في العطارين والصيادلة
هؤلاء قوم شغلهم أوسع الأشغال، وأمورهم مختلفة الأحوال، والكشف عنهم صعب المرام، وغش مفسديهم لا يكاد يحصر ولا يرام، وذلك أن الغش عندهم إذا لم يزد على الثلث لم يستطع أحد إخراجه ولا الوقوف على الصحة فيه ويتساوي الناس في معرفة ظاهر الأشياء بدخول أكثرهم فيها وليسوا من أهلها ولا من ذوي الخبرة بها، وعدم الناظرون عليها والحارس نظرهم لها، فصار المفسدون لا يلوون على أحد، ولا يقفون في سبيلهم على حد.
فيغشون الحناء بقشور الرمان وسقوطه مع ورق الخبازي وبأوراق السدر بأوراق القنب، والفلفل بالكرسنة المدبرة، والزنجبيل بالموجود شبيها له بجبال الأندلس، وكذلك السنبل والقرفة، والمصطكي بصمغ يجمع في شجر الضرو، وهذه الأشياء يوجد لها بالجبال المذكورة أشباه من غير رائحة لاختلاف هواء مواضعها فيصرفها المفسدون في التدليس بها.
ويغشون الزعفران بشعر العصفر ونضيج لحم صدر الدجاج وبالزيت ودقيق الدرمك المدبر والكركم وأصول الشجرة المعروفة بالمليلس وبرجل الحمامة والأرغيس والزعفران الرومي وسحيقه والسكر وبمطبوخ البقم ودقيق الدرمك المصبوغ بماء الزعفران وسحيق السكر ويكثرونه باسحج الحلفاء المنقوعة في الريحان العتيق المذاب فيه الفلفل والكركم والزعفران ويفرش بعد ذلك للظل ويتبين الغش فيه من وسط الرغيف إذا بحث عنه.
[ ٤١ ]
ويغشون الزبادة بالقطران المدبر والشمع المقصر وبطبيخ قشر اللوزن وقشر البلوط ووبر القط وما شاكله من البهائم.
ويغشون المسك بدم فراخ الحمام والنسر إذا دبر ويلقون فيه وفي السنبل سحيق الإثمد ليثقل في الوزن.
ويغشون العود الرطب بأصول الرتم الشارف إذا دبر بالنورة وغيرها وطيب، والعنبر بشحم الحوت، وبخور السودان واللاذن بطبيخ عيون شجر الفتح، والميعة السائلة بعلك الشوك، والسقمونيا بالمقل الأزرق ولبن الشبرم وسائر الميتوعات، والطباشير بالعظم المحروق، والأقاقيا بعصارة الخس وعنب الثعلب وعيون العوسج، والهليلج الكابلي بما يقاربه من الأصفر، والمحمودة الأنطاكية بنشارة القرن المحرقة وماء الصمغ وبدقيق الكرسنة أيضا، والأفيثمون الأقربطي بالأندلسي، ويلقون الخيار شنبر في الرمل المبلول تلحقه النداوة ويثقل وزنه، والمقل بالصمغ العربي، والأفيون بالماميثا وعصارة الخس البري وبالصمغ ويكون أخفي في اللون، والراوند الصيني بما يقاربه من الشأمي، ودهن البلسان بدهن البطم وبدهن السوسن وبدهن حب القطن وبدهن نوى المشمس، والحضض بطبيخ عكر الزيت وبمرارة البقر، ودهن اللوز بدهن نوى المشمس، والأدهان كلها بدهن الشيرج بعد أن يطبخ فيه جوز مدقوق أو لوز نوى المشمش لتحسن رائحته وطعمه ويصبغ منه برجل الحمامة فيكون أحمر، ويغش الخولان بالرمان المحرق، ودم الأخوين بطبيخ اللك وخلطه مع غبار الصلصال الأبيض والمغرة ويتخذ أقراصا وتكسر، ويغش الجوشير بمدقوق الكعك بعد أن الجوشير يحل على النار بالعسل والخل ويسير الزعفران فإذا أرغي طرح فيه الكعك وحرم حتى يغلظ ويشتد ويتخذ أقراصا وتكسر إذا برد ويخلط بالجوشير، ويغش قشر اللوبان بقشر الصنوبر، ويصنعون الكهرباء من مطبوخ محاح البيض.
[ ٤٢ ]
ولكل نوع من ذلك تدبير له وصنعة فيه أحكمها أهل الاشتغال بها وواصلها المدبرون لها والأمر في ذلك كله أعظم من أن يطال البحث عنه والاستقصاء له وكيف لا وقد حكي أن العقار نحو الثلاثة آلاف في العدد والاختراعات لا تنقطع.
