وتخريج الأخبار المروية في كراهته
حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا عمر بن علي.
[ ١ / ٧١ ]
حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: لا حسد إلا في اثنتين رجل أتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق. ورجل أتاه الله الحكمة وهو يقضي بها ويعمل بها».
وحدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي، حدثنا محمد بن هارون، حدثنا عمر بن الربيع بن طارق. حدثنا يحيى بن أيوب، عن
[ ١ / ٧٢ ]
ابن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن عائشة عن رسول الله - ﷺ - قال: هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة: قالواة الله ورسوله أعلم. قال: الذين إذا
أعطوا الحق قبلوه وإذا سُئلوه بذلوه وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم.
حدثنا الحسين بن عمر بن أبي الأحوص الكوفي. حدثنا العلاء بن عمر
[ ١ / ٧٣ ]
الحنفي، حدثنا يحيى بن يزيد الأشعري عن ابن جريج عن عطا عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا جلس القاضي في مجلسه هبط عليه ملكان يسددانه ويرشدانه ويوفقانه فإذا جار عرجا وتركاه.
حدثنا عبد الله بن غنام. حدثنا ابن شيبة، حدثنا علي بن مسهر
[ ١ / ٧٤ ]
عن أشعت عن الحسين في قوله ﷿: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قال العلم بالقضاء.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: في كتاب أدب القاضي «الناس كلهم عباد الله.
فأحقهم بالمحبة أطوعهم لله. وأحقهم من أهل طاعته بالفضيلة أنفعهم لجماعة المسلمين من إمام عادل أو عالم مجتهد أو معين لعامتهم وخاصتهم، يعني به القاضي وهذا ما لا أعلم مالك بن أنس ولا الكوفي خالفا بل قد رغبا فيه وتولاه أصحابهما.
وقد كره القضاء قوم وهجروا القضاء متشبثين بأخبار توهموا لضعف رويتهم أنها مأثورة في كراهية القضاء. فلو أنهم جعلوها في
[ ١ / ٧٥ ]
القاسطين دون المقسطين لعذرناهم. ولكنهم غلو فيها فعموا بها قضاة الدين. وهي عندنا إلى الترغيب في القضاء أقرب منه إلى الرغبة عنه، وإنا ذاكروها وملطف القول في تخريجها إن شاء الله.
حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي. حدثنا محمد بن منصور الجواز، حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم. حدثنا عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأختس، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري. والأعرج عن
[ ١ / ٧٦ ]
أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: «من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين».
حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا يحيى بن سعيد عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله، وربما ذكر رسول الله - ﷺ - قال: «ما من حاكم يحكم بحكم بين الناس، إلا وكل به ملك يأخذ بقفاه حتى يقف به على شفير جهنم
[ ١ / ٧٧ ]
فيرفع رأسه إلى السماء فإن أمره أن يقذفه قذفه فهوى فيها أربعين خريفا».
حدثنا عمر بن إسماعيل بن أبي غيلان وعبد الله بن محمد قالا: حدثنا علي بن الجعد، أخبرنا شعبة، عن قتادة، قال سمعت أبا العالية. قال: قال: علي ﵇.
«القضاة ثلاثة قاضيون في النار وقاض في الجنة. فأما اللذان في النار، فرجل جار متعمدا، فهو في النار، ورجل اجتهد فأخطأ فهو في النار. وأما الذي اجتهد، فأصاب الحق فهو في
[ ١ / ٧٨ ]
الجنة. قلت لأبي العالية، ما ذنب من أخطأ. قال ذنبه أن لا يكون قاضيا».
حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي، حدثنا علي بن مسلم. حدثنا أبو داود، حدثنا عمرو بن العلاء، حدثنا صالح بن سرح بن عبد القيس. عن عمران بن حطام، قال: دخلت على عائشة فتذاكرنا أمر القضاء. فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:
«ليأتين على القاضي يوم يود أنه لم يقض فيه بين اثنين في تمرةٍ»، قال أبو العباس: فأما
[ ١ / ٧٩ ]
حديث أبي هريرة فليس عندي ذلك في كراهته وذمه. إذا الذبح بغير سكين مجاهدة النفس بترك الهوى. والله ﷿ يقول إن ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾،
ويدل على ذلك حديث: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن زياد. أخبرني عبد الحميد بن بحر، حدثنا عبد القدوس، عن مكحول، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «يا أبا هريرة عليك بطريق قومٍ، إذا فزع الناس أمنوا. قلت: من هم يا
رسول الله، قال: هم قوم، تركوا الدنيا فلم يكبر في قلوبهم ما يشغلهم عن الله. قد أجهدوا أبدنهم وذبحوا أنفسهم في طلب رضاء الله وذكر الحديث بطوله
[ ١ / ٨٠ ]
فناهيكم به فضيلة وزلفى إلى الله ﷿. لمن قضى بالحق في عباده إذ جعله ذبيح الحق امتحانًا لتعظم له المثوبة امتنانًا وقد ذكر الله ﷿ قصة خليله إبراهيم ﵇، وقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، إلى قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
فإذا جعل ﵎ إبراهيم ﵇ في تسليمه لذبح ابنه مصدقًا فقد جعل ابنه لاستسلامه للذبح ذبيحًا. لذلك قال رسول الله - ﷺ -: «أنا ابن الذبيحين» عنى به إسماعيل ﵇ وعبد الله. فكذلك القاضي عندما والله أعلم. لما استسلم لحكم الله،
واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم. ولم تأخذهم في الله لومة لائم حتى قادهم إلى مر الحكم. وعنهم عما دعتهم دواعي الهوى من اللدد وميولهم
[ ١ / ٨١ ]
نفوسهم من الفند جعله ذبيح الحق لله وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون.
وقد ولي رسول الله - ﷺ - القضاء عليًا ومعاذًا ومعقل بن يسار. فنعم الذابح. ونعم المذبوح وولي القضاء من بعده الخلفاء الراشدون. وفي كتاب الله ﷿ من الدليل على الترغيب فيه إذ يقول جل ذكره ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ
هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، إلى آخر الآيات الثلاث. حدثنا هارون بن يوسف. حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر حدثنا سفيان عن زكريا بن أبي
[ ١ / ٨٢ ]
زائدة. عن الشعبي. قال: هذه الآيات الثلاث الأولى في المؤمنين. والثانية في اليهود. والثالثة في النصارى. ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
قال: هذه في أهل الإسلام ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
قال: هذه في اليهود.
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. قال: هذه في النصارى. وأما حديث ابن مسعود فتحذير القضاة عن الظلم لا عن القضاء. إذ قال في حديثه فإن أمره قذفه. ولم يقل فيأمر فيقذفه. فحذر ولم يقذف. ويدل على صحة تخريجنا له ما حدثي به محمد بن محمد الباغندي، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى بن سعيد عن مجالد
[ ١ / ٨٣ ]
عن الشعبي. عن مسروق عن ابن مسعود. قال: قال رسول الله - ﷺ - يؤتى بالقاضي يوم القيامة حتى يوقف به على شفير جهنم وملك أخذ بقفاه. فإن أمر يقذف به في النار. فهوى فيه أربعين خريفا».
ثم قال عبد الله بن مسعود: «لأن أقضي يومًا أحب إليّ من عبادة سبعين عاما». ففي تفضيل عبد الله قضاء يوم على عبادة سبعين عامًا. دليل على صحة ما أحببنا من التخريج، إذ راوي الخبر أولى بتأويل ما حمل. ولولا ذلك ما تولى القضاء عبد الله.
حدثنا المطين بن عبد الله الحضرمي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة. قالا حدثنا إبراهيم بن معاوية. حدثنا أبي الأعمش
[ ١ / ٨٤ ]
عن عمارة. عن عبد الرحمن بن يزيد. قال: كثروا على عبد الله ذات يومٍ فقال: إنه قد أتى علينا زمان لسنا نقضي، ولسنا هنالك. ثم إن الله قدر أن بلغنا من الأمر ما ترون. فمن عرض له منكم قضاءُ بعد اليوم. فليقض بما في كتاب الله. فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله - ﷺ -.
فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض به نبيه فليقض بما قضى به الصالحون. فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا في قضايا نبيه ولم يقض به الصالحون فليجتهد رأيه
ولا يقل إني أرى وإني أخاف، فإن الحلال بين والحرام بين وبين ذلك مشتبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أفلا تريه. كيف نسب القضاء إلى الصالحين، وعلمه وتولاه وكيف لا يكون
[ ١ / ٨٥ ]
كذلك. وهو يأمر الحسد في القضاء عن رسول الله - ﷺ -. كما روينا عنه في أول هذا الكتاب.
