من يبْقى فى جَهَنَّم بعد ذَلِك
عَن عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يشفع يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة الْأَنْبِيَاء ثمَّ الْعلمَاء ثمَّ الشُّهَدَاء أخرجه ابْن مَاجَه وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ يشفع نَبِيكُم رَابِع أَرْبَعَة جِبْرِيل ثمَّ ابراهيم ثمَّ مُوسَى أَو عِيسَى ثمَّ نَبِيكُم ﷺ ثمَّ الْمَلَائِكَة ثمَّ النَّبِيُّونَ ثمَّ الصديقيون ثمَّ الشُّهَدَاء وَيبقى قوم فى جَهَنَّم فَيُقَال لَهُم مَا سلككم فى سقر إِلَى قَوْله فَمَا تنفعهم شَفَاعَة الشافعين
قَالَ ابْن مَسْعُود فَهَؤُلَاءِ هم الَّذين يبقون فى جَهَنَّم أخرجه ابْن السماك أَبُو عَمْرو عُثْمَان بن أَحْمد وَقيل أَن هَذَا هُوَ الْمقَام الْمَحْمُود لنبينا ﷺ كَمَا أخرج أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَن عبد الله أى ابْن مَسْعُود وَلَفظه قَالَ ثمَّ يَأْذَن الله ﷿ فى الشَّفَاعَة فَيقوم روح الْقُدس جِبْرِيل ﵇ ثمَّ يقوم إِبْرَاهِيم ثمَّ يقوم مُوسَى أَو عِيسَى ﵉ ثمَّ يقوم نَبِيكُم رَابِعا فَيشفع لَا يشفع لأحد من بعده فى أَكثر مِمَّا يشفع وَهُوَ الْمقَام الْمَحْمُود الذى قَالَه الله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾
وَعَن عبد الله بن أَبى الجدعا أَنه سمع رَسُول الله ﷺ يَقُول ليدخلن الْجنَّة بشفاعة رجل من أمتى أَكثر من بنى تَمِيم قيل يَا رَسُول الله سواك قَالَ سواي قلت أَنْت سمعته من رَسُول الله قَالَ أَنا سمعته أخرجه ابْن مَاجَه والترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن صَحِيح
[ ٢٣٤ ]
غَرِيب وَلَا يعرف لِابْنِ الجدعا غير هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد وخرجه الْبَيْهَقِيّ فى دَلَائِل النُّبُوَّة
وَعَن أَبى أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يدْخل بشفاعة رجل من أمتى الْجنَّة مثل أحد الحبين ربيعَة وَمُضر قَالَ قيل يَا رَسُول الله وَمَا ربيعَة من مُضر قَالَ إِنَّمَا أَقُول مَا أَقُول قَالَ فَكَانَ المشيخة يرَوْنَ أَن ذَلِك الرجل عُثْمَان بن عَفَّان أخرجه ابْن السماك
وَعَن أَبى سعيد الخدرى أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن من أمتى من يشفع للفئام وَمِنْهُم من يشفع للقبيلة وَمِنْهُم من يشفع للْعصبَةِ وَمِنْهُم من يشفع للرجل حَتَّى يدْخلُونَ الْجنَّة أخرجه الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن وَعَن ثَابت أَنه سمع أنس بن مَالك يَقُول قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الرجل ليشفع للرجلين وَالثَّلَاثَة قَالَ القاضى عِيَاض فى الشِّفَاء عَن كَعْب إِن لكل رجل من الصَّحَابَة ﵃ شَفَاعَة
قَالَ القرطبى إِن قَالَ قَائِل كَيفَ تكون الشَّفَاعَة لمن دخل النَّار وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿إِنَّك من تدخل النَّار فقد أخزيته﴾ وَقَالَ لايشفعون إِلَّا لمن ارتضى وَقَالَ وَكم من ملك فى السَّمَوَات لَا تغنى شفاعتهم شَيْئا إِلَّا من بعد أَن يَأْذَن الله لمن يَشَاء ويرضى وَمن يرضاه الله لَا يخزيه أبدا قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَوْم لَا يخزي الله النَّبِي وَالَّذين آمنُوا مَعَه نورهم يسْعَى بَين أَيْديهم وبأيمانهم﴾ الْآيَة
قُلْنَا هَذَا مَذْهَب أهل الْوَعيد الَّذين ضلوا عَن الطَّرِيق وحادوا عَن التَّحْقِيق وَأما مَذْهَب أهل السّنة الَّذين جمعُوا بَين الْكتاب وَالسّنة فَإِن الشَّفَاعَة تَنْفَع العصاة من أهل الْملَّة حَتَّى لَا يبْقى مِنْهُم أحدا إِلَّا دخل الْجنَّة ثمَّ أجَاب عَن الْآيَات بِأَنَّهَا خَاصَّة جَاءَت فى قوم لَا يخرجُون من النَّار
[ ٢٣٥ ]
قَالَ أَبُو حَامِد الغزالى ﵀ فى الاحياء إِذا حق دُخُول النَّار على طوائف من الْمُؤمنِينَ فان الله تَعَالَى بفضله يقبل فيهم شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء وَالصديقين بل شَفَاعَة الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ وكل من لَهُ عِنْد الله تَعَالَى جاه وَحسن مُعَاملَة فان لَهُ شَفَاعَة فى أَهله وقرابته وأصدقائه ومعارفه فَكُن حَرِيصًا على أَن تكتسب لنَفسك عِنْدهم رُتْبَة للشفاعة وَذَلِكَ بِأَن لَا تستصغر مَعْصِيّة أصلا فان الله تَعَالَى خبأ غَضَبه فى مَعَاصيه فَلَعَلَّ مقت الله فِيهِ
