عَن أَبى هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ والذى نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَا يسمع بى أحد من هَذِه الْأمة يهودى وَلَا نصرانى ثمَّ يَمُوت وَلم يُؤمن بِمَا أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أَصْحَاب النَّار كَذَا فى صِحَاح المصابيح قَالَ فى مجَالِس الْأَبْرَار المُرَاد بهَا أمة الدعْوَة فعلى هَذَا يدْخل فِيهِ جَمِيع أهل الْملَل الْبَاطِلَة وَتَخْصِيص الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِالذكر لِأَنَّهُمَا مَعَ كَونهمَا أهل كتاب وصاحبى شَرِيعَة إِذا كَانَا من أهل النَّار بترك الْإِيمَان بِمَا جَاءَ بِهِ النبى ﷺ فغيرهما مِمَّن لم يكن لَهُ كتاب وَلَا شَرِيعَة أولى بذلك فَكَأَنَّهُ ﷺ قَالَ اقْسمْ بِاللَّه الذى نفسى بقدرته أَن كل من يسمع بنبوتى وَلَا يُؤمن بِمَا جِئْت بِهِ من عِنْد الله تَعَالَى حَتَّى يَمُوت يكون من أهل النَّار انْتهى
وَعَن مُعَاوِيَة ﵁ قَالَ قَامَ فِينَا رَسُول الله ﷺ فَقَالَ أَلا ان من كَانَ قبلكُمْ من أهل الْكتاب افْتَرَقُوا على اثْنَتَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَأَن هَذِه الْأمة سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فى النَّار وَوَاحِدَة فى الْجنَّة وهى الْجَمَاعَة أخرجه أَبُو دَاوُد فى كتاب السّنة لَهُ وَهَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيقين أَحدهمَا من طَرِيق أَحْمد ابْن حَنْبَل وَمُحَمّد بن يحيى الذهلى وَالثَّانِي من طَرِيق عمر بن عُثْمَان عَن بَقِيَّة عَن صَفْوَان تفرد بِهِ صَفْوَان عَن أَزْهَر
قَالَ الشوكانى فى فَتَاوَاهُ أما أَحْمد بن حَنْبَل فَهُوَ الإِمَام الْجَلِيل الْحَافِظ
[ ١٩٨ ]
الذى اتّفق المؤالف والمخالف على توثيقه وروى عَنهُ أهل الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا وَهُوَ أجل قدرا من أَن يحْتَاج إِلَى تَعْدِيل وَأَرْفَع محلا من أَن يتَكَلَّم فِيهِ مُتَكَلم بل هُوَ إِمَام الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَإِمَام الْحِفْظ والاتقان
وَأما مُحَمَّد بن يحيى فَهُوَ الإِمَام الْجَلِيل الثِّقَة الثبت الْحَافِظ وَأما عمر ابْن عُثْمَان فَهُوَ القرشى مَوْلَاهُم الحمصى الثِّقَة الْمَشْهُور وفى التَّقْرِيب صَدُوق وَأما بَقِيَّة فَهُوَ أحد الْأَعْلَام قَالَ النسائى إِذا قَالَ حَدثنَا وَأخْبرنَا فَهُوَ ثِقَة وَقَالَ ابْن عدى إِذا حدث عَن أهل الشَّام فَهُوَ ثَبت وَقَالَ الجوزجانى إِذا حدث عَن الثِّقَات فَلَا بَأْس بِهِ وَهُوَ هَاهُنَا قد صرح بِالتَّحْدِيثِ وَحدث عَن شامى وَهُوَ صَفْوَان وروى عَن ثِقَة وَهُوَ أَيْضا صَفْوَان فَحصل الشَّرْط الذى ذكره هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَأما صَفْوَان فَقَالَ أَبُو حَاتِم ثِقَة وَقد أخرج لَهُ مُسلم أَيْضا وَأما أَزْهَر فَقَالَ فى التَّقْرِيب صَدُوق تكلمُوا فِيهِ للنصب وَقَالَ فى الْخُلَاصَة صَدُوق
