قال الله ﵎: (كنت خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) وقال ﷿: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)، وقال عز من قائل: (وأحل الله البيع وحرم الربا)، وقال ﷿: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم) وقال ﷿: (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)، وقال رسول الله ﷺ: من غشنا فليس منا.
[ ٣ ]
ونهى ﵇ عن بيع الطعام قبل أن يستوفي، وعن بيعتين في بيعة، وعن الكالئ بالكالئ، وعن البيع والسلف، وعن بيع الحيوان باللحم، وعن بيع الحيوان بعضه ببعض، وعن بيع الكلب وعن بيع الهر، وعن أن يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يبتاع أو يدور، وعن النجش والتصرية، وعن ذبح ذوات الدر، وعن تلاقي الركبان، وعن بيع الحاضر للبادي، وعن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا مثلا بمثل يدا بيد، وعن المزابنة وهي بيع التمر بالتمر في رؤوس النخل والعنب بالزبيب والزرع بالحنطة وفريكه بيابسة والقمح المبلول بيابسه، وعن الصبرة بالصبرة، وعن العينة وهي أن يقول الرجل للرجل: اشتري كذا وأربحك به فيه كذا، وعن بيع التمر حتى يبدو صلاحه، وعن بيع التمر حتى يزهو والسنبل حتى يبيض، وعن صوف على ظهر ولبن في ضرع، وعن المحاقلة، وعن المخاية وهي كراء الأرض بما تنبت.
وخرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فرأى الناس يتبايعون فقال: يا معشر التجار فاستجابوا له ﷺ ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه فقال: إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقي الله وبر وصدق، وقال ﷺ: التاجر الصدوق المسلم مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة، وقال ﷺ: الحلف منفقة للسلع ممحقة للربح، وقال ﵇: إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقي الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، ومر ﵇ بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام، فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش
[ ٤ ]
فليس مني، ولعن ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء، وقال ﷺ: إن الربى وإن كثر فإنه يرجع إلى قل، وقال ﷺ: ما نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، وقال ﷺ: ﵀ رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى، وقال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال: إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال، وقال: بيع المحفلات خلابة ولا تحل خلابة مسلم، ومر عم ﵁ على حاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا في السوق فقال له: إما أن تزيد في السعر وإما أن تخرج من سوقنا، وقال ﵁: من جلب طعاما على عمود ظهره فذلك ضيف عمر يبيعه كيف يشاء ويذهب به حيث شاء، وتمنع الحكرة إذا ضرت بالناس وكانوا بحال ضيق وشدة، ومن احتكر طعاما في حين الرخاء وحدث غلاء السعر فهل يجبر على إخراجه للناس أم لا، وجهان يأخذ بأيهما شاء من يجب له النظر في ذلك وكذلك يأمر في وقت الشدة بإخراج الأطعمة إلى السوق وتباع فيها ولا تباع في الدور لما في ذلك من تقوية النفوس.
ويجب أن يكون من ولي النظر في الحسبة فقيها في الدين قائما مع الحق نزيه النفس عالي الهمة معلوم العدالة ذا أناة وحلم، وتيقظ وفهم، عارفا بجزئيات الأمور، وسياسيات الجمهور، لا يستنفره طمع ولا تلحقه هوادة ولا تأخذه في الله لومة لائم مع مهابة تمنع من الإدلال عليه وترهب الجاني لديه، فقد روي عن علي ﵁ أنه أقام الحد على رجل فقال: قتلتني يا أمير المؤمنين، فقال له: الحق قتلك، قال فارحمني، قال الذي أوجب عليك الحد أرحم بك مني، ومن شأنه ألا يثرب في شيء إلا بعد أن ينهى عنه ويتقدم فيه ولا ينكر
[ ٥ ]
على أحد إلا بعد أن يحقق ما هو، قال الله تعالى: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا، وكما روى عن عمر ﵁ حين رأي رجلا يطوف بالبيت وعل عنقه مثل المهاة جمالا وحسنا وهو يقول:
عدت لهاذي جملا ذلولا
موطأ أتَّبع السهولا
أعدلها بالكف أن تميلا
أحذر أن تسقط أو تزولا
أرجو بذلك نائلا جميلا
فقال عمر: من هذه يا عبد الله التي وهبت لها حجك، فقال امرأتي يا أمير المؤمنين وإنها حمقاء مرغامة، أكول قمامه، لا يبقي لها خامه، قال له ما لك لا تطلقها، قال: إنها حسناء لا تفرك، وأم صبيان لا تترك، فقال فشأنك بها فلم ينكر ﵁ حتى استخبره.
وروى أنه ﵁ نهى عن الرجال أن يطوفوا مع النساء فرأى رجلا يصلي مع النساء فضربه بالدرة فقال الرجل: والله لئن كنت أحسنت لقد ظلمتني ولئن كنت أسأت فما أعلمتني؟ فقال عمر: أما شهدت عزمتي، فقال ما شهدت لك عزمة، فألقي إليه الدرة وقال: اقتص، قال: لا اقتص اليوم، قال فاعف عني، قال: لا أعفو، فافترقا ثم لقيه في الغد فتغير وجه عمر ﵁ فقال له الرجل: يا أمير المؤمنين كأني أرى ما كان مني قد أسرع فيك، قال: أجل، قال: فإني أشهدك أني عفوت عنك.