وشواهد الشَّفَاعَة فى الْقُرْآن وَالْأَخْبَار كَثِيرَة انْتهى
ثمَّ ذكر آيَات وأخبار مِنْهَا حَدِيث اخْتِلَاف النَّاس إِلَى آدم ونوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى ثمَّ إِلَى مُحَمَّد ﷺ قَالَ فَهَذِهِ شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ والأحاد أمته من الْعلمَاء وَالصَّالِحِينَ شَفَاعَة أَيْضا
قلت وَلَكِن هَذِه الشَّفَاعَة تكون باذن من الله سُبْحَانَهُ كَمَا نطق بِهِ الْكتاب الْعَزِيز فى مَوَاضِع وَرَسُول الله ﷺ أول شَافِع وَأول مُشَفع يَوْم الْقِيَامَة اللَّهُمَّ ارزقنا شَفَاعَته يَوْم الْقِيَامَة قَالَ تَعَالَى ﴿من ذَا الَّذِي يشفع عِنْده إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا من شَفِيع إِلَّا من بعد إِذْنه﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى وهم من خَشيته مشفقون﴾ وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إِلَّا لمن أذن لَهُ
وَقَالَ فى الْمَوَاهِب اللدنية وَأما مَا يغتر بِهِ الْجُهَّال من أَنه لَا يرضى رَسُول الله ﷺ أَن يدْخل اُحْدُ من أمته النَّار فَهُوَ غرور الشَّيْطَان لَهُم ولعبه بهم فانه يرضى بِمَا يرضى بِهِ ربه ﵎ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يدْخل النَّار من يَسْتَحِقهَا من الْكفَّار والعصاة ثمَّ يحد لرَسُول الله ﷺ حدا يشفع فيهم وَرَسُول الله أعرف بِهِ وبحقه من أَن يَقُول لَا أرْضى أَن يدْخل أحدا من أمتى النَّار ويدعه فِيهَا بل ربه ﵎ يَأْذَن لَهُ فى الشَّفَاعَة فِيمَن شَاءَ الله أَن يشفع فِيهِ وَلَا يشفع فى غَيره من أذن لَهُ ويرضيه
[ ٢٣٦ ]
وَقَالَ الخازن تَحت الْآيَة الأولى هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وَالْمعْنَى لَا يشفع عِنْده أحدا إِلَّا بأَمْره وإرادته وَذَلِكَ إِن الْمُشْركين زَعَمُوا أَن الْأَصْنَام يشفعون لَهُم فَأخْبر أَنه لاشفاعة لأحد عِنْده إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ بقوله ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يُرِيد بذلك شَفَاعَة النبى ﷺ وشفاعة الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة وشفاعة الْمُؤمنِينَ بَعضهم لبَعض
وفى الْكَبِير لَا يقدر أحد على الشَّفَاعَة إِلَّا بِإِذن الله تَعَالَى فَيكون الشَّفِيع فى الْحَقِيقَة الذى يَأْذَن الله لَهُ فى تِلْكَ الشَّفَاعَة
وَقَالَ فِي الخازن أَيْضا قَالَ تَعَالَى ﴿قل لله الشَّفَاعَة جَمِيعًا﴾ أى لَا يشفع أحدا إِلَّا بِإِذْنِهِ وفى الحَدِيث فَاسْتَأْذن على ربى فَيَأْذَن لى وَقَالَ الشَّيْخ زين الدّين بن على المقرى فى مرشد الطلاب أعلم إِنَّه ﷺ لَا يشفع لجَمِيع عباد الله بل يشفع لمن أذن الله فى شَفَاعَته انْتهى
وفى تَفْسِير الحدادى لَا يشفع أحد لأحد عِنْد الله إِلَّا بأَمْره وَرضَاهُ كَمَا يشفع الْمُؤْمِنُونَ بَعضهم لبَعض بِالدُّعَاءِ كَمَا يشفع الْأَنْبِيَاء للْمُؤْمِنين
وفى الْبَاب أَخْبَار وآثار كَثْرَة واقوال لأهل الْعلم غزيرة لَا يَتَّسِع هَذَا الْمقَام لبسطها
[ ٢٣٧ ]
الخاتمة
فِيمَا يُرْجَى من رَحْمَة الله تَعَالَى ومغفرته وعفوه يَوْم الْقِيَامَة
قَالَ تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ وَيغْفر مَا دون ذَلِك لمن يَشَاء﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله إِن الله يغْفر الذُّنُوب جَمِيعًا إِنَّه هُوَ الغفور الرَّحِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِن رَبك لذُو مغْفرَة للنَّاس على ظلمهم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ يدعونَ إِلَى النَّار وَالله يَدْعُو إِلَى الْجنَّة وَالْمَغْفِرَة بِإِذْنِهِ﴾
وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين آمنُوا بِاللَّه واعتصموا بِهِ فسيدخلهم فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفضل ويهديهم إِلَيْهِ صراطا مُسْتَقِيمًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك الْغَنِيّ ذُو الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ ﴿عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى هُوَ ارْحَمْ الرَّاحِمِينَ وَهَذِه الْآيَة فى مَوَاضِع من الْقُرْآن الْكَرِيم