وأما حديث علي بن أبي طالب ﵇ فيحمل فيمن تولى القضاء جاهلًا قبل الفوز. بالآية على ما وصفتها في باب صفة القاضي. وقد روي فيه على هذا المعنى حديث. حدثنا بن محمد بن عبد الله الحضرمي. حدثنا جبارة بن مغلس الحماني. حدثنا عبد الله بن بكير، عن حكيم بن جبير، عن أبي بريدة، عن أبيه. قال: قال رسول الله
- ﷺ -: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار. وقاضي في الجنة. قاضي علم الحق. فقضى به فهو في الجنة.
[ ١ / ٨٦ ]
وقاضي علم الحق فجار. متعمدًا فذاك في النار. وقاضي قضى بغير علم، واستحى أن يقول: إني لا أعلم فهو في النار». فصح أن ذلك في الجاير والجاهل الذين لم يؤذن لهما في اجتهاد الرأي والقضاء. وقد نطق بهذا المعنى كتاب الله تعالى. إذ يقول: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. الآية.
فدل على ترغيب لمن حكم بالحق وعلى كراهية لمن اتبع الهوى.
وكيف يعذب بالنار مأذون له في الاجتهاد أم الحق فأخطاه. وقد قال رسول الله - ﷺ -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإن أخطأ فله أجر. حدثنا بذلك محمد بن صالح بن ذريح، ومحمد بن موسى قال حدثنا أبو ثور. حدثنا محمد بن إدريس الشافعي ومعلى بن منصور، وهشام الرازي، عن
[ ١ / ٨٧ ]
عبد العزيز بن محمد الدراوردي. عن يزيد بن عبد الله بن الهاد. عن محمد بن إبراهيم. عن أبي قيس، مولى عمرو بن العاص، عن عمرو أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران.
وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر».
قال فحدث بهذا الحديث أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم.
فقال هكذا حدثني أبو سلمة. عن أبي هريرة. وبمثل ذلك نطق الكتاب حيث يقول:
﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال
[ ١ / ٨٨ ]
الحسن: لولا هذه الآية لرأيت أن الحكام قد هلكوا. ولكن الله ﷿ حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده. على أن حديث عليّ ﵇ مما تفرد به أبو العالية.
وقد تكلم يحيى بن معين فيه بما لا أحب ذكره، وذكر شعبة: أنه لقي عليًا، ولم يسمع منه شيئا. وقد دعا رسول الله - ﷺ - لعلي ﵇ بالقضاء. ولو كان مذمومًا ما دعا له. حدثنا محمد بن عبد الله المطين. حدثنا واصل بن عبد الله الأعلى.
[ ١ / ٨٩ ]
حدثنا ابن فضيل. عن مسلم، عن ابن أبي ليلى. عن علي ﵇. قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن لأقضي بينهم. فقلت: إني لا أحسن القضاء. فوضع يده على صدري. ثم قال: «اللهم إهده للقضاء».
وأما حديث عائشة، في تشديد يوم الحساب وما يلحق القضاة، من هول المسائلة، فحديث تفرد به عمران بن حطان. وهو عن أهل النقل ضعيف. كان يذهب إلى الخوارج. وهو الذي يقول في عبد الرحمن بن ملجم. قاتل على بن أبي طالب ﵇ وعلى
قاتله غضب الله.
[ ١ / ٩٠ ]
تالله من ضربة ماذا أراد بها:
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يومًا فأحسبه أوفى
البرية عند الله ميزانا
على أن الحديث وإن كان صحيحًا. فذك يوم يجمع الله الرسل. فيقول: ماذا أجبتم. قالوا: لا علم لنا. قال ابن عباس: قد كانوا علموا ماذا أجيبوا. ولكنهم نسوا من شدة
اليوم. وهول المسائلة. وفي هذا المعنى ما قال كعب لعمر بن الخطاب. حدثنا جعفر بن محمد الفرياني.
