في باعة العبيد والخدم
أما هؤلاء فقوم خطبهم جليل، وأمرهم ليس بالمختصر ولا القليل، وذلك أنهم يتصرفون بين الأنساب والأموال، ويأتي مفسدوهم بما لا يقتضيه الشرع ولا
[ ٤٧ ]
تعزه نفس مؤمن ولا ترتضيه بحال، ولهم في شأنهم خدع ومكر يعاملون الناس بها ويداخلونهم بحسبها.
منها أنهم ينصبون بسوقهم امرأة يسمونها الأمينة توافق في النكر مذهبهم وتشهد في استبراء الخدم بمقتضى مرادهم وبحسب ما يعطي مشتريهن ويقصد التعجيل بالاجتماع بهن وتفهمه من غرضه فيهن، وكذلك في إخفاء العيوب والترك للتعريف بكنهها حتى تمكن الحيلة فيها والتدليس بها، ويتوصل المفسدون بمشاركتها إلى ما لم يكونوا يقدرون عليه دونها، وذلك أنها تحمل المرتفعات مزينات معطرات إلى ديار من يطلبهن باسم الشراء ويوهم بإرادة التقليب والاختبار ولاسيما ذوات الصناعات منهن وتقيم يومها بهن لاختبار صنعتها فيعطيها على وجه الشكر لها والجزاء على تهمهما مع أن لها أجرة على البيع والشراء إذا كان يوضح لها في العطاء بحسب ماليته وشرهه في إرادته ويستعد الطعام والشراب بالأربع والخمس منهن وما تقتضيه الصنعة المطلوبة فيهن ويقمن على ذلك.
ولقد أفصح لي أحد من فعل معه هذا بشيء يجب التنزه عن ذكره واستدعاني يوما رجل له دنيا وكلفني بداره كتب عقد جارية من المرتفعات اشتراها فسألته عن استبرائها فلم أجده ولا البائع منه يعرف حكم ذلك فقلت لهما لابد أن توقف للاستبراء عند ثقة من النساء تتفقان عليها أو عند رجل من الثقات أهل الدين والأمانة تكون عند أهله إلى أن يتحقق استبراؤها فقال المشتري تقول لي شيئا والله ما سمعته قط ولا عمل معي وإنما عادتي اشتري بالمعرض الخادم وأبيت معها ليلة ذلك اليوم فانفصلت وتركتهما.
وحدثني رجل من الصناع لم أزل أعرفه بخير وانتماء إلى دين، فطلبته يوما في دكانه الذي كان يلازمه لعمل الصناعة وكان سراجا فأخبرني من كان في
[ ٤٨ ]
الحانوت أنه غاب في ذلك اليوم عند رجل من أهل الثروة في عمل الشغل له في داره فلما طلع النهار اختطرت عليه فوجدته في دكانه وعرفته بما اتفق لي في طلبه وما عرفت به، فقال كان ذلك وعاهدت الله ألا أعمل لأحد عملا بعد يومي هذا إلا في دكاني لما رأيت، فأشفقت مما سمعت وسألته عن أمره فقال لي: إني كنت أعمل في برانية دار للرجل حتى دخل علينا فلان من مفسدي هذا الصنف المذكور ولم أظنه على ذلك فقال له صاحب الدار: أين الخادم التي ساق لك فلان للبيع، فتجاهل له وقال لا أعرف ما تقول، فقال له: هي الكاملة القد الحالكة البديعة الصورة الحلوة الشكل وكيف تجحدها وقد وصفت لي وعرفت بها، فقال له: وبعد هذا ما تريد قال أريد أن أراهان ثم قام إليه وساره فسمعته يقول له: خمسة دراهم تعطيني والله وحينئذ أسوقها لك، وأعطاه صاحبه الذي طلب ثم خرج عنا وغاب قليلا وجاء بخادم سوداء على النحو الذي وصف قد التحفت بكساء أبيض محشي بالأحمر وجود مثلها نادر، فقال له هذه وأشار لها إلى غرفة بالبرانية المذكورة فطلعتها وطلع صاحب الدار بعدها وخلي بينهما ومشي لوجهه فعجبت من فعلها وجمعت أسبابي وخرجت والتزمت ما التزمت.
