في عملة الدقيق والخبز وباعتها
أما هؤلاء فأصناف ومعلموهم يجمعون بين التجارة والصنعة ومفسدوهم اهل جرأة وغش ولا يرتدعون إلا بمؤلم النكال وشديد العقاب.
فمنهم باعته ولمفسديهم خدع وغشوش منها أنهم يخلطون الطيب مع اللطيف ويبعون الجميع بسوم الطيب الذي قد رسمه عليهم المحتسب، ومنها أنهم يجعلون الطيب على اللطيف ليراه المشترى ثم يغرف له من الوسط ويعطيه وهو في غفلة عما في داخل الظاهر ويسمون ذلك المغفر، ومنهم من يخلط فيه النخال
[ ٢٠ ]
الدق بما فيه من الدق الشبية بالسميد وغير ذلك من الدلس ثم يمضي إلى السقيف التي يباع فيها الدقيق البراني ويشتري فيها ربعا واحدا ويضعه في الجميع فإذا وقف عليه المشترى وسأله كيف يبيع الدقيق يقول له الآن والله اشتريته بسوم كذا ويبيع الجميع على ذلك السوم ويعتقد المشتري أنه أحمد إليه بأن أعطاه إياه بسوم ما اشتراه إلى غير ذلك من الخدع.
ومنهم الغربالون وغشهم بأن لا يستوفوا تنقية الطعام مما فيه ولا الدقيق من نخالته ولهم مع ذلك في الوزن حرص مع الطحانين وأصحاب الدقيق أضربنا عنهم لاتساع القول فيهم.
ومنهم الطحانون وغشهم بأن يخلطوا الرديء مع الطيب ليأخذوا من الطيب ويجعلوا الرديء ويخفي فعلهم.
ولقد أخبرني عدل من الشهود كيس من جلة الطلبة أنه نزل في ليلة من الليالي في علو مبتني على رحى تصنع فيها الطرامج وكان في ذلك المبتنى طاق يشرف منه على داخل الرحى فانتبهت يقول من آخر الليل ولم أسمع دوي الطحن فنظرة في جوف الرحي فإذا الطحان قد أخذ من دقيق الدرمك جزءا وأزاله إلى ناحية ووضع عوضه من دقيق المدهون ووضع الدقيق بعد أن غربله ووضع في النخال مغربل كنس الرحى ورأيته في ليلة أخرى وقد أخذ أعدال القمح وفتح عنها واستسقي الماء وسقى القمح بها وقد أخذ منه بقدر الماء قمحا واستأثر به فزاد القمح بذلك لينا ورخوصة وتركه إلى أن دخل الليل ورفعه للطحن ولما حدث فيه من الرخاوة لم تزل الرحي تشبك عليه مرة بعد أخرى ويتغير الدقيق ويفسد لونه ولم يكن له بد من أن يرفع الحجر إثر كل عدل وينقشه ومع كثرة النقش وقع الحجر في الدقيق مع ما يخرج من
[ ٢١ ]
تضريس الحجر عند الدور حتى فحش لكثرته فتحصل من أمره بما فعل أن حال وأفسد.
ويغشون أيضا بأن يأخذوا من القمح ويجعلون عوضه ما يمكنهم من العظام وشوابي البحر ومجره في بلد الساحل والتراب الأبيض والكدان الرخص كما سمعت يوما رجلا يحدث وقد تعجب مما رأى فقال: كنت واقفا على قارعة طريق يفضي إلى رحى فإذا بطحانها يتوجه إليها على دابة وتحته عدل فارغ وقد أبصر إلى جانب الطريق قلبيرة بالية فسمعته يقول: ربع دقيق هنا ترفد لي ونزع عن الدابة وجعلها في قعر عدله وعاد إلى ركوبه ومضى لوجهه.
ويغشون أيضا بأن يأخذوا من الدرمك ما شاؤوا ويعوضون عنه شنتيه بيضاء مغربلة بعد الطحن ولا يكاد يشعر بذلك إلا عند اختبار الخبز منه فإنه لا يرتفع في الخمير ارتفاع الدرمك السالم.
وبأرحى مالقة عجب يجب التحدث به وذلك غار فيه تراب أبيض يحتفر ويخلط في الدقيق ويزعم أهل تلك الجمعة أنه يحسن باختمار ما يخلط معه من الدقيق والناظرون في الحسبة بمالقة يمنعون منه ويبنون فم الغار مرة ويردمونه أخرى ومتى غفل عنه حفر عليه ودلي به، ومع ذلك كله فالمفسد لا يغفل والخدع جمعة.
