في الكيالين والأكيال
أما الكيالون للطعام فيعرفون أنواعه بكثرة الاختبار لها والحيلة بتناولها ولا يخفى عليهم قدر إصداقها في الكيل، فمن القمح ما يصدق القدح منه ثلاثين رطلا ومنه ما يصدق اثنين وثلاثين وثلاثة وأربعة وثلاثين، ومن الشعير والشنتية ما يصدق القدح منه ربعا واحدًا ومنه ما يقصر عن ذلك، ويصدق القدح من الذرة مثل القمح، فإذا وعدهم المبتاء بالزيادة في الأجرة ليحسنوا
[ ١١ ]
في الكيل ألحقوا الدون في الإصداق بالعالي وذلك أن الكيال إذا قعد للكيل قعد على ركبتيه ومقادم رجليه واغترف الطعام بالقدح وزاد في الغرف وقلب القدح بقوة وأقعد أكثره على فخذيه وطرف كدس الطعام وجبد الطعام بيديه وأمد على الكيل ذراعيه ويديه فتراص الطعام في الكيل بالإقعاد الأول وتدكن بهذا الجذب وإمرار اليدين والذراعين عليه ثم أزال فخذيه عنه فقعد القدح واهتز ونزل الطعام في جوفه وصدق بحسب إرادته.
وإذا قصد العدل قعد على هيئته المذكورة وأقعد القدح على قعره وصب فيه صبا خفيفا فإذا امتلأ رفعه برفع ثم أفرغه واغترف بالقدح من الطعام قليلا وقلبه برفق على كدس الطعام متصلا بركبتيه ودون أن يضع شيئا منه عليهما أو يحنوا عليه ويجبد الطعام إليه بيديه ولا يمرهما عليه ويضعه فيه قليلا قليلا فلا يتحرك الكيل ولا يتراص الطعام فيه ويرفعه برفق ويفرغه كذلك.
وإذا قصد الاخسار فعل على ما يفعل إذا قصد العدل واستعجل بوضع الطعام فيه ورفعه وتفريغه قبل أن يوفيه الحق المعلوم فيه، ومتى وضع فيه من الطعام قدر ثلث فعل على ما يفعل إذا قصد غير ذلك وقلبه وكمله بالطعام فإنما يقصد الاستيفاء وكذلك متى وضع الكيال القدح على ركبتيه فإنما قصده الاستيفاء بحسب ما يمكنه من فخذيه، ويزيل في الكيل الممسوح إذا قصد الاخسار أن يوفر الطعام على الصفيحة صفا أو صفين أو ما استطاع وإنما ألحق في ذلك أن يمسح ما على الصفائح.
وأما أصحاب أكيال المائعات فلمفسديهم حيل منها إذا قصد الإخسار أن يصبوا في الإناء صبا عنيفا لم يتركوه يهدأ ويفرغون الكيل وهو مبخوس وربما أمالوه من جهة واحدة وهي التي تقابل الذي تكتال له فيتوهم أن ذلك الجرى على وهو قد أخسر، ومنها أن يدخلوا قيعان الأكيال النحاسية إلى داخلها
[ ١٢ ]
وجوانبها فيوهم أنها قد اندقت أو على ذلك النوع صنعت وهي تنقص بحسب ذلك ويحشون في أجواف الأكيال غير النحاسية الطين اليابس الجليل أو ما شاكله أو الجبص المحلول أو الشمع المذاب فينقص بذلك، وكذلك النحاسية إن لم يستطيعوا فيها ما تقدم ولا سيما إذا كانت الأكيال ضيقة الأفواه.
وشأن المحتسب مع هؤلاء أن يختبر عليهم الطعام والمائعات بكيال من أهل الثقة يستعمله مقدما عليهم قد خبر منه النصح والتنبيه على المكايد والخدع والغيرة على المسلمين ويزن ما يسعه ذلك الكيل الذي يختبر به وما بلغ وزنه إليه يكون مثالا له ومعلوما عنده لما يكيله أولئك من أنواع ما يكتال حتى لا يمكن لأحد الإخسار في الكيل ولا الزيادة فيه بعد أن يحملهم على أن يكون أكيال الأرباع منشورة الأفواه مبرودة الحواشي من خارج لا يحتمل حافاتها الزائدة بوجه ولا تتعاهد النحاسية بالإصلاح والاعتدال ويتفقد أجوافها ولا سيما عند من يتطرق الظن إليه وسقط الثقة به.
وقيل في ذلك كله مقال مثال يكون كالقانون في جميع الأكيال بتنبيه على الجاري الآن بمالقة فالقدح يصدق من الكزبر اليابس الصحيح الطيب أحد عشر رطلا والرطل ست عشرة أوقية والأوقية عشرون درهما قضة إمامية، وثمن الربع الجاري بمالقة في الكيل يصدق من العسل الطيب الأندلسي في الغالب ثلاثة أرطال ونصف ومن الطيب العدوي ثلاثة أرطال وست أواق إلى ثلاثة أرطال، وربع من الزبيب رطلين وربع ومن الخل ثلاثة أرطال غير ربع إلى رطلين ونصف ومن اللبن الغنمي ثلاثة أرطال وربع ومن المعزي ثلاثة أرطال وثلاث أواق، وبحسب هذه التجربة وما يعطيه النظر بالمشاهدة يفعل الناظر في الحسبة لمن يقع من أولئك إن شاء الله.
[ ١٣ ]