(٩٠) قال: لا خلاف بين أهل العلم أعلمه أنه لا يكشف عن أحدٍ من أهل الذمة الذين أعطوا الجزية، ولا الموادعين فيما يتدينون به على قدر ما صولح عليه. ولا المستأمن ما لم يحدث ضرر على غيرهم.
(٩١) وأجمعوا على أنه إن رافعه إلى القاضي مسلم، أو رافع هو مسلمًا. وجب على القاضي الحكم بينهما.
(٩٢) واختلفوا فيما عدا ذلك فقال مالك بن أنس: لا يحكم بينهم إلا أن يكون كتب لهم كتاب صلح أن يحكم بينهم. فمتى جاء أحد
[ ١ / ١٤١ ]
الذميين إلى القاضي وأبي الآخر. أتى به، وحكم بينهم بحكم الإسلام. وقال الأوزاعي: لا يحكم بين الكافرين. حتى يجتمعا على الرضا. إلا في المستأمنين. فإنه إذا جاء أحدهما حكم على الآخر.
وقال: الشافعي في كتاب الشاهد واليمين. لما نزل رسول الله - ﷺ - المدينة وداع يهود كافة على غير جزية. وفيهم نزل قول الله ﷿: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
(٩٣) ولم يقروا على أن يجري عليهم الحكم. هذا نص قوله. يعني أن من وداعه الإمام على غير جزية. ولم يشترط عليهم الحكم فلا يحكم بينهم. إلا إذا اجتمع الخصمان على الرضا بحكمنا. فإذا رضينا. فالقاضي في ذلك مخير إن شاء حكم وإن شاء أعرض فإن حكم لم يحكم بينهم إلا بحكم الإسلام، وشهود مسلمين. وبعد أن يصف لهم أحكام الإسلام في ذلك. قبل أن ينظر في دعواهما.
(٩٤) وإن كان شرط الحكم عليهم حكم إذا جاء أحدهم متظلمًا وإن لم يرض به الآخر.
[ ١ / ١٤٢ ]
وأما أهل العهد الذين أخذت منهم الجزية. فإن ادعى على أحد منهم مسلم وجب على الحاكم أن يحكم عليه رضي بحكمهم أو لم يرض.
(٩٥) وإن ادعى عليه مستأمن، أو ذمي من غير أهل ملته. لا يرضى بحكمهم. فالإمام في ذلك بالخيار. إن شاء حكم بينهم. وإن شاء أعرض عنهم. فإذا أراد أن يحكم بينهم. كان له الحكم رضي الخصم يحكمنا أو لم يرض، وإن كان الذي استعدى عليه ذميًا مثله، من أهل ملته، فالإمام بالخيار. إن شاء حكم وإن شاء لم يحكم. فإن أراد أن يحكم فقيه قولان: أحدهما: يحكم عليه وإن لم يرض بحكمنا. فإن جاءت امرأة رجل منهم تستعدي على زوجها، أنه طلقها، أو آلى منها، أو تظاهر. حكمت عليهم حكمي على المسلمين. وامرأته في الظهار لا يقربها حتى يُكفر بعتق رقبة مؤمنة.
والقول الثاني: أن لا يحكم بينهم ولا يعترض القاضي في شيء من ذلك على زوجها. إلا إذا رضيا جميعا بحكمنا. وأحب إليّ أن لا يحكم. فإن أراد القاضي أن يحكم بينهما إذا رضي الخصمان، قال: لهما أن ينظر فيه. إني إنما أحكم بينكم بحكمي بين المسلمين، وشهادة عدول من المسلمين. وأحرم بينكم ما يحرم على المسلمين من الربا وثمن الخمر والخنزير. وأحكم في دية
[ ١ / ١٤٣ ]
الخطأ على العاقلة ولا أحكم على عواقلكم إذا رضوا بحكمي. وما كان من حد الله خلاف دينهم، فرفع إلى الحاكم. ففيه قولان: أحدهما: أن الإمام بالخيار. إن شاء حكم رضي أو لم يرض. وإن شاء رفعه إلى أهل دينه. والقول الثاني أنه لا خيار للإمام. وأوجب عليه أن يقيمه رضي به المحكوم عليه أو لم يرض. وقال في كتاب الجزية: إذا أبى بعضهم إلى بعض ما فيه حق له عليه. فجاء طالب الحق إلى الإمام يطلب حقه. فحق لازم على الإمام أن يحكم، وإن لم يرض به المطلوب لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾، وقال الكوفي: لا يحكم بين الذميين حتى يتراضيا جميعًا. وكذلك، لم يعترض القاضي للحكم بينهما. وكذلك ما أتى من حد الله. لم يحكم عليه إلا إذا رضي بحكمنا وخالفه أبو يوسف فقال: إذا جاء أحد الخصمين حكم على الآخر. وإن لم يرض به.
[ ١ / ١٤٤ ]