ومن غشهم وحيلهم أنهم يبيعون نوعا منهم على نوع وصنفا على صنف، وقد تكلم الناس في المماليك وأصنافهم وصورهم وأخلاقهم وما يصلح له كل نوع منهم وخاضوا في ذلك كل خوض وقالوا: الخادم البربرية للذة، والرومية لحيطة المال والخزانة، والتركية لإنجاب الولد، والزنجية للرضاع، والمكية للغناء، والمدنية للشكل، والعراقية للطرب والانكسار، أما
[ ٤٩ ]
الذكور فالهند والنوبة لحفظ النفوس والأموال، والزنج والأرمن للكد والخدمة ومعها العطاء والترك والصقالبة للحرب والشجاعة.
والبربريات أطبع الخلق على الطاعة وأنشطهم للعمل وأصلحهم للتوليد واللذة وأحسنهم للولد، وبعدهن اليمنيات ويشبههن العرب، والنوبة أكثر الخلق إذعانا للموالي وكأنما فطروا على العبودية وفيهم السرقة وقلة الأمانة والهنديات لا يصبرن على الذل ويرتكبن العظائم ويسهل عليهن الموت، والزنجيات أشد خلق الله وأجلدهم على الكد وفيهن صنان يمنعهن في الغالب من اتخاذهن وفي الأرمنيات الحسن والبخل وقلة الانقياد وخاصة القرصاريات تعود الثيب كالبكر.
وحكي عن أبي عثمان رئيس النخاسين بالمشرق والشأن إليه هنالك لكثرة الخبرة والمداولة على القوم أنه كان يقول: إذا وجدت المرأة بنت تسع حجج كتامية الأم صنهاجية الأب مصمودية المنشأ قد جلبت إلى المدينة وأقامت بها ثلاث حجج وبالعراق عشر حجج فتلك التي جمعت حسن الجنس إلى كمال القصد وقليل أن تخفي في أجفان العيون.
ومن حيل المذكورين فمنها أن يتخذوا غمرة صفتها باقلا نقع في ماء البطيخ ستة أيام ثم في لبن حليب سبعة أيام يحرك اللبن في كل يوم ويغمرون به وجه الدربة اللون فتعود بيضاء.
ويدخلون السمراء اللون في أبزن قد وضع فيها ماء الكروبا حتى تلون وتقيم فيه لأربع ساعات من نهار فتخرج عنه وقد صارت ذهبية.
ويحمرون الخدود بغاسول صفته: دقيق الباقلا وكرسنة خمسة أجزاء، ومن عروق الزعفران وبورق وحناء من كل واحد ربع جزء ويغمر بذلك.
[ ٥٠ ]
ويدهنون أوجُه السودان وأطرافهم بدهن البنفسج والطيب فتحسن بذلك، ويسودون الشعر بدهن الآس ودهن قشر الجوز الرطب ودهن الشقائق ويغسل من ذلك بطبيخ الأملج، ويجعدون الشعور بالسدر والآس والزادرخت.
وينقون البدن من الشعر بالنورة وبعدها ببيض النمل أو بدهن قد طبخ فيه ضفادع خضراء أو عضاية أو مرارة الأرنب ويغسل بالشب والبوزق والعفص.
ويسمنون الأعضاء الهزلة بالدلك بالمناديل الخشنة والأدهان الحارة والطلي بالعاقر قرحا.
ويطيبون الصنان بأن يأخذوا مردا سنجا مبيضا ويتجن بماء الورد ويتخذ أقراصا وتدفن في الورد حتى تجف وترفع إلى وقت الاستعمال، ويستعملون لذلك أيضا التوتية المغسولة مدقوقة منخولة بماء وملح ثم بماء ورد وكافور وتتخذ ذرورا وتستعمل، ويصنعون لذلك أيضا أقراصا من ورد أحمر ومسك وسنبل وسعدي وشب وتستعمل عند الحاجة بماء الورد.