وشأن المحتسب في هذا أن يقدم عليهم في سوقهم من تعلم ثقته ودينه ومعرفته وبصره بالعقار وتمييزه له واعتناؤه بلقاء الشيوخ العارفين بذلك والأخذ عنهم فيه، وكذلك ثقات التجار المتجولين في البلاد والأطباء العارفين ويكون قد بلغت به همته إلى أن يطالع أقوال المتقدمين في اختبار ما يوجد من ذلك والكشف عنه إذ توجد لتلك الأشياء أشباه تماثلها في الصفة والنوع وتنافيها في الفعل والمنفعة سوى ما منها.
ويجب أن لا يستعمل حتى يبحث عنها ويستخبر، وقد وضع المتقدمون في ذلك اختبارات فقالوا أن المحمودة الأنطاكية إذا كانت تحذو اللسان خذوا شديدا فهي مغشوشة بلبن اليتوع وإذا جعل الطباشر في الماء يرسب العظم ويطفو الطباشر، والمقل الهندي ليس فيه مرارة ورائحته في النار ظاهرة، والأفيون إذا دخل في الماء تشبه رائحته لرائحة الزعفران والمدلس لا رائحة له ولا يحذو اللسان، والخالص من دهن البلسان إذا قطر منه على خرقة النقية من صوف ثم غسلت زال ولم يؤثر ولا أحدث طبعا، وإذا قطر على ماء تجمد ثم يصير كاللبن بسرعة والمغشوش يطبع الثوب ويظهر مثل الزيت ويتفرق والطيب منه إذا قطر على اللبن جمده وإذا غمست فيه مسلة حديد وقربت إلى النار اشتعلت وقد يفسد الخالص منه بطول الزمان ويتحيل، والراوند الصيني أحمر اللون مثل الدم ولا رائحة له وهو إلى الخفة وأطيبه السالم من السوس وإذا نقع في الماء صار الماء أصفر كماء الزعفران والمغشوش ليس كذلك، والجيد من
[ ٤٣ ]
الحضض ما التهب بالنار وإذا أطفي أرغي رغوة حمراء وكان خارجه أسود وداخله ياقوتي اللون ووجد فيه قبض ومرارة، والزنجار يفرك باليد سريعا فيبيض بكثرة الفرك، ويبقي أحرش إن كان غش بالرخام ويظهر بالغسل وبين الأسنان إذا اختبر بها وإذا غش بالقلقنت وألقي على النار يحمر، وإذا أحميت مسلة حديد في النار وغرزت في الشمع المغشوش بدقيق الباقلا أو شحم الماعز فإنه ينش والخالص لا ينش.
وأما المركبات والمعاجين والأشربة فصعبة الكشف بعيدة الاستخراج بالجملة فلا يكاد أن يوجد من يستوفي النسخ من أهل الجد فيها والطب بها فكيف الذين يصنعونها للغير ولا سيما الذين يبسطون بالرحاب وأفواه الطرق ومجتمعات العوام فأولئك لا خلاف لهم ولا يبيعون إلا القهورة والأيمان الحانثة.
ولقد رأيت منهم من يصنع من القرع الرطب مربى ويبيعه بحسب تفريعه له فتارة مربى زنجبيل وتارة مربي تاغندست وتارة مربى جزر وتارة مربى شقاقل وكذلك من الجوز، ويصنعون من اللفت جوارش يغشون بها جوارش السفرجل والتفاح، ومن أوراق البقول مربى يغشون به مربي الصعتر والحبق والنعنع والقسطران، ويغشوم الكمونية والأنيسون والبزور وغير ذلك من المعجونات بالسميد المقلوفي الطابق وبالسميد الدق المغربل من النخال إذا قلي كذلك، ويصرفون في ذلك كله العسل اللطيف أو رب العنب ويخلطون فيه بعد كماله سحيق السكر ويذرون عليه يسير تفويه لتطيب رائحته في الظاهر ويسحقون ميبس أعين الحبق القرنفلي
[ ٤٤ ]
ومحروق أغصانه ويخلطونهما معا ويلتونها في العسل مع يسير من حضض مر ويبيعون ذلك على دواء مسك.
واختطرت يوما على واحد منهم وقد اعتم وارتدى في زي حاج وبسط بساطا نظيفا من العقار الهندي، ومعه مهراس نحاس وعن يمينه طبق عود كبير جديد بديع الدهان رائق المنظر مملوءا أنيسونا مطحونا خلط معه من السميد المقلو مثلا بمثل أو قريبا من ذلك، وعلى يساره نافخ نحاس وعليه طنجير نحاس قد وضع فيه عسلا ورفعه على النار، وجعل يأخذ من ذلك العقار شيئا شيئا بقدر ما يدري أنه يفوه به ذلك المجموع في الطبق ودرسه ونخله بمنخل ظريف له وغلي العسل في أثناء ذلك وارتفع وهو يوهم الحاضرين عليه المشاهدين لفعله أنه إنما يصنع المعجون من العقار المذكور فلما ارتفع العسل قليلا أنزله عن النار وحركه بملعقة كانت بيده حتى رضي سخانته ثم ألقي فيه العقار المسحوق وحركه ثم صبه على المجموع المذكور في الطبق وعجنه في ذلك الغبار واتخذه رغفا رقاقا بعد أن وضع فيه فانيد أبيض وشغل الناس بالكلام في أثناء تصرفه بإنشاد قصيدة ووصف حكاية حتى اشتدت الرغف ببرد الهواء وقطعا قطعا بمقص عنده ووضعها في قراطيس وباعها منهم بالزحام على جوارش أنيسون بمثل ما كانوا يشترون به الطيب الذي لم يخلط فيه سميد، وكذلك يفعلون بالاكحال والشيافات والشحوم ويلونونها بالأصباغ.