ولقد وجهت يوما غلامي إلى الرحى بقمح إلى الطحن فغاب عني ثلاثة أيام متوالية حتى أشفقت من أمره وخفت فواته بالدابة والطعام فخرجت في طلبه وبحثت وألفيته في رحى خفية وقد تلقاه طحانها وخدعه وعرفه بأن بيني وبينه ما يوجب إكرام الغلام وبره واحتمله إلى تلك الرحى وشرع في طحن القمح وشغله حتى أخذ له من القمح وتركه بالرحى وخرج إلى الساقية التي يخرج عليها ماء
[ ٢٢ ]
الرحى المذكورة وألقى القمح فيها مع حاشيتها مضد أن ينزل إلى القعر ويظهر ولم يلقه في وسطها فيحمله تيار الماء ولا يتمكن له ما يريد ثم دعا الغلام ولما خرج إليه أراه القمح وقال له: الرحى تصفي وأمره أن يجمع ذلك القمح من الماء والحفن فيه مخافة المتضيع فاشتغل الغلام بذلك وتمكن المذكور من القمح بالرحى فأخذ من القمح والدقيق وجعله في أوعية معدة عنده لذلك ودفن بعضها وغطي منها وأخفاها ودخل عليهما الليل فجنا من الدقيق وأكلا ولما كان من الغد وضع القمح المبلول للشمس ويطمعه في تيبيسه وطحنه وأكلا من الدقيق كذلك يومهما وليلتهما ويقصد بذلك إخفاء فعله وإتلافع وعندما وجدتهما كذلك وصف إلي ما تخيل المذكور أنه يجوز علي فتحققت مكره بالغلام وخدعة له فقبضت عليه واضطررته بنوع من الاجتهاد إلى أن جعلته يحفر موضعا ويخرج وعاء مملواءا قمحا ويزيل غطاءه ويخرج وعاء مملؤا دقيقا حتى تجمع قدر الربعين من الحمل ولم ينقص منه إلا ما أكلا وابتل خاصة.
وقد كنت أيام نظري في الحسبة قد بايت جماعة من الشهود والأمناء في رحى لعمل قيمة الدقيق فجاء الطحان وكنس الرحى وأعده للطحن ورفع القمح في الغنص وخرج عن الرحى وذهب وترك صبيا مناهزا في سنه يتصرف بالرحى ولم يزل الصبي وعريانا في تشمير له وليس بالرحى شيء غير عدل فارغ مفروش إلى جهة كان الصبي يرجع إليه ويمتد عليه إذا أراد أن يستريح وحان وقت صلاة المغرب فخرجت لتجديد الوضوء وخرج من كان معى وتركت أحد ثقاتي بالرحى ولما لم ير غير ذلك الصبي الصغير احتقره وخرج بعدي لتجديد الوضوء كذلك وعندما رأيته وقع في خاطري أنه أتى علينا والقمح بالرحى فانتبهت على تركه إياه ورجعت إلى الرحى ولم أر به ما تغير وأشعرت الحاضرين بما اتفق
[ ٢٣ ]
لكن لم يمكنني في ذلك الحين اختبار شيء من ذلك وبقيت إلى أن كمل الطحين مع انصداع الفجر ووزن الدقيق فنقص من الوزن الأول نصف ربع واحد فوجهت عن المعلم وعرفته فتجاهل ووقف معي أنه لم يحضر واشتددت في ذلك عليه وعلى الصبي وعند ما ظن مني العزم على الإيقاع وتخيل ذلك منى قال للصبي: هذا أمر لا ينجيني منه إلا أن ترد ما أخذت فقام الصبي وكشف العدل عن حفرتين مملوءتين فأخذ وأوزن فكان نصف الربع الذي نقص.