حدثنا قتيبة بن سعيد. حدثنا عبد العزيز بن محمد عن أبي سهيل بن
[ ١ / ٩١ ]
مالك. عن أبيه. إن عمر بن الخطاب. قال لكعب خوفنا يا كعب، فقال: كعب: إنك في أمة مرحومة. فقال عمر: خوفنا، فقال كعب: «لتمرن يا عمر بجبانة من النار. ولو أن لك عمل سبعين نبيًا لظننت أنك لست ناجيًا».
حدثنا محمد بن صالح. حدثنا سلمة بن شبيب، حدثنا سهيل بن عاصم. حدثنا محمد بن عيسى عن محمد بن الفرات.
قال: شهدت محارب بن دثار. وأتاه رجلان يختصمان فجاء أحدهما بشيخ محصوب
له ضفيرتان بين عينيه أثر السجود. فشهد له. فقال المشهود عليه.
[ ١ / ٩٢ ]
والله لقد شهد علىّ بالباطل، وإنه لرجل صدق ولئن سألت عنه ليرجعن.
حملته على ذلك الحمية، قال: فجلس محارب بن دثار. وكان متكئًا. فقال للشيخ: قد سمعت ما قال: إن كنت قد شهدت بباطل. فارجع فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «إن شاهد الزور لا تزول قدماه حتى يوجب له النار، وإن الطير تجيء يوم القيامة رافعة مناقيرها نحو العرش تضرب بأجنحتها تضع ما في بطنها من هول ذلك اليوم» وما قبلها تبعه. فاتق الله. فإن كنت شهدت بباطل فارجع. قال:
فأتنفض الشيخ ثم قنع رأسه. وقال قد رجعت ومضى.
قال: وفي ذم القضاء ذريعة إلى تعطيل الأحكام. وفي تعطيلها فساد العباد والبلاد. والله لا يحب الفساد فإن قال غير ملطلفٍ للنظر.
إنما أنكرنا القضاة دون القضاء. أحال وناقض. لتعلق أحد المعنيين بالآخر واستحالة قيام القضاء بغير قاضٍ. واشتقاق العرب اسم القاضي من القضاء.
[ ١ / ٩٣ ]
ومعنى قولهم قضاء القاضي. أي الزم الحق. وحكم به وأحكمه، وأتقنه، وقطع الخصومة، وفرغ منه فلا يتعقبه.
قال الله ﷿: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي ألزمناه وحتمنا به عليه. فلا تغير. قال الشاعر في عمر بن الخطاب ﵁:
قضيت أمورًا ثم غادرت بعدها
بواتيج في أكمامها لم تفتق
أو فقال بواتق في أحكامها لم تفتق. يعني شيدت أمورًا وجعلتها حتمًا لازمًا لا تغير.
وقال الله ﷿: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، يعني أحكمه وأتقنه. قال أبو ذؤيب.
[ ١ / ٩٤ ]
وعليهما مسرودتان قضاهما داود
أو صنع السوابغ تبع
يعني: أحكم صنعتهما داود وأتقنه.
وقال: جل ذكره في قصة السحرة ﴿فأقض ما أنت قاض﴾. يعني إفرغ من جميع ما أنت صانع. ولهذا المعنى تقول العرب: قضى فلان: إذا مات أي فرغ من الدنيا. ويسمون الموت قضاء.
حدثنا يوسف بن يعقوب القاضي،: أبو الربيع. حدثنا أبي معشر. عن محمد بن
كعب القرظي. في قوله: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾.
قال الموت، قال: الحارث بن حلزة.
[ ١ / ٩٥ ]
وثمانون من تميم بأيديـ ـهم رماح صدورهن القضاء
يعني أسنتهن الموت.
قال الشاعر:
قد كان في الموت له راحة والموت قاضي في رقاب العباد
(٣١) قال: والحكم والحكمة بمعنى واحد، وذلك وضع الشيء في موضعه فقولهم: حكم الحاكم معناه: وضع الحق في أهله، وضع من ليس له بأهل من التواثب والتجاذب. ولذلك سميت حكمة اللجام. حكمة. لأنها ترد الفرس عن المعاطب، وتمنع. والعرب تقول: حكم وأحكم بمعنى منع.
قال: جرير:
[ ١ / ٩٦ ]
إبني حنيفة أحكموا سفهاكم
إني أخاف عليكم أن أغضبا
أي: إمنعوا سفهاكم.
[ ١ / ٩٧ ]