في الموازين والأكيال والوزَّانين والكيالين
أحق الموازين ما كان ثقبه في قصبته وكان الثقب موسع الجهتين مشرك الوسط يعمه المسمار، وأخسرها للحق ما كان ثقبه في اللسان أو كان في القصبة غير مشرك الوسط أو كان مسماره رقيقا بالإضافة إلى ثقبته وإيقاعه بها، ولمفسديهم حيل وخدائع منهم من يضع أصل إبهام يده اليسري على حاشية كفة الميزان حين الوزن يوهم لذلك أنه يمسكها وقد جعل تحتها شيئا مرتفعا من الآلات إذا وصلت كفة الصنوج إليه خرج لسان الميزان عن القبة وينزلها بيده المذكورة مع الشيء الموزون يسيرا يسيرا إلى أن يحس أنها وصلت إلى الذي تحتها فيرفع رأسه إلى قبة الميزان كأنه ينظر إلى اللسان هل خرج عن القبة أم لا ويرفع المشترى رأسه كذلك فيرى اللسان قد خرج عن القبة ويفرغ له البائع المبيع من الكفة والمبتاع يتخيل أنه قد وصل إلى حله والبائع قد أخسره.
ومنهم من يرتبط شعرة في مقلوب كفة الميزان من فلس الكوكب ويفها على إبهام رجله ويجعل قدمه واقفا على عقبه فإذا وضع في الكفة ما يوزن أنزل إبهام رجله إلى أسفل فهبطت الشعرة إلى أسفل وخرج لسان الميزان عن القبة فيرفع مقدم رجله ويفرغ الكفة وقد نقص في الوزن ما نقص، وهذه المكيدة لا يعمل بها إلا من يكون للوزن جالسا على كرسي.
ومنهم من يعد صفيحة رصاص تكون زنتها ثلاث أواق أو أزيد ويدهن وجهها بالشحم أو الشمع المخلوط فيه الزيت فإذا جاء من يشتري يلصق تلك القطعة
[ ١٤ ]
بيده اليسري في باطن الكفة ويزن بها كذلك فينتقص المشترى من كل وزنة ثقل الرصاص المذكور فذا أكمل قصده انتزعها ولا يشعر به ويلقيها في الأرض بين يديه إلى حين يحتاج إليها.
ومنهم من يكتفي في ذلك بأصل إبهام يده اليسرى لكثرة حنكته وتصرفه بها في الإخسار والنقص.
ومنهم من يجبد ويرفد فيخسر إذا رفع أو يربح إذا قبض
ومنهم من يجعل لميزانه خيطا يكون من مؤخر القصبة إلى ما سائله من جوائز السقف أو غيره يوهم أنه يعدله به وإنما المقصود به إسراع الارجاح.
ومنهم من أخذ صنوجا من رصاص مجوفة قد ملئت شمعا فتعطي الجرم ولا تعطي الوزن.
ومنهم من يجعل نصف الصفيحة من الرصاص ونصفها من الشمع ويغشيها بالجلد فيوهم بجرمها وهي تنقص على الوزن.
ومنهم من يتخذ صنجا من الحديد يحلق فيها عمادًا طبع عليها بطابع المحتسب بدل حلقها الكبار بصغار خدع بها.
ومنهم من يرطب القمح والشعير في الزيت فإذا رطب غرز فيه أطراف إبر الحديد وأخفى مغارزها ليوهم بذلك عند القبض أن الشعير على أصله وهو يأخذ مثلي ثقله بما فيه من أطراف الإبر.
ولقد أخبرني بعض المتجولين أهل الاعتناء بالأمور والبحث على النواشي والتحدث بالغرائب أنه رأى ميزانا قد اتخذ فارغ القصبة ووضع فيها الزنبق فإذا جعل في كفته الوزان شيئا جذبه برفق فمال وجرى الزئبق إلى طرف
[ ١٥ ]
القصبة فخرج اللسان عن القبة وحسب المبتاع أن البائع سامحه في الزائد وهو قد نقصه حقه.