وَإِذا عرفت هَذَا فرجال إِسْنَاد الحَدِيث كلهم ثِقَات أَئِمَّة إِلَّا وَبَقِيَّة وأزهر وقية لم ينْفَرد وأزهر تفرد وَهُوَ ضَعِيف لِأَن قَوْلهم صَدُوق من صِيغ التليين فَيكون هَذَا الحَدِيث فى الطَّرِيق الثَّانِيَة ضَعِيفا انْتهى كَلَام الشوكانى
وَعَن أَبى هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ تَفَرَّقت الْيَهُود على إِحْدَى وَسبعين فرقة الحَدِيث أخرجه أبوداود والترمذى وَقَالَ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وفى رِوَايَة عَن أَبى دَاوُد وَتَفَرَّقَتْ النَّصَارَى على إِحْدَى وَسبعين أَو اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة الحَدِيث وَأخرجه الترمذى عَن ابْن
[ ١٩٩ ]
عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن بنى إِسْرَائِيل تَفَرَّقت على اثْنَيْنِ وَسبعين مِلَّة وَسَتَفْتَرِقُ أمتى على ثَلَاث وَسبعين مِلَّة كلهَا فى النَّار إِلَّا وَاحِدَة قَالُوا من هِيَ يَا رَسُول الله قَالَ من كَانَ على مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابى أخرجه الترمذى وَقَالَ غَرِيب
وَأخرج ابْن ماجة مثل ذَلِك عَن عَوْف بن مَالك وَأنس
والْحَدِيث دَلِيل على أَن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَفِئَة كَثِيرَة من هَذِه الْأمة على اخْتِلَاف فرقهم ومللهم فى النَّار إِلَّا أَصْحَاب الحَدِيث وَأَتْبَاع الْأَصْحَاب
والْحَدِيث اسْتشْكل من جِهَتَيْنِ الاولى مَا فِيهِ من الحكم على الْأَكْثَر بِالْهَلَاكِ والكون فى النَّار وَذَلِكَ ينافى الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فى الْأمة بِأَنَّهَا مَرْحُومَة وبأنها أَكثر الْأُمَم فى الْجنَّة مِنْهَا حَدِيث عَنهُ ﷺ أمتى أمة مَرْحُومَة مغْفُور لَهَا متاب عَلَيْهَا وَغَيره مِمَّا ملئت بِهِ كتب السّنة من الْأَحَادِيث الدَّالَّة على سَعَة رَحْمَة الله وَلَو سردناها لطال الْكَلَام
وَلما كَانَ حَدِيث الإفتراق مُشكلا كَمَا ترى أجَاب بَعضهم بِأَن المُرَاد بالأمة فى هَذَا الحَدِيث أمة الدعْوَة لَا أمة الْإِجَابَة يَعْنِي الْأمة الَّتِى دَعَاهَا رَسُول الله ﷺ إِلَى الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بوحدانيته هِيَ المفترقة إِلَى تِلْكَ الْفرق وَإِن أمة الْإِجَابَة هِيَ الْفرْقَة النَّاجِية يُرِيد بهَا من آمن بِمَا جَاءَ بِهِ النبى ﷺ وَحِينَئِذٍ فَلَا إِشْكَال
قَالَ السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل الْأَمِير الْيُمْنَى وَهَذَا جَوَاب حسن لَوْلَا أَنه يبعد بِوُجُوه الأول أَن لفظ أمتى حَيْثُ جَاءَ فى كَلَامه ﷺ لَا يُرَاد بِهِ إِلَّا امة الْإِجَابَة غَالِبا كَحَدِيث أمتى أمة مَرْحُومَة لَيْسَ لَهَا عَذَاب فى الْآخِرَة وَحَدِيث إِذا وضع السَّيْف فى أمتى وَحَدِيث لَيَكُونن
[ ٢٠٠ ]
فى أمتى قوم يسْتَحلُّونَ الْحَرِير وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى
فالأمة فى كَلَامه ﷺ حَيْثُ أطلقت لَا تحمل إِلَّا على مَا تعورف مِنْهَا وعهد بلفظها وَلَا تحمل على خِلَافه وَإِن جَاءَ نَادرا
والثانى قَوْله سَتَفْتَرِقُ بِالسِّين الدَّالَّة على أَن ذَلِك أَمر مُسْتَقْبل
الثَّالِث قَوْله ليَأْتِيَن على أمتى فَإِنَّهُ إِخْبَار بِمَا سَيكون وَيحدث وَلَو جَعَلْنَاهُ إِخْبَارًا بافتراق الْمُشْركين فى الْمُسْتَقْبل لما كَانَ فَائِدَة إِذْ هم على هَلَاك اجْتَمعُوا أَو افْتَرَقُوا
الرَّابِع قرانهم بطائفتين الْيَهُود وَالنَّصَارَى فان المفترقين مِنْهُمَا هم طَائِفَة الْإِجَابَة لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا تفرق الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَتْهُم الْبَيِّنَة﴾ وَقَوله تَعَالَى وَمَا اخْتلف فِيهِ إِلَّا الَّذين أوتوه من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم وَقَوله تَعَالَى وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم
الْخَامِس مَا أخرجه الترمذى عَن ابى وائد الليثى أَن رَسُول الله ﷺ لما خرج إِلَى غَزْوَة خَيْبَر مر بشجرة للْمُشْرِكين كَانُوا يعلقون عَلَيْهَا أسلحتهم يُقَال لَهَا ذَات أنواط فَقَالُوا يَا رَسُول الله اجْعَل لنا ذَات أنواط كَمَا لَهُم ذَات أنواط فَقَالَ رَسُول الله ﷺ سُبْحَانَ الله إِلَى أَن قَالَ والذى نفسى بِيَدِهِ لتركبن سنَن من قبلكُمْ وَهَذَا خطاب لمن خاطبه من أمة الْإِجَابَة قطعا
فالذى يظْهر لى فى ذَلِك أجوبة أَحدهَا أَنه يجوز أَن هَذِه الْفرق الْمَحْكُوم عَلَيْهَا بِالْهَلَاكِ قَليلَة الْعدَد وَلَا يكون مجموعها أَكثر من الْفرْقَة النَّاجِية فَلَا يتم اكثرية الْهَلَاك وَلَا يرد الْإِشْكَال
[ ٢٠١ ]
فان قيل يمْنَع عَن هَذَا أَنه خلاف الظَّاهِر من ذكر كَثْرَة عدد فرق الْهَلَاك فان الظَّاهِر أَنهم قدرا قلت لَيْسَ ذكر الْعدَد فى الحَدِيث لبَيَان كَثْرَة الهالكين وأنما هُوَ لبَيَان اتساع طرق الضلال وسعتها ووحدة طَرِيق الْحق نَظِير ذَلِك مَا ذكره أَئِمَّة التَّفْسِير فى قَوْله تَعَالَى وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله أَنه جمع السبل المنهى عَن ابتاعها لبَيَان تشعب طرق الضلال وَكَثْرَتهَا وسعتها وأفرد سَبِيل الْهدى وَالْحق لوحدته وَعدم تعدده
ثَانِيهَا أَن الحكم على تِلْكَ الْفرق بِالْهَلَاكِ والكون فى النَّار حكم عَلَيْهَا بِاعْتِبَار ظَاهر أَعمالهَا وتفريطها كَأَنَّهُ قيل كلهَا هالكة بِاعْتِبَار أَعمالهَا مَحْكُوم عَلَيْهَا بِالْهَلَاكِ وَكَونهَا فى النَّار وَلَا ينافى ذَلِك كَونهَا مَرْحُومَة بِاعْتِبَار آخر من رَحْمَة الله لَهَا وشفاعة صالحها لطالحها والفرقة النَّاجِية إِن كَانَت مفتقرة إِلَى رَحْمَة الله تَعَالَى لَكِنَّهَا باعتار ظَاهر أَعمالهَا يحكم لَهَا بالنجاة لأتيانها بِمَا أمرت بِهِ وانتهائها عَمَّا نهيت عَنهُ