وينعمون الأطراف الخشنة بالدهن والشمع واللوز المر ولخلخة بماء الورد ودهن البنفسج، ويغمرون النمش والوشم بغاسول مصنوع من عروق القصب واللوز المر والكرسنة والباقلا وحب البطيخ معجونا بالعسل.
ويغرزون في مواضع البرض بالإبرة ويخضبون عليه القلقديس والعفص والزنجار من كل واحد جزءا معجونا بماء ولبن التين أربعة أيام في الشمس فيبقي مصبوغا أربعين يوما ويغسلون ذلك الخضاب بخل وأشنان مغلي أو بماء القلي. ويزيلون الكلف من البدن بمعجون من الشونيز وأصل قثاء الحمار وورق الخبازي وبزر الجرجير وأصل الكرم والعسل.
[ ٥١ ]
ويغسلون الأبدان خوف القمل بالبورق وميويزج وماء السلق ودردي الشراب والصابون، ويزيلون رائحة الأنف بسعوط من دهن المرزنجوزش والبنفسج والنيلوفر والياسمين، ويزيلون الشعت من أصول الأظفار بغسلها بالخل والعسل والمرتق وبدهن الورد واللوز المر.
ويجلون الأسنان بالسواك والأشنان والسكر.
ويطيبون الجسد بالصندل والورد والمرتك المربي بماء الورد وبالبخورات، والثياب بالذرور المطيبة. ويطيبون الفم بمضغ العود الرطب والكزبرة والفول وقشر الأترج.
ويستعملون في الثيب قلوب الرمان الحامض والعفص معجونين بمرارة البقر ويحتملنه فيصرن كابكر.
ويصيرون العين الزرقاء كحلاء بأن يقطر فيها ماء قشر الرمان الحلو.
ويصبغون البياض الذي على ممو العين بأن يقطر فيها لبن أتان حارا
ويخفون الحمل بأن يطرو الدم الكاذب المصنوع من الصمغ ودم الأخوين إن لم يمكن أخذ دم الحيوان، ويختبر حمل المرأة بأن يوضع تحتها بخور أو عنبر ويمنع أن يخرج من أردانها أو على ثيابها فإن ظهرت الرائحة على فيها فهي حامل وإن لم تظهر فليست بحامل، وقيل أمر عجيب إن صح ولا أعلم كيف ذلك وهو أن يقدر بخيط من وسط سرة المرآة إلى وسط الفقارة المحاذية لها من ظهرها ويعلم المكان بمداد ويدار القياس إلى الجانب الثاني من الموضع إلى الموضع
[ ٥٢ ]
فإن نقص الخيط من الجانب الأيمن عن العلامة فهي حامل بذكر وإن طال فهي حامل بأنثى والله أعلم بذلك.
ومن وصاياهم لهن أن يتبرجن ويختفين للمشترى تارة وتارة ويسلبن المبتاع والنافرين بطبائعهم عن النساء ويتمشين على الثياب وينكسرن لهم ويتمنعن عليهم فإن في ذلك هلاكا للقلوب، ويلبسون الجواري البيض الألوان من الثياب الشفافة والموردة، ويلبسون السود الفلافل الحمر والصفر.
وأحسن الربايات للأطفال النوبة لأن عندهن رحمة وحنينا للأطفال، والمختار في الظئر أن تكون صحيحة الجسم حديثة السن معتدلة المزاج مائلة إلى البياض مشربة حمرة ويقطر لبنا على الظفر فإن صار كالعدسة لا غليظا متينا ولا سائلا مائعا طيب الرائحة أبيض اللون كان جيدًا.
ويختبر الطباخة بالاسفيدياج فإن أبازيره كثيرة وتسود مرقته وحكمه أن يكون أبيض، وشرطها طيب العرف وجودة المزاج فإن زاد على ذلك جودة الصنعة وسرعة العمل فهي غاية الأمل وقل ما يتفق انطباعها في البوارد والشواء والطبخ والحلواء وأصنافها كثيرة.