ولقد حدثني من أثق به أنه رأى بقرية رجلا من أكياس الميارة الذين يبتاعون القمح ويسوقونه على دوابهم ويطحنونه بالأرحى ويجلبونه للبلاد ويعيشون من ذلك وقد وصل للرحى عنده بالقرية ولما رآه الطحان خرج عن الرحى وترك متعلما له هناك وأنزل الجل جله وشرع في الطحن وكان دربا بأمور الرحى ولم يمكن الصبي من شيء من أمورة ولا يحتاج إليه بوجه إلى أن كمل طحنه وضمه في عدله وأعطي للصبي أجر الطحن ورفع حمله على دابته وانصرف لوجهه ولحين ذلك دخل الطحان الرحى وسأل متعلمه عما تحصل له من دقيق المذكور أو قمحه فقال له: والله ما أمكنني من شيء ولا أحتاج إلي في شيء إلى أن كمل شغله ومضى بسبيله فلامه وانبه ثم شد حزامه على دراعته ولبس عليها جبة وأخذ منقاش الرحي وأزال عودة واشتد في إثر الرجل حتى أدركه على قدر ميلين أو ثلاثة وجعل يصيح عليه: قف علي فقد قتلتني بالجري، فوقف الرجل حتى وصل إليه وقال: خرجت عنك وتركت منقاش الرحى في الموضع الذي يقع عليه الدقيق فغرفته في جملة الدقيق فلم تشعر به فقال له الميار: ما هو إلا في الدقيق، وأنزلا معا الحمل بالأرض وفتح العدل الواحد وجعل يدخل يديه فيه ويحفر الدقيق يوهم أنه يبحث على
[ ٢٤ ]
المنقاش ويسقط كمه على العدل فيرفع يديه كأنه يزيل بذلك كمه وينصب الدقيق في كمه إلى موضع شد الحزام ثم أظهر أنه لم يجد في ذلك العدل شيئا وفعل بالعدل الآخر مثل ذلك ثم أخرج المنقاش وقال أليس هذا هو وخجل الرجل وتنصل من ذلك وحلف أنه لم يره ولم يشعر به وتركه وحمله وانصرف على نهاية الانحفاز حتى دخل الرحى وحل حزامه فسقط الدقيق الذي اجتمع في محزمه وكان أزيد من ثلث ربع واحد ثم قال للمتعلم هكذا يعمل الشغل.
وكذلك حدثني شيخ من البنائين قال: كان معى رجل يخدم وكان مقدورا عليه في رزقه ضيق الحال فغاب عني أياما ولم أعلم له مستقرا ولا وقفت له على أثر إلى أن لقيته يوما فسلم علي وسألته عن حاله ومغيبه فقال: حالي حسنة وسبب ذلك أنه كان لي صاحب طحانا بالأرحى فلقيته يوما وسألني عن حالي فشكوت له منها فقال اغد علي في الرحى التي أنا فيها لتقيم عندي يوما وتستريح من الخدمة، ففعلت ذلك ووصلت إليه وأقمت معه اليوم كله فلما كان من العشي أعطاني فوق كفايتي من الدقيق الذي جمع ورأيت ما صنع فجئته يوما آخر فغاب عن الرحى وتركني عوضه فعملت ما عمل وجمعت أزيد مما جمع وآل الحال بي إلى أن اتخذت رحى أخرى أنا فيها وسألتك بالله أن تصل إلي على وجه الفرجة فإن هنالك أنشاما مظلة وجداول جارية فأجبته إلى ما سألني وجئته وأقمت عنده بعض النهار فيما وصف وفي أثناء ذلك وصل إلى الرحى رجل يحمل قمح على بغلة ونزل وارتبط بغلته بخارج الرحي على مقربة منه ودخل الرحى يشتغل بطحنه وعند ما أنشب شغله وصاحب الرحى في ذلك كله معي وفي الرحى متعلم له فخرج ذلك المتعلم وحل ثقاف الدابة وسرحها ثم صاح
[ ٢٥ ]
بالرجل فقال له: ادرك بغلتك فقد ذهبت وخرج الرجل وعدا وراءها حتى لحقها ودخل المتعلم إلى الرحى ووصل الرجل بالبغلة وأوثقها ثم عاد إلى الرحى فسمعنا بينهما محاملة أوجبت أن دخلت عليهما وألفيناهما يتضاربان والرجل يقول: أخذ والله القمح، والمتعلم ينكر وفرقنا بينهما إلى أن كمل الطحن والرجل يقول: والله لقد ذهب نصف قدر ربع دقيق وقمنا عليه وقلنا إنما يظهر ذلك إذا وزنت، وانفصل الرجل مشتغل الخاطر، ولما تغيب عنا قال صاحبي للمتعلم اركي ما أخذت له، فأخرج قدر ثلث ربع واحد من القمح فقلت له: ومن مثل هذا عيش ولا تتقي الله وإن كنت الآن أرفه فقد كنت ترزق حلالا وتركته وذهبت فلم أرجع إليه بعدها إلى الآن ولقيته بعد ذلك فوعظته فقال لي: كذلك يفعل الكل في ذلك الشغل، وأما الباعة فقد تقدم الكلام في الموازين والصنوج ما فيه كفاية وبالله الاستعانة وعليه التوكل.