ثَالِثهَا أَن ذَلِك الحكم مَشْرُوط بِعَدَمِ عقابها فى الدُّنْيَا وَقد دلّ على عقابها فى الدُّنْيَا الْفِتَن والزلازل وَالْقَتْل والبلايا أخرجه الطبرانى فى الْكَبِير والبيهقى فى شعب الْإِيمَان عَن ابى مُوسَى الأشعرى فَيكون حَدِيث الإفتراق مُقَيّدا بِهَذَا الحَدِيث فى قَوْله هالكة مالم تعاقب فى الدُّنْيَا لَكِنَّهَا تعاقب فى الدُّنْيَا فَلَيْسَتْ بهالكة
رَابِعهَا أَن الأشكال فى حَدِيث الِافْتِرَاق إِنَّمَا نَشأ من جعل الْقَضِيَّة الحاكمة بِهِ وبالهلاك دائمة بِمَعْنى أَن الِافْتِرَاق فى الْأمة وهلاك من يهْلك مِنْهَا دَائِم مُسْتَمر من زمن تكَلمه ﷺ بِهَذِهِ الْجُمْلَة إِلَى قيام السَّاعَة وَبِذَلِك يتَحَقَّق أكثرية الهالكين وأقلية الناجين فَيتم الْإِشْكَال وَالْحق أَن الْقَضِيَّة حينية يَعْنِي أَن
[ ٢٠٢ ]
ثُبُوت الِافْتِرَاق للْأمة والهلاك لمن يهْلك ثَابت فى حِين من الأحيان وزمن من الْأَزْمَان وَيدل على أَن المُرَاد ذَلِك وُجُوه
الأول سَتَفْتَرِقُ الدَّالَّة على الِاسْتِقْبَال لتحلية الْمُضَارع بِالسِّين
الثانى قَوْله ليَأْتِيَن فانه إِخْبَار بِأَمْر مُسْتَقْبل
الثَّالِث قَوْله مَا أَنا عَلَيْهِ وأصحابى فان أَصْحَابه من مُسَمّى أمته بِلَا خلاف وَقد حكم عَلَيْهِم بِأَنَّهُم أمة وَاحِدَة وَأَنَّهُمْ الناجون وَأَن من كَانَ على مَا هم عَلَيْهِ هم الناجون فَلَو جعلنَا الْقَضِيَّة دَائِما حِين التَّكَلُّم للَزِمَ أَن تكون تِلْكَ الْفرق كائنة فى أَصْحَابه ﷺ ورضى عَنْهُم وهلم جرا وَقد صرح الحَدِيث نَفسه بِخِلَاف ذَلِك
فَإِذا ظهر لَك أَن الحكم بالافتراق والهلاك إِنَّمَا هُوَ فى حِين من الأحيان وزمن من الْأَزْمَان لم يلْزم أكثرية الهالكين وأقلية الناجين وَهَذَا الْجَواب بِحَمْد الله تَعَالَى والذى قبله جيد وَلَا غُبَار عَلَيْهِ
فان قلت يجوز أَن يكون زمن الِافْتِرَاق أطول من زمن خِلَافه فَيكون أَهله أَكثر فَيكون الهالكون أَكثر من الناجين قلت أَحَادِيث سَعَة الرَّحْمَة وأكثرية الداخلين من هَذِه الْأمة إِلَى الْجنَّة قد دلّت على أَن الهالكين أقل وَذَلِكَ لقصر حينهم المتفرع عَلَيْهِ فَلَا بُد من الْجمع بَين مَا يُوهم التَّنَاقُض وَقد تمّ الْجمع بِهَذَا الْوَجْه وَمَا قبله فَتعين الْمصير إِلَيْهِمَا
هَذَا وَلَا يبعد أَن ذَلِك الْحِين وَالزَّمَان هُوَ آخر الدَّهْر الذى وَردت الْأَحَادِيث بفساده وفشوا الْبَاطِل وخفاء الْحق وَإِن الْقَابِض على دينه كالقابض على الْجَمْر وَأَنه الزَّمَان الذى يصبح الرجل فِيهِ مُؤمنا ويمسى كَافِرًا وَأَنه زمَان غربَة الدّين فَتلك الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِيهِ الَّتِى شحنت بهَا كتب السّنة قَرَائِن دَالَّة على أَنه زمَان
[ ٢٠٣ ]
كَثْرَة الهالكين وزمان تفرق وتدابر وَيحْتَمل أَيْضا أَن الِافْتِرَاق كَائِن من بعد الْقُرُون الْمَشْهُود لَهَا بالخيرية وَأَن فى كل قرن بعْدهَا فرقا من الهالكين وأكثرها فى آخر الزَّمَان وَهَذَا جَوَاب مُسْتَقل عَن الأشكال
الْجِهَة الثَّانِيَة من جهتى الأشكال فى تعْيين الْفرْقَة النَّاجِية