ومما يقرب من ذلك أيضا لتطييب الغم وقطع الروائح بسباسة، من سعدي جناح، ماء ورد، قرنفل، من كل واحد جزء وصمغ عربي جزءان، يحل الصمغ بماء الورد وتلقي الأجزاء المذكورة فيه مسحوقة منخولة ويتخذ حبوبا كحب السعال وتجفف وتمسك في الفم واحدة بعد واحدة، قد نظم ذلك لئلا يضيع:
من وبسباسة وسعدي إلى جناح وماء ورد
يلفها الصمغ إن تلاه قرنفل الهند نظم عقد
[ ٥٣ ]
أجزاؤها كلها سواء والصمغ جزءان لا تعد
فيها لذي خفة أمان إكرام نفس ورد صد
ومن خدعهم المشهورة، وحيلهم المذكورة، أن لهم نساء شاطرات ذوات حسن فائق، وجمال رائق، يحكمن اللسان الأعجمي، والزي الرومي، فإذا وقع لهم من غير بلدهم من يطلب جارية حسناء قريبة العهد بالجلب من بلاد الروم بعده بقرب وجودها ويطمعه بتأتي قصده فيها ويسوفه في أمرها ويشوقه إليها حتى يحضرها له على أنها نضو سفر وحديثه عهد بالجلب وقد أعد لنفسه مشاركا في حالها يزعم أنه مالك رقها ومستوجب حقا اشتراها بالثغر الأعلى وأغلى في ثمنها اغتباطا بحدث جلبها وقصد الإغراب بها فإذا أكملا بيعها اقتسما معها ثمنها وخرج مشتريها بها إلي موضع استيطانه فإذا رأت منه ما ترضاه اغتبطت بمكانها منه وطلبت منه أن يعتقها ويتزوجها، وإن كان غير ذلك صرحت بالحرية وأظهرت عند حاكم البلد التي تكون فيه من عقود مسترعاتها وغيرها ما يوجب حريتها وينصرف المذكور بعقد اشترائه إياها وما حكم عليه به ف يحقها ليرجع بثمنها على بائعها فينكر النخاس أن يكون يعرف لبائعها مستقرا ويقول: كان معلوم العين كثير التجارة والجلب للخدم الروميات وغيرهن، فيخفق سعي المذكور ويخسر ماله.
كما اتفق لرجل من أهل مدينة البيرة حلف على ترك التزويج بالأندلس يمينا لم يجد لها مخرجا فتوجه إلى قرطبة وهي إذ ذاك حضرة الأندلس دار الملك وقاعدة العلم واشترى بها جارية لم يكن يرى الراؤون مثلها بعجة وجمالا وأركبها بغلة له وأوطاها ثوب ديباج وألبسها ثوب حري طرازيا كانت نساء ملوك الأعاجم إذ ذاك
[ ٥٤ ]
تلبسه وهي لا تفهم عجمتها إلا بواسطة تعرف من ترجمتها إرادتها وسار بها وغلامه يزجي بغلتها لا تعلو نشزا ولا وعرا ولا تشتط واديا ولا وهدا إلا ويزداد فرحا بها وسرورا بحالها لما يرى من تعجبها مما تراه بالطريق من رفع وخفض وطول وعرض حتى وصل بلده واحتاط لدخولها بالنهار وأنزلها جنة له خارج المدينة إلى أن انسدل جنح الظلام فأدخلها المدينة وقد نهض بفرسه من أمامها يقصد داره المعدة لنزولها ومقامها، وكان بربضها رجل قفاص كانت له خلطة مشهورة وفتكات مذكورة إلى أن تاب وكبر سنه وصار مفردا يسكن حانوته ولانفراده في مسكنه وضيعة حاله ووطنه كان كثيرا ما يسهر لضوء السراج داخل الحانوت أو القمر خارجه، ولحين ما رأته حملتها عادتها معه على الطنزية والتوقيح معه إلى أن قالت له: الشيخ السوء يعيش فرفع رأسه إليها وقال لها فلانة أوقد جئت، وسمع الغلام ذلك فعجب من فصاحة لسانها وبرع كلامها ولما وصلوا إلى الدار أخبر مولاة بما اتفق فسقط في يده وأشفق من تلاف ماله وخسارة صفقته ووجه من أهل مودته إلى القفاص يسأله فقال: وهي إلا فلانة الشاطرة خدينة الخلطيين وصاحبة الفتاك المنقطعين، ولما تقرر ذلك لديه عظم الأمر عليه وجعل يرتاد كيف التخلص منها والزوال عنها وعندما شعرت بما ثبت لديه من أمرها وتقرر عنده من عادتها وفجورها قالت له: لا عليك مما نهى إليك إن كنت تخاف على مالك احملني إلى المرية تأخذ الزائد على ما وزنت، وكانت المرية إذ ذاك مخط السفن ودار التجار والمسافرين فاعتمد مقالتها ولزمت زيها وحالها حتى ورد بها المرية وباعها بأزيد مما دفعه ثمنا فيها ولولا براعة رئيها وكمال حسنها في حالتي مسراها ومثواها كان المسكين قد خسر واعتاض بالأيمن من الخطر.