وَقَالَ تَعَالَى وَلَا تيئسوا من روح الله إِنَّه لَا ييئس من روح الله إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى نبىء عبادى إنى أَنا الغفور الرَّحِيم وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَرَبك الغفور ذُو الرَّحْمَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى عَن حَملَة الْعَرْش أَنهم يَقُولُونَ ﴿رَبنَا وسعت كل شَيْء رَحْمَة وعلما فَاغْفِر للَّذين تَابُوا وَاتبعُوا سَبِيلك وقهم عَذَاب الْجَحِيم رَبنَا وأدخلهم جنَّات عدن الَّتِي وعدتهم وَمن صلح من آبَائِهِم﴾
[ ٢٣٨ ]
﴿وأزواجهم وذرياتهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم وقهم السَّيِّئَات وَمن تق السَّيِّئَات يَوْمئِذٍ فقد رَحمته وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿ويعف عَن كثير﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِن رَبك وَاسع الْمَغْفِرَة﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَيَعْفُو عَن كثير﴾ وَهَذِه غير الأولى
وَمن أَسْمَائِهِ الْحسنى الرَّحْمَن الرَّحِيم وهما مشتقتان من الرَّحْمَة على طَرِيق الْمُبَالغَة والرحمن أَشد مُبَالغَة من الرَّحِيم وفى كَلَام ابْن جرير مَا يفهم حِكَايَة الِاتِّفَاق على هَذَا وَلذَلِك قَالُوا رَحْمَن الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَرَحِيم الدُّنْيَا وَقد تقررأن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى
قَالَ القرطبى وصف نَفسه الْكَرِيمَة بهما لِأَنَّهُ لما كَانَ باتصاف رب الْعَالمين ترهيب قربه بالرحمن الرَّحِيم لما تضمن من التَّرْغِيب ليجمع فى صِفَاته بَين الرهبة مِنْهُ وَالرَّغْبَة إِلَيْهِ فَيكون أعون على طَاعَته وَأَمْنَع وَقيل فَائِدَة تكريره هُنَا بعد الذّكر فى الْبَسْمَلَة أَو الْعِنَايَة بِالرَّحْمَةِ أَكثر من غَيرهَا من الْأُمُور وَإِن الْحَاجة إِلَيْهَا أَكثر فنبه ﷾ بتكرير ذكر الرَّحْمَة على كثرتها وَأَنه هُوَ الْمفضل لَهَا على خلقه ذكره الشوكانى رح فى تَفْسِيره فتح الْقَدِير
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي الْأَسْمَاء وَالصِّفَات قَالَ الحليمى فى معنى الرَّحْمَن أَنه المزيج للعلل وفى معنى الرَّحِيم أَنه المشيب على الْعَمَل فَلَا يضيع لعامل عملا وَلَا يهدر لساع سعيا وينيله بفضله رَحمته من الثَّوَاب أَضْعَاف عمله
وَقَالَ الخطابى ذهب بَعضهم إِلَى أَن الرَّحْمَن غير مُشْتَقّ من الرَّحْمَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ مشتقا مِنْهَا لاتصل بِذكر المرحوم وَلَا تنكره الْعَرَب حِين سَمِعُوهُ وَزعم بَعضهم أَنه اسْم عبرانى وَذهب الْجُمْهُور من النَّاس إِلَى أَنه مُشْتَقّ من الرَّحْمَة ينبىء عَن الْمُبَالغَة وَمَعْنَاهُ ذُو الرَّحْمَة لَا نَظِير لَهُ فِيهَا وَلذَلِك لَا يثنى
[ ٢٣٩ ]
وَلَا يجمع فالرحمن ذُو الرَّحْمَة الشاملة الَّتِى وسعت الْخلق فى ارزاقهم واسباب مَعَايشهمْ ومصالحهم وعمت الْمُؤمن وَالْكَافِر والصالح والطالح
وَأما الرَّحِيم فخاص للْمُؤْمِنين كَقَوْلِه ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ والرحيم بِمَعْنى رَاحِم وَبِنَاء فعيل أَيْضا للْمُبَالَغَة وَقَالَ ابْن عَبَّاس الرَّحْمَن هُوَ الرفيق والرحيم هُوَ العاطف على خلقه بالرزق وهما اسمان رقيقان احدهما أرق من الآخر وَقَالَ عبد الرَّحْمَن بن يحيى الرَّحْمَن خَاص فى التَّسْمِيَة عَام فى الْفِعْل والرحيم عَام فى التَّسْمِيَة خَاص فى الْفِعْل
قَالَ ابْن عَبَّاس فى قَوْله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن﴾ وَقَالَ قل ادعو الله أَو ادعوا الرَّحْمَن أيا مَا تَدْعُو فَلهُ الْأَسْمَاء الْحسنى وَقَالَ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ وَقَالَ ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ وَقَالَ فى فواتح السُّور غير التَّوْبَة بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَالَ فى فَاتِحَة الْآيَات الرَّحْمَن الرَّحِيم وَقَالَ ﴿تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾
وَبِالْجُمْلَةِ فالرحمة صفة عَظِيمَة عَامَّة من صِفَات الرَّحْمَن الرَّحِيم يظْهر أَثَرهَا على وَجه الْكَمَال إِن شَاءَ الله تَعَالَى يَوْم الدّين وتعم الصَّالِحين والطالحين من الْمُؤمنِينَ حِين يغْفر الله سبحانهوتعالى ذنُوب المذنبين وَيَعْفُو الْخَطَايَا والجرائم للخاطئين
وَمن نعم الله سُبْحَانَهُ على عباده أَن وصف نَفسه الْكَرِيمَة بِالرَّحْمَةِ الْعَامَّة وَالْمَغْفِرَة الشاملة وَوصف رَسُوله مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وشفيع المذنبين بقوله فى كِتَابه الْكَرِيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين﴾ فَوَقَعت أمته المرحومة بَين رحيمين كريمين والرحيم إِذا قدر رحم والكريم إِذا غلب غفر فالرحمة وَالْمَغْفِرَة للعصاة من الْمُوَحِّدين المتبعين للسّنة وَالْكتاب
[ ٢٤٠ ]
والمقرين على أنفسهم بالقصور عَن بُلُوغ ذرْوَة كَمَال الِامْتِثَال بإتيان صوالح الاعمال ثابتتان بأدلة الْقُرْآن ونصوص السّنة لَا سِيمَا أَنه سُبْحَانَهُ يَتُوب على التائبين وَيغْفر للمستغفرين ويفرح بتوبة عباده الْمُؤمنِينَ ويجزى الْمُحْسِنِينَ وَيُحب المتطهرين التوابين وَقد سبقت رَحمته على غَضَبه وَرضَاهُ على سخطه وعفوه على انتقامه وَهُوَ أَحَق بذلك وَأولى وَقد وَردت فى ذَلِك أَخْبَار كَثِيرَة صَحِيحَة لَا يَتَّسِع الْمقَام لبسطها لما أَنه يستدعى مؤلفا مُسْتقِلّا وَلَكِن مَالا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله فلنذكر من ذَلِك شَيْئا ندرا رَجَاء الْعَفو والغفران من الرَّحِيم الرَّحْمَن فانه على مَا يَشَاء قدير وبالاجابة جدير
وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لما قضى الله الْخلق كتب فى كتاب فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش أَن رحمتى تغلب غَضبى أخرجه الشَّيْخَانِ والترمذى وَعند البخارى ﵀ فى رِوَايَة أُخْرَى أَن رحمتى غلبت غَضبى وَعند الشَّيْخَيْنِ فى أُخْرَى سبقت غَضبى وَعنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ جعل الله الرَّحْمَة مائَة جُزْء فَأمْسك عِنْده تِسْعَة وَتسْعُونَ وَأنزل الله فى الأَرْض جُزْءا وَاحِدًا فَمن ذَلِك الْجُزْء تتراحم الْخَلَائق حَتَّى ترفع الدَّابَّة حافرها عَن وَلَدهَا خشيَة أَن تصيبه أخرجه الشَّيْخَانِ والترمذى
وَعَن سُلَيْمَان الفارسى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن لله تَعَالَى مائَة رَحْمَة فَمِنْهَا رَحْمَة يتراحم بهَا الْخلق بَينهم وتسع وَتسْعُونَ ليَوْم الْقِيَامَة أخرجه مُسلم وَله فى أُخْرَى أَن الله تَعَالَى خلق يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض مائَة رَحْمَة كل رَحْمَة طباق مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فَجعل مِنْهَا فى الأَرْض رَحْمَة فِيهَا تعطف الوالدة على وَلَدهَا والوحش وَالطير بَعْضهَا على بعض فاذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أكملها الله تَعَالَى بِهَذِهِ الرَّحْمَة
[ ٢٤١ ]
وَأخرج ابْن مَاجَه من حَدِيث أَبى سعيد الخدرى وفى بعض طرق أَبى هُرَيْرَة فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة رد هَذِه على تِلْكَ التِّسْعَة وَالتسْعين فأكملها مائَة رَحْمَة فرحم بهَا عبَادَة يَوْم الْقِيَامَة
وفى رِوَايَة أُخْرَى فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة جمعت الْوَاحِدَة إِلَى التِّسْعَة وَالتسْعين فكملن مائَة رَحْمَة حَتَّى أَن ابليس ليتطاول اليها رَجَاء أَن ينَال مِنْهَا شَيْئا
وَقَالَ ابْن مَسْعُود وَلنْ تزَال الرَّحْمَة بِالنَّاسِ حَتَّى أَن أبليس ليهتز صَدره يَوْم الْقِيَامَة مِمَّا يرى من رَحْمَة الله وشفاعة الشافعين وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ قدم على رَسُول الله ﷺ سبي فاذا أمْرَأَة من السبى تسْعَى قد تحلب ثديها إِذْ وجدت صَبيا فى السبى فَأَخَذته فالزقته بِبَطْنِهَا فأرضعته فَقَالَ ﷺ أَتَرَوْنَ هَذِه الْمَرْأَة طارحة وَلَدهَا فى النَّار قُلْنَا لَا وَالله وهى تقدر على أَن لَا تطرحه قَالَ فَالله تَعَالَى أرْحم بعباده من هَذِه بِوَلَدِهَا أخرجه الشَّيْخَانِ