قد تكلم النَّاس فِيهَا كل فرقة تزْعم أَنَّهَا هى الْفرْقَة النَّاجِية ثمَّ قد يُقيم بعض الْفرق على دَعْوَاهَا برهانا أوهن من بَيت العنكبوت وَمِنْهُم من يشْتَغل بتعداد الْفرق الْمُخَالفَة لما هُوَ عَلَيْهِ ويعمد إِلَى مَا شذت بِهِ من الْأَقْوَال ليبين بذلك أَنَّهَا هالكة لاعتمادها على تِلْكَ الْأَقْوَال وَأَنه نَاجٍ بخلوصه عَنْهَا وَلَو فتش مَا انطوى عَلَيْهِ لوجد عِنْده من المقالات مَا هُوَ أشنع من مقالات من خَالفه لَكِن عين الْمَرْء كليلة عَن عيب نَفسه وَبِالْجُمْلَةِ
فَكل من يدعى وصلا لليلى وليلى لَا تقر لَهُم بذاكا
وَكَانَ الْأَحْسَن بالناظر فِي الحَدِيث أَن يَكْتَفِي بالتفسير النبوى لتِلْك الْفرْقَة فقد كَفاهُ معلم الشَّرَائِع الهادى إِلَى كل خير المئونة وَعين الْفرْقَة النَّاجِية بِأَنَّهَا من كَانَ على مَا هُوَ عَلَيْهِ ﷺ وَأَصْحَابه وَقد عرف بِحَمْد الله من لَهُ أدنى همة فى الدّين مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَصْحَابه وَنقل إِلَيْنَا أَقْوَالهم وأفعالهم حَتَّى أكلهم وشربهم ونومهم ويقظتهم حَتَّى كأنارأيناهم رأى الْيَقِين
وَبعد ذَلِك فَمن رزقه الله إنصافا من نَفسه وَجعله من أولى الْأَلْبَاب لَا يخفاه حَال نَفسه اولا هَل هُوَ مُتبع لما كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ أَو غير مُتبع ثمَّ لَا يخفى حَال غَيره من كل طَائِفَة هَل هِيَ متبعة أَو مبتدعة وَمن أدعى أَنه مُتبع للسّنة النَّبَوِيَّة متقيد بهَا تصدق دَعْوَاهُ أَفعاله وأقواله وتكذبها فان مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ لقد ظهر لكل انسان فَلَا يُمكن التباس المبتدع بالممتبع
[ ٢٠٤ ]
وعندى على تَقْدِير ذَلِك الْجَواب أَن زمن الِافْتِرَاق والهلاك هُوَ آخر الزَّمَان أَنه لَا يعد فى أَن الْفرْقَة النَّاجِية هم الغرباء الْمشَار إِلَيْهِم فى الْأَحَادِيث كَحَدِيث بَدَأَ الْإِسْلَام غَرِيبا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فطوبى للغرباء قيل وَمن هم يَا رَسُول الله قَالَ الَّذين يصلحون إِذا فسد النَّاس وفى رِوَايَة الَّذين يفرون بدينهم من الْفِتَن وفى رِوَايَة الَّذين يصلحون مَا أفسد النَّاس من سنتى
وفى حَدِيث عبد الله بن عَمْرو قُلْنَا من الغرباء يَا رَسُول الله قَالَ قوم صَالِحُونَ قَلِيل فى اناس سوء كثير من يعصيهم أَكثر مِمَّن يطيعهم وهم المرادون بِحَدِيث وَلَا تزَال طَائِفَة من أمتى ظَاهِرين على الْحق لَا يضرهم من خالفهم أَو خذلهم حَتَّى يأتى أَمر الله وهم المرادون بِمَا أخرجه الطبرانى وَغَيره
عَن أَبى أُمَامَة عَن النبى ﷺ أَنه قَالَ أَن لكل شىء إقبالا وإدبارا وَأَن لهَذَا الدّين اقبالا وإدبارا وَأَن من إدبار الَّذين مَا كُنْتُم عَلَيْهِ من الْعَمى والجهالة وَأَن من اقبال الدّين أَن تفقه الْقَبِيلَة بأسرها حَتَّى لَا تُوجد فِيهَا الا الْفَاسِق والفاسقان فهما مقهوران ذليلان أَن تكلما قهرا وقمعا واضطهدا وَأَن من أدبار الدّين أَن تجفو الْقَبِيلَة بأسرها حَتَّى لَا يكون فِيهَا الا الْفَقِيه والفقيهان وهما مقهوران ذليلان أَن تكلما فأمرا بِالْمَعْرُوفِ ونهيا عَن الْمُنكر قمعا وقهرا واضطهدا فهما مقهوران ذليلان لَا يجدان على ذَلِك أعوانا وَلَا انصارا