وشأن المحتسب مع هؤلاء أن يمنعهم من ذلك وينبه على مكرهم ويبين للناس فعلهم، ويأخذ الصيادلة الذين نصبوا أنفسهم بالأسواق وانصفوا بالجدار إلا يخلطوا عقار نسخة بوجه من الوجوه إلا بمحضر الأمين عليهم فيأتون إليه وكل
[ ٤٥ ]
دواء متحوّل على انفراد حتى يقابل بالدكان وتعد عقاقيره ويخلط الجميع بين يديه ويحلفهم على أن لا يكثروه بغيره ولا يعجنوه إلا بعسل طيب يؤدون فيه الأمانة والنصيحة وحينئذ ينصرفون لعقده، ويتفقد الأشربة عليهم ولا يقبلها منهم ساعة الطبخ لما يعتريها من الفساد ولا سيما شراب العناب والبنفسج فإنها أسرع للفساد من غيرها، ويمنع أيضا من أن يرطب التمر الهندي بالخل إذا جف، ويختبر أيضا المسك بأن يؤخذ منه شيء في الفم ويحل باللعاب ويثقل على ثوب أبيض ثم ينفض فإن انتفض ولم يغير الثوب فالمسك خالص وإن غير فهو مغشوش، وبهذا الاختبار يخرج ما جعل فيه من برادة الرصاص وإن غير فهو مغشوش، وبهذا الاختبار يخرج ما يجعل فيه من برادة الرصاص الميبس المداد عليها لتثقل في الوزن ويظهر أيضا ما يكثر به الأجساد المصنوعة له من دم الغزال والجدي وفراخ الحمام والنسر ومن الأملج والشيطرج الهندي والسدروان المنزوع صبغه بالماء الحار وصمغ الصنوبر ومن قشر البلوط المحرق بالنار المجفف ومن السعدي ومن الكبود المحرقة المسحوقة والكبود الممحكوكة للشمس.
ويمتحن العنبر بالنار فإنه يظهر ما يفسد به من زبد البحر والصمغ الأسود والشمع المبيض والسندروس وسنبل الطيب، ويمتحن الكافور بالماء فإن رسب فهو مغشوش بالرخام الرخص وقلوب حجر الجبص المشوي وإن عام فهو سالم لا غش فيه، وإن جعلت قطعة رخام على النار أو طابق خزف وألقي عليه الكافور طار عنها ولم يلبث إن كان سالما من الغش وإن كان فيه شيء بقي على حاله حتى احترق وصار رمادا.
ويختبر الزعفران بأن يجعل في الخل منه شيء فإن تقلص فهو مغشوش باللحم المسلوق بالملح المصبوغ بالزعفران وظهر غشبه وبان ومتى كان حلو المذاق فهو
[ ٤٦ ]
قليل الصبغ مغشوش، وكذلك المطحون منه إذا جعل في إناء زجاج ورسب منه شيء فهو مغشوش بدم الأخوين وغيره، وإذا مزج بالخل فاحمر لونه وصبغ فهو مغشوش بالخلوق، وقد يغش بالنشا فإذا مسه النار انعقد.
ويختبر العود الرطب بالنار وذلك يظهر ما هو عليه فقد يصنع مما ذكر ويطبخ في النورة وينقع في مطبوخ شهرا كاملا فيبدل له كل ثلاثة أيام ويروح يوما ثم يترك حتى يجف ويطرا ويخلط في العود.
وقد يغش البان بدهن حب القطن وبدهن نوى المشمش ويطيب بالأبازير ويعتق بالمسك ويصبغ برجل الحمامة، وقد يغش بالزيت المغسول ويلقي فيه أطراف الآس الأخضر لتظهر فيه خضرة تقارب بها البان.
ويعوض من البلسان ماء الكافور ويستخرج من عقد خشب الصنوبر وقشور الكندر ويصعد لكنه يفارق البلسان في الاختبار بأنه يطبع الثوب إذا وقع فيه والبلسان بضد ذلك لكن يتصرف عوضا منه في الأدوية، ومن أراد أن يستعمل العنبر غبارا دون نار فليأخذه قطعا ويضعه على رخامة باردة في نهاية البرد ويصب عليها فإنه يبرد ويسهل للسحق ويستعمل لوقته وفي المكان بعينه وإن ترك عاد إلى كيانه الأول ولا يستعمل إلا بالنار.