وَعَن جرير بن عبد الله قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا يرحم الله من لَا يرحم النَّاس مُتَّفق عَلَيْهِ عَن ابى هُرَيْرَة قَالَ سَمِعت أَبَا الْقَاسِم الصَّادِق المصدوق ﷺ يَقُول لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقى رَوَاهُ احْمَد والترمذى
وَعَن عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن أرحموا من فى الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فى السَّمَاء رَوَاهُ أَبُو دَاوُد والترمذى
قَالَ الْحسن يَقُول يَقُول الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة جوزوا الصِّرَاط بعفوى وادخلوا الْجنَّة برحمتى واقتسموها بأعمالكم وَقَالَ ﷺ يُنَادى مُنَاد من تَحت
[ ٢٤٢ ]
الْعَرْش يَا أمة مُحَمَّد أما مَا كَانَ لى قبلكُمْ فقد وهبته لكم وَبقيت النبعات فتواهبوها فِيمَا بَيْنكُم وادخلوا الْجنَّة برحمتى
ويروى أَن أَعْرَابِيًا سمع ابْن عَبَّاس يقْرَأ ﴿وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ فَقَالَ الْأَعرَابِي أنقذهم مِنْهَا وَهُوَ يُرِيد أَن يوقعهم فِيهَا فَقَالَ ابْن عَبَّاس خذوها من غير فَقِيه وَقَالَ الصنَابحِي دخلت على عبَادَة بن الصَّامِت وَهُوَ فى الْمَوْت فَبَكَيْت فَقَالَ مهلا لم تبك فوَاللَّه مَا من حَدِيث سمعته من رَسُول الله ﷺ لكم فِيهِ خير إِلَّا حَدَّثتكُمُوهُ إِلَّا حَدِيثا وَاحِدًا وسوف أحدثكموه الْيَوْم وَقد أحيط بنفسى سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار أَو حرمه الله على النَّار أخرجه مُسلم وَالْأَخْبَار بِهَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة خرجها البخارى وَمُسلم وَغَيرهمَا من الْأَئِمَّة
وَقَالَ الأصمعى كَانَ رجل يحدث بأهوال يَوْم الْقِيَامَة وأعرابى جَالس يسمع فَقَالَ يَا هَذَا من يَلِي هَذَا منالعباد قَالَ الله تَعَالَى فَقَالَ الأعرابى إِن الْكَرِيم إِذا قد غفر وَعَن جَابر ﵁ قَالَ جَاءَ أعرابى إِلَى النبى ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله مَا الموجبتان قَالَ من مَاتَ لَا يُشْرك بِاللَّه شَيْئا دخل الْجنَّة وَمن مَاتَ يُشْرك بِهِ دخل النَّار رَوَاهُ مُسلم
وَعَن عتْبَان بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله قد حرم على النَّار من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله يبتغى بذلك وَجه الله أخرجه الشَّيْخَانِ وَعَن ابى هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفسى بِيَدِهِ لَو لم تذنبوا لذهب الله بكم وَجَاء بِقوم يذنبون فيستغفرون الله تَعَالَى فَيغْفر لَهُم رَوَاهُ مُسلم
[ ٢٤٣ ]
وَعَن ابى ايوب ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول لَوْلَا إِنَّكُم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون يغْفر لَهُم أخرجه مُسلم
وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا من رجل مُسلم يَمُوت فَيقوم على جنَازَته اربعون رجلا لَا يشركُونَ بِاللَّه شَيْئا إِلَّا شفعهم الله فِيهِ رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يَجِيء يَوْم الْقِيَامَة نَاس من الْمُسلمين بذنوب أَمْثَال الْجبَال يغْفر الله لَهُم رَوَاهُ مُسلم
وَعَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يدنى الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من ربه حَتَّى يضع عَلَيْهِ كتفه فيقرره بذنوبه فَيَقُول أتعرف ذَنْب كَذَا أتعرف ذَنْب كَذَا فَيَقُول رب أعرف قَالَ فانى قد سترتها عَلَيْك فى الدُّنْيَا وَأَنا أغفرها لَك الْيَوْم فَيعْطى صحيفَة حَسَنَاته أخرجه الشَّيْخَانِ
وَعَن أَبى مُوسَى ﵁ عَن النبى ﷺ قَالَ إِن الله تَعَالَى يبسط يَده بِاللَّيْلِ ليتوب مسىء النَّهَار ويبسط يَده بِالنَّهَارِ ليتوب مسىء اللَّيْل حَتَّى تطلع الشَّمْس من مغْرِبهَا رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يجىء يَوْم الْقِيَامَة نَا من الْمُسلمين بذنوب أَمْثَال الْجبَال يغْفر الله لَهُم رَوَاهُ مُسلم