فَهَذِهِ الْأَحَادِيث وَمَا فى مَعْنَاهَا فى وصف آخر الزَّمَان وَأَهله قد دلّت على أَنه زمَان كَثْرَة الهالكين وَقلة الناجين وَأَحَادِيث الغرباء قد دلّت على أوصافهم بِأَنَّهُم الْفرْقَة النَّاجِية فى ذَلِك الزَّمَان وَلَيْسوا بفرقة مشار إِلَيْهَا كالأشعريين والمعتزلة بل هم النزاع من الْقَبَائِل كَمَا فى الحَدِيث وهم متبعوا الرَّسُول ﷺ اتبَاعا قوليا وفعليا من أى فرقة كَانَت هَذَا وَقد ذكر فى الْفرْقَة النَّاجِية أَنهم صالحو كل
[ ٢٠٥ ]
فرقة وَذكر انهم أهل الْبَيْت النبوى ﵈ وَمن أتبعهم إِلَّا أَن ذَلِك مبْنى على أَن الْقَضِيَّة دائمة ثمَّ هُوَ لَا يدْفع الأشكال
نعم وَهَذَا كُله توفيق بَين الْأَحَادِيث مبْنى على صِحَة قَوْله كلهَا هالكة الا فرقة وَلَا شكّ أَنه قد ثَبت فى كتب السّنة كَمَا سمعته وَلكنه قد نقل السَّيِّد الْعَلامَة مُحَمَّد ابْن إِبْرَاهِيم الْوَزير ﵀ فى بعض رسائله عَن أَبى مُحَمَّد بن حزم الأندلسى ﵀ مَا لَفظه قَالَ أَبُو حزم أَن الزِّيَادَة يعْنى قَوْله كلهَا هالكة إِلَّا فرقة مَوْضُوعَة وَإِنَّمَا الحَدِيث الْمَعْرُوف إِنَّمَا تفترق إِلَى نَيف وَسبعين فرقة وَلَا زِيَادَة على هَذَا فى نقل الثِّقَات
فَالْحَدِيث الْمَشْهُور كَانَ عِنْد الْمُحدثين معلا وَمَا زَاده غير صَحِيح وَإِن كَانَ الراوى ثِقَة غير أَن مُخَالفَة الثِّقَات فِيمَا شاركوه فى الحَدِيث يقوى الظَّن على أَنه وهم فِيمَا زَاده أَو أدرج فى الحَدِيث كَلَام بعض الروَاة وحسبه من كَلَام رَسُول الله ﷺ فيعلون الحَدِيث بِهَذَا وَإِن لم يكن مقدوحا فِيهِ على أَن أصل الحَدِيث الذى حكمُوا بِصِحَّتِهِ لَيْسَ مِمَّا اتَّفقُوا على صِحَّته وَقد ترك إِخْرَاجه البخارى وَمُسلم مَعَ شهرته لعدم اجْتِمَاع شرائطهما فِيهِ انْتهى كَلَامه حَرَّره السَّيِّد الْعَلامَة الْأَمِير ﵀ فى سنة ١١٣٣ الهجرية
وفى الْفَتْح الربانى فى فَتَاوَى الشوكانى بعد ذكر حَدِيث أَبى هُرَيْرَة الْمُتَقَدّم وَالْكَلَام عَلَيْهِ جرحا وتعديلا مَا نَصه فتقرر بِهَذَا أَن رجال حَدِيث ابى هُرَيْرَة رجال الصَّحِيح فَيكون أصل الحَدِيث أعنى افْتِرَاق الْأمة إِلَى تِلْكَ الْفرق صَحِيحا ثَابتا
وَأما الزِّيَادَة الَّتِى فى الحَدِيث الأول فضعيفه فَلَا تقوم بهَا حجَّة
[ ٢٠٦ ]
فى حكم شَرْعِي وَلَو على بعض الْمُكَلّفين فَكيف فى مثل هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الذى هُوَ حكم بِالْهَلَاكِ على هَذِه الْأمة المرحومة شرفها واختصها بخصائص لم يشاركها فِيهَا أمة من الْأُمَم السَّابِقَة وزادها شرفا وتعظيما وتجليلا بِأَن جعلهَا شُهَدَاء على النَّاس وأى خير فى أمة تفترق إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة وتهلك جَمِيعًا فَلَا ينجو مِنْهَا إِلَّا فرقة وَاحِدَة