وكذلك حكى لي من أثق به دينا وأمانة وصدق لسان ومعرفة أنه حضر بموضع يجلب إليه الدقيق للمبيع ويجلب إليه للشراء ولزمه المقام به إياما وبه قوم معدون للوزن بالربع والعمود فرأى من فسادهم عجبا ومن تخليطهم ما أوجب التحدث به عنهم وذلك أن الوارد بالدقيق إذا وصل إليهم اجتمعوا إليه وسألوه عن موضعه وأحواله وكيفية أسعار موضعه وكيف اشترى الطعام وما صدق الكيل له من الوزن وفي أي رحى طحن فإن كان بدويا وأجابهم أنه أخذ الطعام من إصابته حزرا دون كيل وسمى لهم الرحى التي طحن فيها أمكنتهم المؤاربة فيه والحيلة عليه وأمهنوا دقيقه بكل وجه وجعلوا النقص الذي يظهر في ذلك في جانب الأخذ بالحرز دون الوزن وفي أي الرحى كثيرة التغير معلومة الاخسار والرحوي الذي فيها مشهور السرقة، وتولى الوزن المذكور واحد منهم فتارة يأخذ الدقيق من العدل في قفة الوزن ويفرق بكلتي يديه في الأرض ويطيل المدة في ذلك ويفرق المجتمع في الأرض برجليه ليغفل عنه صاحب الدقيق، ويواعد الوزان لذلك نساء من السعادة يكنسونه ويجمعونه ويقسمون مع الوزان آخر النهار، وتارة يأخذ في القفة أكثر من الربع ويوقف قدمه على عقبها يرفد القفة بها وينقص منها غرفة بعد غرفة حتى يطول الأمر ويعلم أنه بقي زائدا على الربع ثلاثة أرطال أو أربعة فيخطف القفة بسرعة من العمود ويفرغها في وعاء رجل يعرف مواطأته له على ذلك حتى يحاسبه بعد ارتفاع السوق على نصف الربع زائدا أو أزيد من ذلك، وتارة يلتمس القفة من البائع ويفرغ الربع كله في وعاء رجل معد لذلك فيمضي به بين الناس
[ ١٦ ]
وربما يشعر له صاحب الدقيق فيصيح به ويثقل نفسه بالوزن والعدد ولا يجيبه إلا بعد أمد بعيد فإذا عرفه أنه دفع ربع دقيق لمن لم يدفع له ثمنه غالطه وقال له: قد كان دفع لك الثمن ووزنته عليه، أليس الرجل الذي صفته كذا ولباسه كذا، ويوافقه شريكه على ذلك ويشهد له بالدفع فيخسر المسكين وهو على حق.
وإن كان صاحب الدقيق من المحتكمين الذين قد خبروا الأمور وعرفوا نقائض أولئك الوزانين عرفهم بالسوم والأصداق والتحفظ في الطحن حتى لم يوجدهم سبيلا إلى قصدهم منه لم تكن حيلتهم معه إلا أن يدسوا له من يغالطه بالمدلس ويغلطه في العدد ولا يمكنه مع كيسه أن ينفصل عنهم سالما منهم، ولقد اجتمعت يوما مع قوم من التجار المسافرين وتحدثنا مليا إلى أن قال أحدهم: أخبركم بما اتفق لي مع رجل يبيع التين الإشبيلي المعروف بالشعري وذلك أني كنت مع رجلين من الأصحاب ومررنا برجل يبيع التين المذكور وبين يديه عدل وعليه ثلاثة من التين في غاية من القد ونهاية من اسوداد اللون وبدع من التخطيط الأبيض فاستطرفنا ذلك النوع واعجب كل واحد منا به وافترقنا عنه وصار كل واحد منا إليه وهو يخفي مسيره عن صاحبه ليحوز تلك الثلاث التي كانت على العدد واشترى كل واحد منا التين وبايعه بوزن تلك الثلاث فلما وصل كل واحد منا إلى بيته من الخان الذي كنا فيه أفرغ التين من وعائه ولم يجد تلك المقصودة فيه واختبر مشتراه بالوزن فوجده صحيحا فعجب مما اتفق له وأخبر صاحبيه بذلك فوجدهما على مثل ذلك، ولما سرنا باسطوان الخان المذكور على عادة المسافرين قال أحدنا: اتفق لي اليوم أيها التجار كيت وكيت ولقد رأيته وضعها في الوزانة ووزنها ثم أفرغ الوزانة في الوعاء الذي دفعت له، فلما سمع الحاضرون ما وصف لهم ضحك
[ ١٧ ]
واحد منهم وقال: يا أخي قد اتفق لي ذلك مع هذا الرجل وأتعب أمره خاطري ولما بلغ مني جعلت ألاينه لأكشف عن مدكته حتى رأيته أول ما يجعل في الوزانة تلك الثلاث المقصودة ويلصقها بركن الوزانة فإذا وزن رجح الميزان بمثل نصفها فإذا أخذ الوزانة من الميزان أخذها من قعرها وعض بيده على الركن الذي ألصق التين به وأمسكه فيها ثم أفرغها في الوعاء وبقي في الوزانة الثلاث المذكورة ثم رمي بالوزانة المذكورة إلى جانبه بموضع فارغ قد أعده إلى ذلك لتقع في فراغ ولا يشعر بها أحد فإذا ذهب المبتاع أخرجها وجعلها في موضع العدل وغير ما علمت بما يعمل جئته وقلت له: كم ثمن هذه خاصة، واستشعر ما إليه قصدت قبل على يده وقال: يا مولاي إذا جئتني وقد فرغت من العدل خذها بلا ثمن.