فمنهم عملة الخبز وباعته ويغش مفسدوهم بخلط المدهون في الدرمك والأحمر في المدهون والشعير بالنخال الدق والشنتية بالصلصال الأبيض ويصنعون الناقص بالقصد يوفرون على المعلمين ليؤثروهم بالاشتغال والمنفعة، ويحتج المعلم على المحتسب إذا اعتزله على التدليس أو النقص بأن يقول إنما أنا تاجر والعملة يفعلون ما شاؤوا فخذوهم بفعلهم، والعملة يوافقون المعلم على ما يفعلون من ذلك ينصبون أنفسهم للهوان والضرب بالأسواط ولا يبالون بشيء من ذلك وقد اتخذوه مهيعا متبعا.
ولقد رأيت واحدًا منهم يوما في معظم أيام البرد وقد تجرد وأعلى ظهره أحشن من الكف قد ملأ ظهره فسألت عن ذلك فقيل أثر السوط لكثرة ما ضرب وكان يجرد في صحن حمام عند ما خطر آخر من صناعته على أن يصب على رأسه من صهريج الحمام المذكور أربعين كوبا مملؤة ماء، كثيرا ما كان
[ ٢٦ ]
يواجر نفسه وترفع قيمة خدمته ليفعل ما شاء المعلم من تلك النقائص فإذا عثر عليه فيها وحضر عند المحتسب اعترف بما فعل ثقة منه بأن ضرب المحتسب لا يؤثر فيه، ولما علمت منه ما علمت جعلت عقوبته السجن وطولته عليه بقدر فعله فكان ذلك عليه أبلغ من الضرب وأردع له عن مثل ذلك الفعل ومن كان على ما وصفنا ما عسى أن يبلغ منه أسواط المحتسب إذا ضربه القدر المباح شرعا.
ويضطرون المحتسب إلى أن يقيم لهم القيمة بمحضر الشهود وذلك لما يرجونه من خدعهم له وتلبيسهم عليه وعلى من يخضر معه إذ ليست صنعتهم ولا الراذئل من أفعالهم وكان يتوصل إلى تحقيق ذلك بالحساب أو بمرة واحدة ثم ما نقص من السوم أو زاد عمل بحساب ذلك إذ مقدمات ذلك لا يمكنهم جحدها وذلك أن كل ربع من خمسة وعشرين رطلا أربعمائة أوقية والرطل ست عشرة أوقية ويطلع فيها بالماء الثلث الواحد وذلك مائتا أوقية فيكون الربع عجينا وسطا طيبا على ما يجب ست مائة أوقية وإذا كان المحتسب قد عبر على الدقاقين الدقيق حتى كان ثمن الربع معلوما ووزنه معلوم ويبايعه الناس معهم على ذلك فما المنفعة في تعبيره مع الخبازين إلا زيادة التشغيب وطلب التلبيس والتماس الغفلة لينتهز الفرصة لأنهم يكثرون الغبار ليقل الإصداق ويزيدون في عدد العجانين لتزيد الأجرة ويقللون الماء لينقص الإصداق فيسمونه العجين القاسح فإذا أفرغوا من شغلهم مع المحتسب حطوا من العجانين ونقصوا الغبار وزادوا في الماء وأربحوا لمعلمهم ما يتوفر من ذلك والقليل في الكثير كثير.