وَعَن أَبى هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ قَالَ الله ﷿ أَنا عِنْد ظن عبدى بِي وَأَنا مَعَه حَيْثُ يذكرنى وَالله لله أفرح بتوبة عَبده من احدكم يجد ضالته بالفلاة وَمن تقرب إِلَى ذِرَاعا تقربت إِلَيْهِ باعا وَإِذا أقبل إِلَى يمشى اقبلت اليه أهرول مُتَّفق عَلَيْهِ
وَعَن جَابر ﵁ إِنَّه سمع النبى ﷺ يَقُول لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ﷿ رَوَاهُ مُسلم
[ ٢٤٤ ]
وَعَن أنس قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول قَالَ الله يَا ابْن آدم إِنَّك مَا دعوتنى ورجوتنى غفرت لَك على مَا كَانَ مِنْك وَلَا أبالى يَا ابْن آدم لَو بلغت ذنوبك عنان السَّمَاء ثمَّ استغفرتنى غفرت لَك يَا ابْن آدم إِنَّك لَو أتيتنى بقراب الأَرْض خَطَايَا ثمَّ لقيتنى لَا تشرك بى لأتيتك بقرابها مغْفرَة رَوَاهُ الترمذى وَقَالَ حَدِيث حسن
وَعَن أنس بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَرَأَ هَذِه الْآيَة ﴿هُوَ أهل التَّقْوَى وَأهل الْمَغْفِرَة﴾ قَالَ فَقَالَ الله تَعَالَى أَنا أهل أَن أتقى فَلَا يَجْعَل معى إِلَه آخر فَمن اتَّقى أَن يَجْعَل معى إِلَهًا آخر فَأَنا أهل أَن أَغفر لَهُ أخرجه ابْن مَاجَه وخرجه أَبُو عِيسَى الترمذى بِمَعْنَاهُ وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب وروى عَن عبد الله بن أَبى أوفى قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفسى بِيَدِهِ لله أرْحم بِعَبْدِهِ من الوالدة الشفيقة بِوَلَدِهَا
وَقَالَ أَبُو غَالب كنت اخْتلف إِلَى أَبى امامة بِالشَّام فَدخلت يَوْمًا على فَتى مَرِيض من جيران أَبى أُمَامَة ﵁ وَعِنْده عَم لَهُ وَهُوَ يَقُول يَا عَدو الله ألم آمُرك ألم أَنْهَك فَقَالَ الْفَتى يَا عماه لَو أَن الله تَعَالَى دفعنى إِلَى والدتى كَيفَ كَانَت صانعة بى قَالَ تدخلك الْجنَّة قَالَ الله ارْحَمْ بى من والدتى وَقبض الْفَتى فَدخلت الْقَبْر مَعَ عَمه فَلَمَّا آن سواهُ صَاح وَفرع فَقلت لَهُ مَالك فَقَالَ فسح لَهُ فى قَبره وملىء نورا
وَقَالَ هِلَال بن سعيد يُؤمر باخراج رجلَيْنِ من النَّار فَيَقُول الله تَعَالَى كَيفَ وجدتما مقيلكما فَيَقُولَانِ شَرّ مقيل فَيَقُول الله تَعَالَى ذَلِك بِمَا قدمت أيديكما وَمَا أَنا بظلام للعبيد وَيُؤمر بصرفهما إِلَى النَّار فيعدو أَحَدكُمَا فى سلاسله حَتَّى يقتحمها ويتلكأ الآخر فَيُؤْمَر بردهما ويسألهما عَن
[ ٢٤٥ ]
فعلهمَا فَيَقُول الذى عدا قد خبرت من وبال الْمعْصِيَة مالم أكن لأتعرض لسخطك ثَانِيًا وَيَقُول الذى تلكأ حسن ظن بك إنت لَا تردنى إِلَيْهَا بعد مَا أخرجتنى مِنْهَا فيأمر بهما إِلَى الْجنَّة
قَالَ القرطبى هَذَا الْخَبَر رَفعه الترمذى ابو عِيسَى بِمَعْنَاهُ
عَن أَبى هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِن رجلَيْنِ مِمَّن دخل النَّار اشْتَدَّ صياحهما فَقَالَ الرب ﵎ اخرجوهما فَلَمَّا أخرجَا قَالَ لَهما لأي شىء اشْتَدَّ صياحكما قَالَا فعلنَا ذَلِك لترحمنا قَالَ إِن رحمتى لَكمَا أَن تنطلقا فتلقيا نفسكما حَيْثُ كنتما من النَّار فينطلقان فَيلقى أَحدهمَا نَفسه فيجعلها عَلَيْهِ بردا وَسلَامًا وَيقوم الآخر فَلَا يلقى نَفسه فَيَقُول الله ﵎ مَا مَنعك أَن تلقى نَفسك كَمَا القى صَاحبك فَيَقُول رب إنى أَرْجُو أَن لَا تعيدني بَعْدَمَا أخرجتنى مِنْهَا فَيَقُول الله ﵎ لَك رجاؤك فيدخلان الْجنَّة جَمِيعًا برحمة الله تَعَالَى
قَالَ ابو عِيسَى إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ضَعِيف لِأَنَّهُ عَن رشدين بن سعد وَرشْدِين ضَعِيف عَن ابْن انْعمْ وَهُوَ الأفريقى والأفريقى ضَعِيف عِنْد اهل الحَدِيث
وَذكر أَبُو نعيم الْحَافِظ عَن إِسْحَاق بن سُوَيْد قَالَ صَحِبت مُسلم بن يسَار عَاما إِلَى مَكَّة فَلم أسمعهُ يكلم بِكَلِمَة حَتَّى بلغنَا ذَات عرق قَالَ ثمَّ حَدثنَا قَالَ بلغنى أَنه يُؤْتى بِالْعَبدِ يَوْم الْقِيَامَة وَيُوقف بَين يدى الله تَعَالَى فَيَقُول انْظُرُوا فى حَسَنَاته فَلَا يُوجد لَهُ حَسَنَة فَيَقُول انْظُرُوا فى سيئاته فيوجد لَهُ سيئات كَثِيرَة فَيذْهب بِهِ إِلَى النَّار وَهُوَ يلْتَفت فَيَقُول أى الرب تَعَالَى ردُّوهُ إِلَى لم تلْتَفت فَيَقُول أى رب لم يكن هَذَا ظنى أَو رجائى فِيك شكّ إِبْرَاهِيم فَيَقُول صدقت فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى الْجنَّة