ولما كانت الاختراعات لا تحصر والحيل لا تحصي رأيت أن اكتفي في كل باب بمقدمة يستدل بها على ما سواها قصدا للاختصار تركا للتطويل.
وشأن المحتسب مع هؤلاء الأصناف إن يختبر موازينهم حتى تكون على النوع الأحق وتكون صنوجهم دون حلق مطبوعا عليها ولا مغشاة بجلد ولا تكون من الحجارة الرخوة كالسبخ وبعض الجندل الأبيض فإن ذلك من الخفة بحيث يخيل الناظر صنجة الرطل أنها صنجة الرطلين.
ويمنعهم أن يزلوا للناس بحجارة ينحتونها بأيديهم ويعدلها بعضهم لبعض ويخسرون الناس وإذا رأوا المحتسب يرمونها الزقاق أو يرفدون بها أطباقهم وكراسي سلعهم ويعتذرون عنها متى طلبوا بصنوجهم.
ويأخذهم بأن يعرضوا موازينهم في أوجه حوانيتهم ويجلس البائع من داخل الحانوت والميزان بين يديه بحيث تكون الكفة التي للوزن على يمينه والكفة التي لا صنوج لها على شماله
[ ١٨ ]
ويتخذ بائع الفاكهة اليابسة وعاء للوزن من الدوم أو ما شاكلة شرحيا لا يخفي من خارجة ما في جوفه، وبائع الفاكهة الرطبة وعاء من الحلفاء وما شاكلها كالصناج ويتعاهده بالغسل والتفليس لما يعلق به من النداوة والغبار ويجعل نقل ذلك الوعاء من الرصاص وغيره مستطيلا بحلقة مبشوسة فيه يخالف أشكال الصنوج ولا يشبهها حتى يكون المشترى على ثقة من التلبيس والخلابة.
ويضع الدقيق وما شابهه بالكفة دون وعاء الوزن، وكذلك يأخذ أصحاب الأكيال بأن تكون صفائح أكيالهم المعترضة في أوسطها مساوية صفائح أجنابها ويكون العود الذي يمسح به على أفواهها قويا غير لدن كالقبطال الذي للبناء ولا ينحني بوجه ويماس الصفائح بالأجناب والوسط على نهاية الاعتدال عند المسح به، هذا إن كان الكيل بالممسوح وإن كان الكيل بالمكتال فتكون حافاتها من الضيق بحيث لا يحتمل التركيب.
ويأخذ الكيال بأن يضع الكيل على قعة جالسا ويصب فيه الزرع بيديه معا ولا يمر بهما وبذراعيه على فمه أن يستوي مثله ويحذره من هذه وهذه صفة الحق فيه، ومتى صنع الكيال الكيل على طرفي ركبتيه وجعل فيه الزرع وهو على جانبه حتى يتحصل فيه قدر نصف ما يحتمل أو ثلثيه ثم أزال ركبتيه وأقعد الكيل على قعره وأفرغ الزرع حتى يمتلي ويمسح عليه أو يستوفيه إن كان مكتالا وكذلك إذا وضع الكيل على جانبه وملا منه بالزرع قدر نصفه أو ثلثيه ثم أقعده بقوة على قعره وصب فيه الزرع بيديه معًا إلى كماله أو مر على فم الكيل بذراعيه ويديه أو هزه فإنه يزيد بكل وجه من هذه
[ ١٩ ]
الأوجه الأربعة رطلا واحدًا في الكيل على الحق فيه وربما أزيد بحسب ما يتمكن له.
ويجعل بائع الدقيق بالربع والعمود أدوارا من الدوم ويفرغ فيها الدقيق ويباع منها ويقف الوزان داخلها ويعرض عمود الوزن في وجه الحانوت وكله مفروش بالأجر ومصطبة مرتفعة والناس تحتها ولا يخلص للدقيق إلا صاحبه والوزان له وتكون القفة بالدقيق توازي الدور حتى لا يقع منها شيء إلا في الدقيق فإذا كمل صاحب الدقيق بيعه نفض الدور ولم يضع له شيء ولا أمكنت الوزان حيلة لكونه على ما وصفنا في علو والناس ينظرون إليه، ولا يبيع إلا ربعا أو نصف ربع وإن بقي له من الدقيق أقل من ذلك احتمل متاعة معه، ومع هذا هذا كله يختبر على كل صنف ما أمكنه متى أمكنه مما قد خرج عنهم بالبيع وفرغوا من كيله أو وزنه ويتابعهم البحث في ذلك وبالتوالي يظهر حق المحق وباطل المبطل والله المستعان وهو المخلص لا رب سواه.