وحكي أن ابن عائشة رأى رجلا يكلم امرأة في الطريق فقال له: إن كانت
[ ٦ ]
حرمتك إنه لقبيح بك أن كلمها بين الناس وإن لم تكن حرمتك فهو أقبح، ثم تولي عنه وجلس للناس يحدثهم فإذا برقعة قد ألقيت في حجره مكتوب فيها:
إن التي أبصرتني سحرا أكلمها رسول
أدت إلي رسالة كادت لها نفسي تسيل
من فاتر الألحاظ يجذب خصره ردف ثقيل
متنكبا قوس الصبي يرمي وليس له رسيل
فلو أن اذنك عندنا حتى تسمع ما نقول
لرأيت ما استقبحت من أمري هو الحسن الجميل
فقرأها ابن عائشة ووجد على ظهرها مكتوبا: أبو نواس فقال: مالي ولأبي نواس محتمل.
وكان في الكوفة محتسب لم يترك مؤذنا يؤذن في منار إلا معصوب العينين من أجل ديار الناس وحريمهم ولله دره فإنه احتاط وأجاد.
ولقد كنت أقول منذ رأيت هذه الحكاية: ليت شعري لم فعل هذا، حتى حكى لي جماعة من الثقات أنهم شاهدوا بمراكش قضية عجيبة وذلك أن أحد الرؤساء أمر ليلة من الليالي حشمة وخدمه أن يتظاهروا لديه بصحن داره في السلاح التام ليري ما يعجبه منهم وبين يديه شمع زاهر وأضواء كثيرة وجعلوا يحمل بعضهم على بعض يظهرون لسيدهم ما أحكموه من ما طلبهم به فبصر بهم مؤذن من منار مسجد كان يطلع على الدار فصاح باللسان الغربي: غدرتم يا مسلمين ودخلت دار فلان، فتسابق الناس إلى الدار ووقعت من ذلك في البلد رجة عظيمة وتمشى الصياح في الناس وكانت هيشة كبيرة كان سببها اطلاع
[ ٧ ]
المؤذن، مع أني رأيت بعض المتحدثين يحقق إنما قصد هذا المؤذن المكر بصاحب الدار والتبشيع عليه حسدا على ما بسط له من دنياه وقد يمكن ذلك إلى غير ذلك من ما يخاف في حقهم من الفتن عليهم سبب اطلاعهم، كما اتفق للرجل الدهان الذي رأيته بغرناطة وحدثت عليه أنه كان مؤذنا أيام فتائه بإحدي البنيات وكان يشرف من موضع أذانه على دار فيها جارية حسناء أعجبه حالها ولما علمت بشأنه لم تزل تبرح له وتشير إليه وتنازيه حتى شغف بها فعرضت له يومًا وهو في أثناء الآذان وشغلته حتى زاد أو نقص وسمعه الناس فأجفلوا إليه وشاع أمره فاضطرته الحال إلى أن فر عن ذلك الموضع واستوطن غيره وترك الآذان ولزم صنعته إلى أن توفي عفا الله عنا وعنه وكفانا الفتن بمنه.
وقد تقدم لبعض الشعراء في ذلك:
ليتني في المؤذنين حياتي إنهم يبصرون من في السطوح
فيشيرون أو تشير إليهم بالهوى كل ذات دل مليح
والناظر في الحسبة ينكر بحسب الموضع والشخص والحال، وترك مواضع الريب واجب والنبي ﷺ يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، والله ﷿ يقول: ولا تجسسوا، وقال ﵎: فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين، والنبي ﷺ يقول: من أتى من هذه القاذورات فليستتر فإن من أبدى لنا ضفحته أقمنا عليه حد الله، وإذا سمع أصوات ملاة منكر بدار أنكرها خارج الدار وزجر عليها ولم يعجم على الكشف وليس له أن يتجسس إلا إذا غلب على ظنه أو عرفه ثقة أو دلت أمارات على انتهاك حرمة
[ ٨ ]
يخاف فواتها كمن خلا برجل ليقتله أو بامرأة ليزني بها فله أن يتجسس على ذلك ويهجم عليه قبل أن يقع ويفوت الأمر فيه.
ومن صفاته أيضا أن يكون يستعمل اللين من غير ضعف والشدة من غير عنف حتى لا ترتجي لكثرة تيقظه غفلة ولا تؤمن على ذي منكر سطوته في أدب الجاني أول مرة بالتوبيخ والزجر وفي الثانية بالسجن والوعيد وفي الثالثة بالضرب والشهرة، فإن استمر على غوائه وسوء أفعاله تابعه بالتنكيل وجعل أهم أموره تفقده لسقوط الثقة به حتى يتوب أو يرتفع عن سوق المسلمين.