ونذكر في ذلك مثالا جارت العادة به بينهم ما لم يفرضوا التعبير مع المحتسب وهو أن يأخذوا قنطارا من سوم ما يبيعه الدقاق وقيمته الآن ثلاثون درهما
[ ٢٧ ]
وأواقيه ألف أوقية وستمائة أوقية ويطلع فيه ثمانمائة أوقية فيكون عجينا ألفي أوقية وأربعمائة أوقية ويلزمه في العمل ثلاثة عجانين بدرهم ونصف ورفاد بثلاثة أثمان درهم ووقاف بنصف درهم وملح وماء بنصف ثمن درهم وحطب بخمسة أثمان درهم ويجتمع في ذلك ثلاثة وثلاثون درهما ونصف ثمن ويعطي لهم ربح ذلك بحسب نظر المحتسب وأقله ما يؤخذ بالأسواق في حسب الدينار وإن وسع عليهم قليلا وطلبهم بالطيب عملا وطبخا كان حسنا وإذا جعلنا المؤن ستة دراهم وقسمنا على الستة والثلاثين درهما أواقي عجين القنطار كله وجب لكل درهم منها ست وستون أوقية ولكل ربع درهم واحد ست عشرة أوقية ونصف ويفضل شيء يسير يتجافي عنه لنزارته وينقص من ذلك في الطبخ أوقية ونصف فيبقي خمس عشرة أوقية مطبوخة بربع درهم واحد.
ويغش الوقاف في طبخ الخبز بأن يحط من الحطب فيه عند التعبير فلا يحمي قعر الفرن ولا يعتدل هواؤه ويترك الخبز فيه فيجف ماؤه ويتنقص وزنه وإذا كان في غير التعبير زاد في الحطب وعدل هواء الفرن وقدم جهة اليمين منه لبعده من النار فإذا كان الخبز مفتوح اليد مقبطلا حسن الصنعة وروح بعضه عن بعض في الفرن وتركه المدة التي يحتاج فيخرج الخبز حسن المنظر مطبوخ الأعلى والأسفل رطب الفتاتة، وإذا أجيد عجين الخبز وعتق تمد فتاتة فتمتد وقد كان بعض المحتسبين يختبر ذلك بأن يدخل مسلة الحديد بخيط الصوف فينفذ الخبزة بها من القعر إلى الوجه فإن خرجت فتاتته في خيط الصوف كسر الخبز لقلة عجنه وإن لم يخرج في الخيط شيء فطيب فذلك الطيب المراد.
ويصدق القفيز السبتي وعدد أقداحه أربعون قدحا من القمح العامري إذا
[ ٢٨ ]
كان أملس رقيق البشرة مغلوق القناة يابسا بطرحه للطحن أربعة وخمسين ربعا ويحتمل من الماء للدرمك قدر ستة أرباع وهذه الغاية، ويصدق ما هو على غير تلك الصفة دون ذلك، ويصدق الأحرش الضعيف الجرم المفتوح القناة يابسا بطرحه للطحن من ثمانية وأربعين ربعا إلى خمسين ويحتمل من الماء للدرمك قدر ثلاثة أرباع خاصة، وإذا طحن حملان إثنان من القمح للدرمك وزنها أربعة وعشرون ربعا والطرح فيها زائد بحساب رطل واحد للربع كان الدرمك الطيب منها الغاية في الطيب عشرة أرباع والدقائق ستة أرباع والقراشيل خمسة أرباع يخرج منها ربع واحد وهي السميدة الدقة والنخال ثلاثة أرباع وما يخرج أيضا من الدرمك إثنا عشر ربعا ويكون في الطيب دون الأول بحسب ما يزيد على العشرة الأرباع.
ويحتمل القفيز من القمح من الماء عن المدهون قدر ربعين ويكون الدقيق المدهون مغربلا واحد وأربعين ربعا والقراشيل ستة أرباع والنخال خمسة أرباع، وهذا الطرح الذي يجعل للرحى ليس حقيقا إنما هو شيء يؤكل لأن الرحى لا تغير إلا إن يكون الحجر رقيقا قد بقي من جرمه الثلث فدون إلى الربع وأقل ويكون الماء كثيرا لكن جعل ذلك تقية من فعل الطخان وهو رطل في المبلول ورطل غير ربع في اليابس.
ويلزم طريحة الدرمك أجرة الطحن والسماد والغربلة قمحا ودقيقا ويلزم المدهون أجرة الطحان والغربال قمحا ودقيقا، وربع دقيق الشعير يصدق ربعين عجينا وربع دقيق الدرة يصدق إصداق القمح عجينا، وربع دقيق الشنتية ثمانية وأربعين رطلا، ودقيق العدس والجلبان والفول يحمر وجه الخبز، ودقيق الحمص والأرز يثقلانه وينفخانه، وكثرة الملح في الخبز يثقله في الوزن ويوفيه للتقليب فيظهر للتقليب، والنظرون فيه يطلق البطن ويولد العطش ويورث البواسير،
[ ٢٩ ]
وكثرة الخمير فيه يعجله للطبخ لئلا تشد به فينتقص طرحه، وترك الخبز دون تغطية لتشده الريح وإن غطي يلقي كمال العمل والطبخ الحل، وتركه صفا واحدا دليلا على لين عجينه وذلك كله دلس وغش يغير طعم الخبز ولونه، وربع سميد يصدق إطربه يابسة طيبة ستة وعشرون رطلا.