[ ٥٥ ]
ويفعلون في الذكور السمر الألوان مثل ذلك ويقسمون معهم أثمانهم ويفرون لمشتريهم من البلد الذي اشتراهم فيه إلى بلد آخر لأمثال بائعهم فيبيعونهم في ذلك البلد ويقسمون أثمانهم كذلك معهم.
ومن خدعهم أيضا أن يشتري أحدهم من صاحبه بربح يقتسمونه بينهم ثم يبيعون ذلك المشتري مرابحة من أجنبي بربح زائد يقتسمونه أيضا بينهم ويزينون ذلك لمشتريه ويصفون بائعه بالاضطرار إلى بيعه وأنه لولا ذلك لم يكن أمر يحلقه إليه لاغتباط مالكه به وذلك كله غش ودلس.
وشأن المحتسب مع هؤلاء أن يقدم أمينة من ثقات المسلمين الخيار أهل الدين والمروءات يؤمن عليها مكر ذلك الصنف من النخاسين وخدعهم ويمنعون من أمهانها كل الأحيان قصد الإدلال عليها وتمكن الحيلة في خدعها تكون الخدم عندها تشاهد أحوالهن ومناقلها وتعرف بصحيحها من معتلها ويتقدم إليها ألا تحمل جارية من المرتفعات إلى دار أحد للتقليب والاختبار إلا أن يكون سيدها يتناول ذلك بنفسه أو يحضر لذلك مع مشتريها بدار الأمينة المذكورة أو غيرها، ويمنعون من تسويق المرتفاعت أو خدم يصلحن للاتخاذ إلا في ستر وبمحضر سادتهن والتجار المعينين المعلومين بالتجارة فيهن، ويختبرن فيما يدعين أنهن يحسننه من أنواع صنائعهن.
ويؤمر النخاسون ألا يبيعوا لغير مشهور بالعين والاسم مملوكا أو مملوكة إلا بأن يعطي ضامنا بلديا معروفا بالعين والاسم ولا سيما الغرباء الذين يحملون المماليك من البلدان، وأن يباحثوا العبيد ويسائلوهم لما يخاف في ذلك كله من أن يكون العبد مسروقا، أو يكون له أهل يمكن هروبه إليهم، أو يكون حرًا قد استعبدوا معدا للموافقة، أو يكون للأنثى زوج أو ولد، أو يكون لواحد
[ ٥٦ ]
منهم عيب خفي يختفي، ولا يبيعون صبيا ولا صبية من أحد من أهل الذمة اليهود أو النصاري إلا أن يكونا مع أمهما من تهودهما، ويؤخذون بتفقد ألوان العبيد فإن كان اللون حائلا يدل على علة في الكبد أو الطيحال أو المعدة أو البواسير ينزف منها الدم، ويتفقدون أيضا مواضع البهق من أبدانهم فإن لونه في الابتداء أبيض وأسود وكذلك القوباء فإنها خشونة تظهر في الموضع ثم تكبر وتنمي، وإن كان في موضع من المملوك ما يشبه الشامة والوشم أو أثر جرح برئ أو كي فيبحث عليه ويدخل الحمام ويغسل بالماء الحار والبورق والخل ثم يتفقد بعد ذلك فإن كان كيا أو وشما ظهر من حينه وذلك حذرا من أن يكون أبرص قد كوي عليه أو وشم وضبغ عليه بذلك لأنه يخاف ظهوره مع تطاول الأيام واتساع البرص عن موضع الكي والصباغ.