[ ٢٤٦ ]
قَالَ القرطبى هَذَا الحَدِيث رَفعه ابْن الْمُبَارك فَقَالَ أخبرنَا رشدين بن سعد قَالَ حَدَّثَنى ابو هانىء الخولانى عَن عَمْرو بن مَالك الْجُهَنِىّ ان فضَالة بن عبيد وَعبادَة ابْن الصَّامِت ﵄ حَدَّثَاهُ ان رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة وَفرغ الله من قَضَاء الْخلق يُؤْتى برجلَيْن فَيُؤْمَر بهما إِلَى النَّار فيلتفت أَحدهمَا فَيَقُول الْجَبَّار تبَارك اسْمه وَتَعَالَى جده ردُّوهُ فيردوه فَيُقَال لَهُ لم الْتفت فَيَقُول كنت أَرْجُو أَن تدخلنى الْجنَّة فَيُؤْمَر بِهِ إِلَى الْجنَّة قَالَ فَيَقُول لقد أعطانى ربى حَتَّى لَو أطعمت أهل الْجنَّة مَا نقص ذَلِك مِمَّا عندى شَيْئا قَالَا أى فضَالة وَعبادَة فَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا ذكره يرى السرُور فى وَجهه
قَالَ القرطبى وفى هَذَا الْمَعْنى خبر الرجل الذى يرفع لَهُ شَجَرَة بعد أُخْرَى حِين يخرج من النَّار إِلَى أَن يدْخل الْجنَّة أخرجه مُسلم فى الصَّحِيح انْتهى وَقد تقدم فِيمَا سبق
وَعَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن شِئْتُم أنبأتكم بِأول مَا يَقُول الله ﷿ للْمُؤْمِنين يَوْم الْقِيَامَة وبأول مَا يَقُولُونَ قَالُوا نعم يَا رَسُول الله قَالَ إِن الله يَقُول للْمُؤْمِنين هَل أَحْبَبْتُم لقائى فَيَقُولُونَ نعم يَا رَبنَا قَالَ وَمَا حملكم على ذَلِك فَيَقُولُونَ رحمتك اى رب ورضوانك وعفوك فَيَقُول فانى قد أوجبت لكم رحمتى
وَعَن زيد بن اسْلَمْ ان رجلا كَانَ فى الْأُمَم الْمَاضِيَة يجْتَهد فى الْعِبَادَة ويشدد على نَفسه ويقنط النَّاس من رَحْمَة الله ثمَّ مَاتَ فَقَالَ أى رب مالى عنْدك قَالَ النَّار قَالَ يَا رب فاين عبادتى واجتهادى فَقيل لَهُ إِنَّك كنت تقنط النَّاس من رحمتى فى الدُّنْيَا وَأَنا اقنطك الْيَوْم من رحمتى
[ ٢٤٧ ]
وَقَالَ مقَاتل قَالَ على بن أَبى طَالب ﵁ الْفَقِيه من لم يؤيس النَّاس من رَحْمَة الله وَلم يرخص لَهُم فى معاصى الله ذكر ذَلِك كُله القرطبى فى التَّذْكِرَة لَهُ وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ وَإِن الله سيخلص رجلا من أمتى على رُءُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة فينشر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعين سجلا كل سجل مثل مد الْبَصَر
ثمَّ يَقُول أتنكر من هَذَا شَيْئا أظلمك كتبتى الحافظون فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول املك عذر فَيَقُول لَا يَا رب فَيَقُول بلَى إِن لَك عندنَا حَسَنَة وَإنَّهُ لَا ظلم عَلَيْك الْيَوْم فَتخرج بطاقة فِيهَا أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله واشهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله فَيَقُول أحضر وزنك فَيَقُول يَا رب مَا هَذِه البطاقة مَعَ هَذِه السجلات فَيَقُول انك لَا تظلم قَالَ فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة قَالَ فطاشت السجلات وثقلت البطاقة فَلَا يثقل مَعَ اسْم الله شىء رَوَاهُ الترمذى وَابْن مَاجَه
كَذَا فى مشكاة المصابيح والسجل الْكتاب الْكَبِير والبطاقة على وزن الْكِتَابَة الرقعة الصَّغِيرَة المثوطة بِالثَّوْبِ يكْتب فِيهَا وزن مَا يَجْعَل هى فِيهِ إِن كَانَ عينا فوزنه أَو عدده وَإِن كَانَ مَتَاعا فثمنه قيل سميت بِهِ لِأَنَّهَا تشد بطاقة هدب الثَّوْب كَذَا فى الْقَامُوس قَالَ الطيبى فَيكون حِينَئِذٍ الْبَاء زَائِدَة
قَالَ فى اللمعات وَكَأَنَّهُ أبقيت الْبَاء الجارة الَّتِى هى صلَة الْفِعْل وهى لُغَة أهل مصر وَلَيْسَ مادته بطق انْتهى وَهَذَا الحَدِيث يُسمى حَدِيث البطاقة
وَمَا أحسن مَا قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن اسماعيل الْأَمِير اليمانى أطاب الله ثراه وَجعل الْجنَّة مثواه
مهما تفكرت فى ذنوبى خفت على قلبى احتراقه
لكنه ينطفى لهيبى بِذكر مَا جَاءَ فى البطاقة
[ ٢٤٨ ]
ولشيخنا وبركتنا القاضى مُحَمَّد بن على الشوكانى ﵀ كتاب سَمَّاهُ الدُّرَر الفاخرة الشاملة على سَعَادَة الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَهُوَ كتاب نَافِع جدا ينبغى لأهل الْعلم وَالدّين الِاشْتِغَال بِهِ ليسعدوا بِكُل سَعَادَة ويتجافوا عَن كل مُوجب للشقاوة