وشأن المحتسب مع هؤلاء الأصناف الموالاة في البحث والتفقد في غير وقت معلوم ويمسك عنده غربالا قد اتفق عليه عند الوقوف على التعبير وعملة القيمة يماثل غرابيل الدقيق يختبر عليهم مخافة أن يتركوا المتفق عليه ويعمل بغيره ويدعي الفاعل العمل بما اتفق عليه، وكذلك عمود وميزان وصنوج وعمارة أكيال ودور دوم للاختبار فمتى وجد شيئا على غير قاعدة نكل فاعله، ويأخذ عملة الخبز بغسل معاجنهم كل يوم وغسل مناذيلهم وتثقيفها بالليل فقد وجدوا فيها يرقدون، ويمنعهم من العمل قبل الفجر لما يمكن في ذلك الوقت من قلة التحفظ لحدثان القيام من النوم ويبعثهم على الاغتسال في أكثر الأوقات وغسل رؤوسهم ولا سيما في فصل الصيف وكذلك أواني مائهم.
ويأخذ المعلم بكل ما يجد من الفساد في شغله من غش ودلس كالناقص واللين العجين والني واللطيف الدقيق وغير ذلك فإنه لا يعمل إلا ما يقول ويعاقب مع الفاعل له لكونهما مع الفعل سيان ويلزمه مع ذلك ضمان العملة ليكون المطلوب بإحضار من جني منهم أو دلس والسبب الموجب لنكاله إن عجز من ذلك، وكذلك عملة كل معلم في أي شغل كان ليأمن الناس بوائقهم.
ويأخذ باعة الخبز بأن يتخذوا موزاين على رؤوسهم ليختبروا بها الخبز بالوزن إذا وصلهم فإن وجدوه وازنا باعوه وإن كان ناقصا تركوه لمن عمله، ومن باعه منهم
[ ٣٠ ]
وعثر عليه فقد تعرض لبيع المسروق وقامت الحجة عليه واستحق العقوبة، ولا يتركهم يبيعونه في دكاكين عالية لما عثر عليهم فيها من أن الناس يعطونهم الدراهم أو غيرها فيصرفونها عليهم نحاسا ولا يرى الناس صورة غرسهم لذلك عليهم لعلو مجالسهم من مواقف الناس للشراء والبيع وأيضا فإنهم يدسون من البارد مع السخن ويمشوا به للناس وكذلك الناقص الطبخ والمحروق أيضا ولا سيما لمن يأخذوا جملة.
ولقد كان بعض المحتسبين يأمر بائع الخبز أن يقسم كل خبزة فيها أثر حرق أو اعوجاج من جهة التشميم حتى لا تباع إلا أنصافا، وكذلك ينبغي أن يلزم عملة كل نوع من المأكولات ألأا يتصرفوا في شيء من أشغالهم عمل الخبز أو الأظرية أو الأطباخ إلا أن يكونوا بالتشامير ملبوسة لتجفف العرق وينظفونها بالغسل مع الأيام.
مثال لإقامة المجبنات، ربع جبن بستة عشر درهما ، نصف ربع دقيق بستة دراهم ، ربع الربع من الزيت ، أجرة قطاع وعجان وكراء الحانوت وثمن حطب ومعلم ، الجميع ، والإصداق أرطال
مثال لإقامة هريسة الشحم، نصف كيل قمح ، رطلان من لحم ، حطب ، درس ، نصف رطل شحم ، الجميع ، الإصداق .
مثال لإقامة هريسة القمح، قدح قمح ، درس ، حطب ، مؤنة ، كراء ، معلم ، الجميع ، الإصداق أرباع ستة.
مثال لإقامة المركاس، رطل لحم ، رطل عن ربع من شحم ، إبراز وثوم وملح ، خل ومري وماء للسقي ومصران ، الجميع ، الإصداق رطلا،
[ ٣١ ]
مثال لإقامة الأحرش، رطل لحم ، إبراز وثوم ، ماء للسقي رطل، الجميع ، الإصداق بعد القلي أربعة أرطال بالصغير.