْطَان وَالله وَرَسُوله بريئان مِنْهُ وَالله عِنْده لِسَان كل قَائِل وقصده وَالله أعلم انْتهى
وَقد ألف الْعَلامَة الشَّيْخ مرعى الكرمى الحنبلى رِسَالَة سَمَّاهَا توفيق الْفَرِيقَيْنِ على خُلُود أهل الدَّاريْنِ وفى الْبَاب رِسَالَة للسَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير ورسالة للقاضى الْعَلامَة الْمُجْتَهد مُحَمَّد بن على الشوكانى حاصلهما بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وخلود أهلهما فيهمَا وَهُوَ الْحق الذى دلّت عَلَيْهِ أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْأَئِمَّة وَالْأمة وَالله اعْلَم
[ ٤٢ ]
قَالَ القرطبى أجمع عُلَمَاء أهل السّنة على أَن أهل النَّار مخلدون فِيهَا غير خَارِجين مِنْهَا كإبليس وَفرْعَوْن وهامان وَقَارُون وكل من كفر وتكبر وطغى وتجبر فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى وَقد أعدهم الله عذَابا أَلِيمًا فَقَالَ ﷿ كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب وَأجْمع أهل السّنة أَيْضا على أَنه لايبقى فِيهَا مُؤمن وَلَا يخلد فِيهَا إِلَّا كَافِر جَاحد فاعلمه
وَقد زل هُنَا بعض من ينتمى إِلَى الْعلم وَالْعُلَمَاء فَقَالَ إِنَّه يخرج من النَّار كل كَافِر ومبطل وَشَيْطَان وجاحد وَيدخل الْجنَّة وَأَنه جَائِز فى الْعقل أَن تَنْقَطِع صفة الْغَضَب فيعكس عَلَيْهِ فَيُقَال وَكَذَلِكَ جَائِز فى الْعقل أَن تَنْقَطِع صفة الرَّحْمَة فَيلْزم عَلَيْهِ أَن تدخل الْأَنْبِيَاء والأولياء النَّار يُعَذبُونَ فِيهَا وَهَذَا فَاسد مَرْدُود بوعده الْحق وَقَوله الصدْق قَالَ تَعَالَى فى حق أهل الْجنان عَطاء غير مجذوذ أى غير مَقْطُوع وَقَالَ وَمَا هم مِنْهَا بمخرجين ﴿وَقَالَ﴾ لَهُم أجر غير ممنون ﴿وَقَالَ﴾ لَهُم فِيهَا نعيم مُقيم خَالِدين فِيهَا أبدا وَقَالَ فى حق الْكَافرين لَا يدْخلُونَ الْجنَّة حَتَّى يلج الْجمل فى سم الْخياط ﴿وَقَالَ﴾ فاليوم لَا يخرجُون مِنْهَا وَلَا هم يستعتبون وَهَذَا وَاضح
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا مدْخل للعقول فِيمَن اقتطع أَصله بالاجماع والنقول وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَاله من نور انْتهى
وَلَعَلَّ القرطبى أَرَادَ بقوله زل هُنَا بعض الشَّيْخ مُحي الدّين بن عربى صَاحب الفتوحات فانه ذهب إِلَى ذَلِك وَتَبعهُ من تبعه من عُلَمَاء الشَّرِيعَة وَبِنَاء هَذَا القَوْل على أَنه ترجح فى أنظارهم سبق رَحْمَة الله على غَضَبه كَمَا ورد بذلك الحَدِيث الصَّحِيح فى البخارى وَغَيره وعَلى أَن الْخلف فى الْوَعيد جَائِز وفى الْوَعْد لَا يجوز وَلكُل وجهة هُوَ موليها وَلَكِن لَا ريب فى أَن ظَاهر النّظم القرآنى وواضح النَّص السنى خُلُود كل من أهل النَّار
[ ٤٣ ]
وَالْجنَّة فى كل من الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ الْحق المطابق بالأدلة الشَّرْعِيَّة الْمجمع عَلَيْهَا المصار إِلَيْهَا وَالله أعلم وَعلمه أتم وَأحكم
مسئلة سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام أَحْمد بن تَيْمِية ﵀ عَن حَدِيث روى عَن أنس بن مَالك عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ سَبْعَة لَا تَمُوت وَلَا تفنى وَلَا تذوق الفناء النَّار وسكانها وَالْجنَّة وسكانها واللوح والقلم والكرسى وَالْعرش فَهَل هَذَا الحَدِيث صَحِيح أم لَا
فَأجَاب ﵀ هَذَا الحَدِيث بِهَذَا اللَّفْظ لَيْسَ من كَلَام النبى ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ من كَلَام بعض الْعلمَاء وَقد اخْتلف سلف الْأمة وأئمتها وَسَائِر أهل السّنة وَالْجَمَاعَة على أَن من الْمَخْلُوقَات مَالا يعْدم وَلَا يفنى بِالْكُلِّيَّةِ كالجنة وَالنَّار وَالْعرش وَغير ذَلِك وَلم يقل بِفنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات إِلَّا طَائِفَة من أهل الْكَلَام المبتدعة كالجهم بن صَفْوَان وَمن وَافقه من الْمُعْتَزلَة وَنَحْوهم وَهَذَا قَول بَاطِل مُخَالف لكتاب الله وَسنة رَسُوله وَإِجْمَاع سلف الْأمة وأئمتها وَقد دلّت الْأَدِلَّة على بَقَاء الْجنَّة وَالنَّار وأهلهما وَبَقَاء غير ذَلِك وَقد اسْتدلَّ طوائف من أهل الْكَلَام والمتفلسفة على امْتنَاع فنَاء جَمِيع الْمَخْلُوقَات بأدلة عقلية انْتهى وَلَا يَتَّسِع الْمقَام لذكرها هُنَا
[ ٤٤ ]