هَذَا وَنحن نَسْتَغْفِر الله تَعَالَى من كل ذَنْب زلت بِهِ الْقدَم أَو طَغى بِهِ الْقَلَم فى كتَابنَا هَذَا وفى سَائِر كتبنَا وَنَسْتَغْفِرهُ من أقوالنا الَّتِى لَا توافقها أَعمالنَا وَنَسْتَغْفِرهُ من كل علم وَعمل قصدنا بِهِ وَجهه الْكَرِيم ثمَّ خالطه غَيره وَمن كل نعْمَة أنعم بهَا علينا فاستعملناها فى مَعْصِيّة وَمن كل تَصْرِيح وتعريض بِنُقْصَان نَاقص وتقصير مقصر كُنَّا متصفين بِهِ وَمن كل خطره دعتنا إِلَى تصنع وتكلف تزينا للنَّاس فى كتاب سطرناه أَو علم أفدناه أَو استفدناه
ونرجوا بعد الاسْتِغْفَار من جَمِيع ذَلِك كُله لنا أَن نكرم بالمغفرة وَالرَّحْمَة والتجاوز عَن جَمِيع السَّيِّئَات ظَاهرا أَو بَاطِنا أَولا وآخرا فان الْكَرم عميم وَالرَّحْمَة وَاسِعَة والجود على أَصْنَاف الْخَلَائق فائض وَنحن خلق من خلق الله عز الله وَلَا وَسِيلَة لنا إِلَيْهِ إِلَّا فَضله وَكَرمه
وَقد قَالَ جَابر بن عبد الله مَا زَادَت حَسَنَاته على سيئاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى يدْخل الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَمن اسْتَوَت حَسَنَاته وسيئاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى يُحَاسب حسابا يَسِيرا وَمن زَادَت سيئاته على حَسَنَاته يَوْم الْقِيَامَة فَذَلِك الذى لَا يدْخل الْجنَّة وَإِنَّمَا شَفَاعَة رَسُول الله ﷺ لمن أوبق نَفسه وأثقل ظَهره بَعْدَمَا يَأْذَن الله ﷾ لَهُ فى حق من شَاءَ
وَنَرْجُو من الله تَعَالَى أَن لَا يعاملنا بِمَا نستحقه ويتفضل علينا بِمَا هُوَ أَهله بمنه وسعة جوده وَرَحمته إِنَّه قريب مُجيب الدَّعْوَات
[ ٢٤٩ ]
وَقد قَالَ تَعَالَى وَمن يعْمل سوءا أَو يظلم نَفسه ثمَّ يسْتَغْفر الله يجد الله غَفُورًا رحِيما وَقَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ الله معذبهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين إِذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَمن يغْفر الذُّنُوب إِلَّا الله وَلم يصروا على مَا فعلوا الْآيَة والآيات فى الْبَاب كَثِيرَة مَعْلُومَة
عَن وائله بن الْأَسْقَع عَن النبى ﷺ قَالَ قَالَ الله ﵎ أَنا عِنْد ظن عبدى بى فليظن بى مَا شَاءَ أخرجه الدارمى
وَعَن جَابر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ قاربوا وسددوا وَاعْلَمُوا أَن أحدا مِنْكُم لن ينجه عمله قَالُوا يَا رَسُول الله وَلَا أَنْت قَالَ وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدنى الله برحمة مِنْهُ وفضلا رَوَاهُ الدرامى وَعِنْده عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ كل بنى آدم خطاء وَخير الْخَطَّائِينَ التوابون
وَعَن عبَادَة بن الصَّامِت أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ من أحب لِقَاء الله أحب الله لقاءه وَمن كره لِقَاء الله كره الله لقاءه الحَدِيث رَوَاهُ الدارمى وَعنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من شهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار رَوَاهُ مُسلم
وَعَن عُثْمَان ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة أخرجه مُسلم
اللَّهُمَّ إِنَّك تعلم إنى أعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وأنى أشهد أَن مُحَمَّدًا
[ ٢٥٠ ]
رَسُولك وَأَن الْجنَّة حق وَأَن النَّار حق وَقد قَالَ رَسُولك فى حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت من شهد بذلك أدخلهُ الله الْجنَّة على مَا كَانَ من الْعَمَل
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ وإنى أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك وَأَرْجُو رحمتك الَّتِى سبقت على غضبك فتب على يَا تواب واغفر لى يَا غَافِر الذَّنب وأجرنى من النَّار وَاخْتِمْ لى بِالْحُسْنَى وَزِيَادَة وارحمنى رَحْمَة فى عِبَادك الصَّالِحين فَإنَّك كَمَا قلت فى مَوَاضِع من كتابك أرْحم الرَّاحِمِينَ وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين تمّ وَالْحَمْد لله
[ ٢٥١ ]