ويختبرون أيضا ذكاء سمعه وحال كلامه وعقله وشعر رأسه وجلدته وصفاءها وجرحاته وسعقته إن كانت به ومبلع حدة نظره وصفاء بياض عينه فإن كدرته وظلمته منذرة بالعلة الكبرى والصفرة علامة علة الكبد والعروق الحمر الكثيرة في العين هي السبلة فيها، ونقاء أجفانه وسهولة حركتها، وتغمر ماء في عينه فإن سال منها رطوبة دلت على ناسور هنالك، وحال أنفه وفمه خوف البخر وزغب حواجبه وبحة صوته وحمرة وجهه وشدة أسنانه وقوتها وهل فيها حركة أو تحفر وهل في عنقه أثر جرح لئلا تكون خنازير، ويستلقي على ظهره ويجس بطنه ليظهر فيه فتق إن كان معه ويغمز على موضع كبده وطيحاله هل يتألم أم لا، وتنظر قوة وطئه في المشي وصلابة عصبه في شدة أم لا، وتقاس إحدي يديه بالأخرى وكذلك رجلاه لئلا تكون إحداهما أطول من الأخرى
[ ٥٧ ]
لكسر أو فك أصابه قديما، ويحلفون بأيمان مغلظة عليه أن لا يكتموا عيبا دقيقا ولا جليلا ولا يخفون مما يطلعهم البحث عليه والعلم منهم به كثيرا ولا قليلا ويحرص في ذلك كله على أن لا يستعمل للمسلمين إلا للخيار ولا يقلد في أمورهم إلا الثقات الأبرار والله المستعان ومنه التوفيق لا رب سواه.
أما الجلاسون للتجار بالأسواق فقوم أكثرهم يستبيحون في معايشهم ما منعه الشرع ونهى عنه الرسول ﷺ، فمنهم من لهم حوانيت للتجارة ودلالون بين أيديهم يقسمون معهم الأجرة فيما يبيعون مياومة الدلالون، وربما اشترى عن بعض تلك المبتاع وقسم الأجرة فيه ثم عرف بالشراء.
ومنهم من يجلس للنجش ويصل التجار المسافرون فينزلون بين أيديهم والدلال بين أيديه فيأخذ الجلاس السلعة وينظر إلى الشراء الذي فيها برشم التاجر ثم يمحوه ويزيد عليه عددا ويقول للسمسار: نادي بكذا فينادي الدلال بما أمر به ويذهب ويرجع ويقول ودرهم ودرهمان وقيراط ويزيد الجلاس مثل ذلك حتى يرى الدلال أن ليس معه من يزيد أكثر والجلاس ليس من صنعته الشراء إنما يريد نجشا للتاجر فيقول اكتب فيكتب على الذي زاد فيها وقد ربح التاجر بذلك العمل كثيرا، وإن غفل الجلاس وزاد وأعيى ولم يجد الدلال على من يكتبها بذلك السوم تركها الدلال لمناداة يوم آخر، وكذلك يفعلون بالمصبوغ ويستخرجون له البراءات التي يكتبها التاجر بأسوامها التي هي عليه بها ويعمل فيها على مثل ذلك وقد شاهدت ذلك بجماعة منهم مرارا.
ومنهم من إذا رأي كساء أو سلعة يظهر له فيها رخص في شرائها على التاجر غمز
[ ٥٨ ]
الدلال وقال اكتبها على الحانوت، فأخذها الجلاس لنفسه بالنقص وقد يفعل ذلك الدلال ويتركها في بعض الحوانيت حتى يكتب باسم من يقول فيأخذها لنفسه رخيصة عن غيرها وقد رضي التاجر ببيعها لربحه فيها بحيث رخص شرائها.