وَلَقَد أحسن بعض الْحفاظ حِين يَقُول واما زِيَادَة كلهَا هالكة إِلَّا وَاحِدَة فَزِيَادَة غير صَحِيحَة الْقَاعِدَة وأظنها من دسيس الْمَلَاحِدَة وَكَذَلِكَ أنكر ثُبُوتهَا الْحَافِظ أَبُو حزم
وَلَقَد جاد ظن من ظن أَنَّهَا من دسيس الْمَلَاحِدَة والزنادقة فان فِيهَا من التنفير عَن الْإِسْلَام والتخويف من الدُّخُول فِيهِ مَالا يقادر قدره فَتحصل لواضعها مَا يَطْلُبهُ من الطعْن على هَذِه الْأمة المرحومة والتنفير عَنْهَا كَمَا هُوَ شَأْن كثير من المخزولين الواضعين للمطاعن المنافية للشريعة السمحة السهلة كَمَا قَالَ الصَّادِق المصدوق ﷺ بعثت بالحنفية السمحة السهلة وَقَالَ الله ﷿ وَمَا جعل عَلَيْكُم فى الدّين من حرج وَقَالَ ﷺ بشروا وَلَا تنفرُوا يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا
وَهَا أَنا أضْرب لَك مثلا وَهُوَ أَنَّك لَو رَأَيْت جمَاعَة من النَّاس قد اجْتَمعُوا فى مَكَان من الأَرْض عَددهمْ اثْنَان وَسَبْعُونَ رجلا وَقَالَ لَك قَائِل ادخل مَعَ هَؤُلَاءِ فان وَاحِدًا مِنْهُم سيملك مَا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس وسيضرب أَعْنَاق البَاقِينَ أَجْمَعِينَ وَرُبمَا تفوز أَنْت من بَينهم بالسلامة فتعطى تِلْكَ المملكة فَهَل ترْضى أَن تكون وَاحِدًا مِنْهُم دَاخِلا بَينهم وَالْحَال هَكَذَا وَلَا يدرى من هَذَا الْوَاحِد مِنْهُم يدعى لنَفسِهِ أَنه الفائز بالسلامة الظافر بِالْغَنِيمَةِ بِمُجَرَّد الأمنية وَالدَّعْوَى العاطلة عَن الْبُرْهَان
[ ٢٠٧ ]
فَإِن قلت أَن قَوْله فى هَذَا الحَدِيث فى الْفرْقَة النَّاجِية هى الْجَمَاعَة وَقَوله فى حَدِيث آخر وهى مَا أَنا عَلَيْهِ واصحابى قلت هَذَا التَّعْيِين وَإِن قلل شَيْئا من ذَلِك التخويف والتنفير لَكِن قد تعاورت هَذِه الْفرْقَة المعنية الدَّعَاوَى وتناوبتها الأمانى فَكل طَائِفَة من طوائف تدعى لنَفسهَا أَنَّهَا الْجَمَاعَة وَأَنَّهَا الظافرة بِمَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَنَّهُمْ الَّذين لَا يزَالُوا على الْحق ظَاهِرين
فان قلت أَن معرفَة الْجَمَاعَة وَمَعْرِفَة المتصفين بموافقة مَا كَانَ عَلَيْهِ النبى ﷺ وَأَصْحَابه مُمكنَة وَمن ادّعى من المبتدعة اثبات ذَلِك الْوَصْف لنَفسِهِ فدعواه مَرْدُودَة عَلَيْهِ مَضْرُوب فيبها فى وَجهه قلت نعم وَلَكِن لَيْسَ هَا هُنَا حجَّة شَرْعِيَّة توجب علينا الْمصير إِلَى هَذَا التَّعْيِين وتلجئنا إِلَى تكلّف تعْيين الْفرق الهالكة وتعدادها فرقة فرقة كَمَا فعله كثير من المتكفلين للْكَلَام على هَذَا الحَدِيث
