فَعلمه شرائع الْإِسْلَام فأطاع وَأحسن وَعصى السَّيِّد فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أمربالعبد إِلَى الْجنَّة وَأمر بِسَيِّدَة إِلَى النَّار فَيَقُول عِنْد ذَلِك واحسرتاه واغبناه أما هَذَا عبدى أما كنت مَالِكًا لمهجته وَمَاله وقادرا على جَمِيع مَاله فَمَا لَهُ سعد ومالى شقيت فيناديه الْملك الْمُوكل بِهِ لِأَنَّهُ تأدب وَمَا تأدبت وَأحسن وأسأت وَرجل كسب مَالا فعصى الله تَعَالَى فى جمعه وَمنعه وَلم يقدمهُ بَين يَدَيْهِ حَتَّى صَار إِلَى وَارثه فَأحْسن فى إِنْفَاقه وأطاع الله سُبْحَانَهُ فى إِخْرَاجه وَقدمه بَين يَدَيْهِ
فَإِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر بالوارث إِلَى الْجنَّة وَأمر بِصَاحِب المَال إِلَى النَّار فَيَقُول واحسرتاه واغبناه أما هَذَا مالى فأحسنت بِهِ أحوالى وأعمالى فيناديه الْملك الْمُوكل بِهِ لِأَنَّهُ أطَاع الله وَمَا أطعته وَأنْفق لوجهه وَمَا أنفقت فسعد وشقيت وَرجل علم قوما ووعظهم فعملوا بقوله وَلم يعْمل
فاذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة أَمر بهم إِلَى الْجنَّة وَأمر بِهِ إِلَى النَّار فَيَقُول واحسرتاه واغبناه أما هَذَا علمى فَمَا لَهُم فازوا بِهِ وَمَا فزت وسلموا بِهِ وَمَا سلمت فيناديه الْملك الْمُوكل بِهِ لأَنهم عمِلُوا بِمَا قلت وَمَا عملت فسعدوا وشقيت ذكره ابو الْفرج بن الجوزى ﵀ قَالَ إِبْرَاهِيم النخعى إنى لأكْره الْقَصَص لثلاث آيَات لقَوْله تَعَالَى ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ الْآيَة
وَقَوله تَعَالَى لم تَقولُونَ مَالا تَفْعَلُونَ كبر مقتا عِنْد الله أَن تَقولُوا مَالا تَفْعَلُونَ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا أُرِيد أَن أخالفكم إِلَى مَا أنهاكم عَنهُ﴾
[ ١٦٤ ]
قَالَ القرطبى ﵀ وألفاظ هَذِه الْآيَات تدل مَعَ مَا ذَكرْنَاهُ من الْأَحَادِيث على أَن عُقُوبَة مَا كَانَ عَالما بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنكر وبوجوب الْقيام بوظيفة كل وَاحِد مِنْهُمَا أَشد مِمَّن لم يُعلمهُ وَإِنَّمَا ذَلِك لِأَنَّهُ كالمستهين بحرمات الله والمستخف لأحكامه وَهُوَ المستهزىء مِمَّن لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ
وَقد قَالَ ﷺ أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ الله بِعِلْمِهِ وروى أَبُو أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الَّذين يأمرون النَّاس بِالْبرِّ وينسون أنفسهم يجرونَ قصبهم فى نَار جَهَنَّم فَيُقَال لَهُم من أَنْتُم فَيَقُولُونَ نَحن الَّذين كُنَّا نأمربالبر وننسى أَنْفُسنَا
قَالَ القرطبى فى التَّذْكِرَة إِن قَالَ قَائِل فى حَدِيث أَبى سعيد الخدرى أَن من لَيْسَ من أهل النَّار إِذا دخلوها احترقوا فِيهَا وماتوا على مَا ذكرتموه فى أصح الْقَوْلَيْنِ وَهَذِه الْأَحَادِيث الَّتِى جَاءَت فى العصاة بِخِلَاف فَكيف الْجمع بَينهمَا قيل لَهُ الْجمع مُمكن وَذَلِكَ وَالله أعلم أَن أهل النَّار الَّذين هم أَهلهَا كَمَا قَالَ ﴿كلما نَضِجَتْ جُلُودهمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرهَا ليذوقوا الْعَذَاب﴾ قَالَ الْحسن تنضجهم النَّار فى الْيَوْم سبعين ألف مرّة والعصاة بِخِلَاف هَذَا فيعذبون وَبعد ذَلِك يموتون وَقد تخْتَلف أَيْضا أَحْوَالهم فى طول التعذيب بِحَسب جرائمهم وآثامهم
وَقد قيل إِنَّه يجوز أَن يَكُونُوا متألمين حَاله مَوْتهمْ غير أَن آلامهم تكون أخف من آلام الْكفَّار لِأَن آلام الْمُعَذَّبين وهم موتى أخف من عَذَابهمْ وهم أَحيَاء دليلة قَوْله تَعَالَى وحاق بآل فِرْعَوْن سؤالعذاب النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة ادخُلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب
[ ١٦٥ ]
فَأخْبر أَن عَذَابهمْ إِذا بعثوا أَشد من عَذَابهمْ وهم موتى وَمثله مَا جَاءَ فى حَدِيث الْبَراء من قَول الْكَافِر رب لَا تقم السَّاعَة رب لَا تقم السَّاعَة لِأَنَّهُ يرى أَن مَا يخلص لَهُ من عَذَاب الْآخِرَة أَشد مِمَّا هُوَ فِيهِ وَالله أعلم
وَقد يكون مَا جَاءَ فى الخطباء هُوَ عَذَابهمْ فى الْقُبُور فى أَعْضَاء مَخْصُوصَة لغَيرهم كَمَا فى حَدِيث سَمُرَة الطَّوِيل إِلَّا أَن قَوْله فى حَدِيث أُسَامَة بن زيد يَوْم الْقِيَامَة يدل على ذَلِك وَقد يجمع لَهُ الْأَمْرَانِ لعظم مَا ارتكبوه من مُخَالفَة قَوْلهم فعلهم نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك
[ ١٦٦ ]