ومنهم من يجلس لشراء الخام للتجار ويدفع له البضائع ويجمع بداره الأموال للشراء فيشتري يومه فإذا كان بالعشي نوع مشتراه وأخرج لكل تاجر مذهبه في نوعه وما ظهر عليه أثناء ذلك من بيعة رخيصة القيمة مصوابة العمل جعلها لنفسه ناحية ودفعها لقصاره ويدفع من أموال التجار فيها حتى تنم قصارتها ويبيعها ويستأثر بها بفائدها ولم يكن فيها مال لنفسه.
وأما الجلاسون في الدكاكين للتجارة فقد شاهدت من متحيلهم مرارا بالأسواق عجبا وذلك أن الواحد منهم يكتري حانوتا ويفرشها بالحصور ويقعد عليها فيه ويشتري السلع التي تباع بالتقاضي وبالتأخير إلى أجل ويستكثر حتى يملأ حانوته من السلع ويبيع منها ما سهل عليه بيعه ويعامل ولو بأقل من ثمنها حتى تنقلب أعيانا ويغيب ويمسك لنفسه مما يقتضيه من أثمانها مائة دينار أو مائتين بحسب ما تكون السلع بحانوته من الكثرة والقلة ويترك الباقي في الحانوت ويزيد في كل سلعة منها مثل ربع سومها أو أزيد ثم يغيب ويوجه إلى أمين السوق من يذكر له أمره ويقول له: إن الرجل كان جهولا وبالأمور وبرح عليه الدلالون ولم يعرف أسوام السلع وأغلوا عليه ومكروا به والرجل قد حار وله عيال وأطفال فانظر منه لله تعالى وترى سلعة في حانوته لم يأكل لأحد شيئا، فيجمع الأمين أرباب الديون عليه من التجار ويعرف بذلك كله ويبين
[ ٥٩ ]
لهم ما وصف له عن حاله ويفتح الحانوت وينظر إلى سوم السلع ويختصر بالتجميل فيماثل ما عليه، فلا يشك أحد في إحقاق ذلك ويرضي التجار قسمة السلع بأثمانها المسماة ويبرأ الرجل من الديون وتهون زوجته ذلك على التجار بأن تلزم كراء الحانوت لباقي مدة زواجها، ويخرج الرجل من مغيبه وقد حصل من أموال الناس رأس مال عنده فبهذه الحيلة يتجر بها في الحانوت بعد أن يشهد على نفسه بعقد أنه بيده لزوجته المذكورة على وجه السلف من ممن أسباب وأثاث باعتها أو من غير ذلك من الوجوه الشرعية إلى غير ما وصف أيضا من الحيل.
وشأن المحتسب مع هؤلاء أن يمنع التجار أن ينزلوا إلا على يدي دلال لا على يدي جلاس لأن الجلاس ناجش والنبي ﷺ قد نهى عن النجش، والدلال ينادي ويطلب الزوائد والتاجر يبيع والمشترى يبتاع ويبتغي الربح ويسقط للجلاس بذلك ما يجوز فيه للتاجر فيكتبه على نفسه برسم الحانوت لكونه أعرف بسومه من التاجر الجالب له وذلك هو سبب النهي عن بيع الحاضر للبادي.
ويأخذ التجار بأن لا يرشموا أشرية سلعهم فيها ويجتهدون لأنفسهم ويبيعون بما قسم الله ليرتفع بذلك ما صنعه بعض جهلتهم حين رأوا فعل الجلاسين معهم فرشموا سلعهم بأزيد مما اشتروها به ليزيد الجلاسون في بيعها من ذلك الحد وذلك منكر لا يصلح وقبيح لا يحسن.