وَأما أَنه هَل يدل هَذَا الحَدِيث على الِافْتِرَاق قَدِيما وحديثا أم على زمَان مَخْصُوص فَالْجَوَاب عَنهُ أَن الِافْتِرَاق لما كَانَ مَنْسُوبا إِلَى الْأمة حَيْثُ قَالَ ﷺ تفترق أمتى على ثَلَاث وَسبعين فرقة كَمَا فى حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَكَذَلِكَ قَوْله فى حَدِيث مُعَاوِيَة الْمَذْكُور وَإِن هَذِه الْملَّة سَتَفْتَرِقُ على ثَلَاث وَسبعين كَانَ ذَلِك صَادِقا على هَذِه الْأمة بأسرها وعَلى هَذِه الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا من دون تَخْصِيص بِبَعْض مِنْهَا دون بعض وَلَا بعصر دون عصر فَأفَاد ذَلِك أَن هَذَا الِافْتِرَاق الْمُنْتَهى إِلَى ثَلَاث وَسبعين فرقة كَائِن فى جمع هَذِه الْأمة من اولها إِلَى آخرهَا وَمن زعم اخْتِصَاص ذَلِك بِأَهْل عصر من العصور أَو بطَائفَة من الطوائف فقد خَالف الظَّاهِر بِلَا سَبَب يقتضى ذَلِك
وَأما أَنَّهَا قد ثبتَتْ نجاة الصَّحَابَة فَهَل يدل على أَنهم لم يَخْتَلِفُوا فى
[ ٢٠٨ ]
الْأُصُول أصلا فَالْجَوَاب عَنهُ أَنه لَا مُلَازمَة بَين نجاة جَمِيع الصَّحَابَة وَبَين عدم اخْتلَافهمْ فى الْأُصُول بل يجوز الحكم بنجاتهم جَمِيعًا مَعَ الحكم بأختلافهم فى الْأُصُول
وَبَيَان ذَلِك أَن الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة عندى مُتَسَاوِيَة الْأَقْدَام منتسبة إِلَى الشَّرْع نِسْبَة وَاحِدَة وَكَون بَعْضهَا رَاجعا إِلَى الْعَمَل لَا يستلوم تعاونها على وَجه يكون الإختلاف فى بَعْضهَا مُوجبا لعدم نجاة بعض الْمُخْتَلِفين وفى بَعْضهَا لَا يُوجب ذَلِك فاعرف هَذَا وأفهمه
وَأعلم أَن مَا صَحَّ عَنهُ ﷺ من أَن الْمُصِيب فى اجْتِهَاده لَهُ أَجْرَانِ والمخطىء لَهُ أجر لَا يخْتَص بمسائل الْعَمَل وَلَا يخرج عَنهُ مسَائِل الِاعْتِقَاد فَمَا يَقُوله كثير من النَّاس من الْفرق بَين الْمسَائِل الْأُصُولِيَّة والفروعية وتصويب الْمُجْتَهدين فى الْفُرُوع دون الْأُصُول لَيْسَ على مَا ينبغى بل الشَّرِيعَة وَاحِدَة وأحكامها متحدة وَإِن تفاوتت بِاعْتِبَار قطعيه بَعْضهَا وظنية الآخر
فَالْحق عِنْد الله ﷿ مُتَعَيّن يسْتَحق مُوَافقَة أَجْرَيْنِ وَيُقَال لَهُ مُصِيب من الصَّوَاب دون الاصابة وَيُقَال لمُخَالفَة أَنه مخطىء كَمَا قَالَ النبى ﷺ فِيمَا ثَبت عَنهُ فى الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ أَن اجْتهد فَأصَاب فَلهُ أَجْرَانِ وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر وفى بعض الرِّوَايَات الْخَارِجَة عَن الصَّحِيح من غير حَدِيثه أَنه ان أصَاب فَلهُ عشرَة أجور وَهَذِه زِيَادَة خَارِجَة من مخرج حسن كَمَا هُوَ مَعْرُوف فالنبي ﷺ قد سمى من خَالف الْحق مخطئا فَمن قَالَ إِنَّه
[ ٢٠٩ ]
مُصِيب فى الظنيات الفروعيات إِن أَرَادَ أَنه مُصِيب من الاصابة فقد أَخطَأ وَخَالف النَّص وَإِن أَرَادَ أَنه مُصِيب من الصَّوَاب الذى يَصح إِطْلَاقه بِاعْتِبَار اسْتِحْقَاق الْأجر لَا بِاعْتِبَار إِصَابَة الْحق فَلذَلِك وَجهه فاعرف هَذَا وأفهمه حَتَّى يتَبَيَّن لَك اخْتِلَاف النَّاس فى أَن كل مُجْتَهد مُصِيب أم لَا
وَاعْلَم أَنه لَا فرق عِنْد التَّحْقِيق بَين مَا تسميه النَّاس فروعا وَبَين مَا يسمونه أصولا هَذَا إِن كَانَ مَطْلُوب السَّائِل مَا هُوَ عِنْد الْمُجيب وَإِن كَانَ مطوبه مَا قَالَه النَّاس فكلامهم مَعْرُوف فى مؤلفاتهم انْتهى كَلَام الشوكانى ﵀
[ ٢١٠ ]