ويقدم من ثقات أهل الأسواق ووجوه أرباب الصنائع من تعرف ثقته، وينفع المسلمين نصحه ومعرفته، يستظهر بهم عل سائرهم، ويطلعونه على خفي أسرارهم وخبيث سرائرهم، حتى لا يختفي من أمورهم كثير ولا قليل، ولا يستتر من شأنهم دقيق ولا جليل فيزول مكرهم، ويرتفع على المسلمين غشهم وضرهم، ويتفقد مع الأحيان أحوال رجاله ولا يعين أحدا منهم لشغل معين كوزن الخبز على الخبازين وغيره فإنه إن فعل ذلك تقدم إلى ذلك الرجل بالرشوة وذلك عليه في الوزن، ولا يعلم رجاله أبدا خروجه لأمر معين من أمور الحسبة فإنهم إن علموا ذلك تقدم واحد منهم أو قدموا غيرهم إلى أرباب ذلك الأمر الذي يخرج فيه ويشعرهم بقصده فيغيب صاحب الدلسة وفاعل الريبة أو يغيب عين الشيء الفاسد فلا تمكن إقامة الحجة عليه، وربما إذا وجد بعد ذلك يزعم أن ذلك الشيء الفاسد لم يكن له وإنما جعل بموضعه عند تغييبه عنه ويخفق سعي المحتسب في ذلك، وكذلك إذا عثر على خبز ناقص الوزن أو لطيف الصعنة أو قليل الطبخ أو شيء فاسد بدلسة أو غيرها من أوجه الفاسد، ويأمر بالخبز أن يكسر والشيء الفاسد أن يهراق فلا يكل ذلك إلى رجاله
[ ٩ ]
ويباشره بنفسه حتى يصير جميع الخبز كسرا دقيقة الجرم ويعني بالشيء الفاسد بالرمي لئلا يأخذه رجالة من صاحب ذلك رشوة فلا يكسرون من الخبز إلا القليل ولا يرمون من الفاسد إلا اليسير أو يكسرون الخبز أنصافا أو أثلاثا فيجمع صاحبها بعضها إلى بعض ولا يبيعها بالميزان ويتمشى في الناس على دلستها.
ولا يبيح لهم أن يأخذوا شيئا من أحد إلا إن وجدوه ذا دلسة أو صاحب ريبة في صنعته فإنهم يكتفون في جعلهم باليسير مثل ربع الدرهم وقدره، وكذلك مؤنة السجن على من يسجن ومثل ذلك الإجحاف فيه وإذ لابد للسلطان من وزعة والظالم أحق من حمل عليه.
ويعتمد على أن يسم الاكيال والموازين والغرابيل وصنج أرباب الموازين بميسم معلوم عنده وكذلك قفاف الوزن، ويأمر عملة الخبز أن يصنع كل واحد منهم طابعا ينقش فيه اسمه ويطبع على خبزه ليتميز خبز كل واحد بطابعه وتقوم الحجة به على صاحبه.
ويضمن كل من له خدمة يتصرفون بين يديه من الباعة إحضارهم لديه خبرت عليهم دلسة أو وجد لهم مستنكر فالدقاق يضمن عن غربالة ووزانه والخباز يضمن عن عماله ووزانه وعجانه وفرانه والجلاس لبيع خبزه بكوشة عمله والسفاج عجانه وقطاعه ويؤدب كل واحد منهم على فساد عمله، ويلزم صاحب كل شغل أن يكون المطلوب بجميع ما يفعل متصرفوه في شغله وكل ذلك بالشهادة، ولا يستخلف أحد أحدا على شغله ولا صبيا صغيرا للبيع في دكانه إلا أن يلتزم ما يفعله ويكون المطلوب بما يظهر عليه من غش أو دلسة، وإن لم يتقدم إليهم بذلك ويربطهم إليه فيعتذروا إليه عند وجود الدلسة وظهور الغش بعدم العلم به، ويختفي المتصرف في عمله فلا يوجد
[ ١٠ ]
سبيل لدفع ذلك السبب وإيقاع العقوبة بالفاعل له، ومتى أخذ ذلك ولم ينبه المعلم عليه ولا تشكي منه وغاب الفاعل وعجز عن إحضاره بحكم ضمانه إياه لم يصدق في عدم العلم بما اتفق وكانت العقوبة عليه أوجب والتنكيل أشد.
ويأمر باعة الخبز أن يتخذوا موازين وصنجا معدة لها تكون معهم في دكانهم فإذا اختبر عليهم الخبز بالوزن وألفاه ناقصا أقام الحجة عليهم باتخاذهم الموازين وتركهم وزن الخبز بها على عملته ويؤديهم على مسامحتهم في بيع الناقص، وكذلك شأنه مع باعة الدقيق وعملته في الغرابيل لتقوم الحجة لذلك عليهم أيضا، ويكون معلوما عنده ما في بلده من الطعام المختزن لوقت الحاجة إليه وكذلك ما يحتاج إليه بلده من الطعام في كل يوم وما يرد عليه من الطعام ويعمل فيه من الدقيق ويجلب منه أيضا إليه ليتوصل بذلك إلى زيادة السعر ونقصه وعمارة البلد والزهادة فيه والله الموفق للصواب لا رب غيره.