ويأخذ أيضا بائعي المتاع الخام والمقصر بأن يسوق الدلال على الحوانيت ويشتري التجار بقدر اجتهادهم ويزول عن الجلاس بذلك مما يتوصل به إلى أكل أموال الناس بالباطل وذلك حرام وقد نهي عنه ومنع الشرع منه، ويتفقد طول المتاع وعرضه وصفاقته من خفته، ويتقدم للذي يقيسه على المرشم المعلوم له
[ ٦٠ ]
لئلا يمده بيده عند الرشم لأنه ينقبض إذا دخل الماء فيقصر ويكون بعد القصارة ناقصا فما لم يجد منه يزيد على المرشم دون زيادة يسيرة يوقف بها على الحق في القد قطع الثوب لصانعه قطعتين كبرى وصغرى لأن إن قطع بنصفين باع الفضلتين على أنهما نصفا ثوب، والنصف عشرة أذرع وقد نقصا عن ذلك ولا يلتفت في القطع للتخسير فالظالم أحق أن يحمل عليه وما عمل ناقصا إلا ليخسر فيحمل ما أراد أن يحمل.
وأما الجلاسون لبيع القرق فمنهم طائفة أسوأ الناس تجارة وأرداهم معيشة وذلك أنهم يشترون طرائح القرف على التأخير لغير أجل فما باع قاضي ثمنه وما لم يبع يطلب بثمنه بقي ما بقي ثم يقسم ثمن الطريحة على كل زوج ويرشمه ويعرف بذلك الرشم أنه اشتراه به ويأخذ الربح فيه وقد زاد في قيمته للتاجر المذكور مثلها أو قريبا من مثلها، وفي تركهم على سبيلهم إقرار لنكرهم وإضرار للمسلمين والواجب أن تحسم لهم تلك العلة وتشد عليهم أبواب الربى ويبيعون بالنقد أو النسيئة على الواجب أزواجا مفردة ويلصق الأمين عليهم على القرق براءة يكتب فيها بيع تأخير ليعلم بذلك المشترى فيأخذ أو يدع.
وأما الجلاسون لبيع الحرير ففي بيعهم وشرائهم ضرب من النجش وذلك أنهم يبيعون ويشترون للغير ويأخذون أجرتين أجرة من البائع على البيع وأجرة من المشتري على الشراء ويزيدون في أثمان الحرير أوان تسويقه وما قصدهم إلا الشراء للغير لا لأنفسهم وكذلك يفعلون في أثواب الحرير ويشترونها بالنقد والنسيئة ورسموها بالذهب وهي المقصودة فيها ووقعة الحرير تابعة في القيمة للرسمين وكل ذلك ربي لا يحل، ولعملتها مع ذلك فيها غش ودلس، منها أن الرسم الأول في الثوب لا يشبه الثاني في طيب الذهب وملاحة الصنعة وجودة
[ ٦١ ]
العمل والثوب ناقص القيم قليل النجابة في اللباس وقد ينتقص طوله وعرضه ويمشي على ذلك والمعتاد فيه ستة عشر ذراعا في الطول وأربعة أشبار في العرض وكان يعمل في اثنين وخمسين بيتا ويخرج من ست عشرة أوقية وقد ينتقص هو غش وفساد، وما قصر عن اثنين وأربعين بيتا في المنسج وإحدى عشر أوقية في الوزن ففاسد يمنع من عمله ويقطع إذا وجد، وخيط الكتان يخالف خيط الحرير في المنسج فكلما رق كثرت بيوته وقل وزنه وذلك أن خيط الحرير نوع واحد وخيط الكتان أنواع كثيرة، والبيت أربعون ضرسا والخيوط له ثمانون خيطا والمثلة مائة خيط وعشرون خيطًا.
ومن خدع عملة القنوع الحريرية والعمائم المفتولة أنهم يصنعونها من الحرير الني ويصبغونها كحلية ويسقونها بالصمغ وذلك غش وتدليس فإذا لبست قليلا جرت أخياطها وصارت كشبكة ولم ينتفع بها، والواجب في جميع ذلك كله حملهم على المعتاد في الجيد وما يوجبه الشرع ويجيزه والله الموفق.