(١٠٠) قال: ولا خلاف أعلمه بين الفريقين أن ليس للقاضي أن يقدم على حكم بخلاف ما قد علم. فلو ادعى رجل على آخر أنه قتل أباه. وأقام على ذلك بينة والحاكم يعلم أن أباه في ذلك الوقت حي لم يقتل كان علمه بذلك أولى من البينة التي قامت عنده. بخلاف علمه. وكان عليه أن لا يحكم على المدعى عليه. وكذلك لو عدلت الشهود وهو يعلم جرحهم. لم يحكم بشهادتهم. وكذلك لو ادعى رجل أمة، وأقام على ذلك بينة والقاضي يعلم أنه قد أعتقها. أو أقام بينة على امرأةٍ أنها امرأته، والقاضي يعلم أنها مُطلقة منه ثلاثا في تلك الحالة لم يحكم في شيء من ذلك، بما قامت البينة عنده. وكان علمه أولى من البينة.
(١٠١) واختلفوا في قضاء القاضي بعلم نفسه. فأبى جوازه مالك بن أنس. وتساوي عنده ما علم به قبل ولايته القضاء وبعده. وقال لم يحكم
[ ١ / ١٤٧ ]
النبي - ﷺ - في المنافقين بعلمه. وقد أعلمه الله تعالى نفاقهم. ولا على الأعرابي حتى شهد له خزيمة
وقال ابن أبي ليلى. ما علم به في غير مجلس حكمه فهو شاهدٌ لا يحكم به. وما علم به في مجلس حكمه حكم به. وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: أن له أن يقضي بكل ما علم قبل، أن يتولى القضاء وبعده. وما علمه في مجلس الحكم وغيره من حقوق الآدميين. فأما حدود الله ﷿ ففيها قولان: أحدهما: يحكم به، والآخر لا يحكم به. والقول الثاني: لا يحكم بعلم نفسه في شيء من ذلك. قال الربيع: والذي قالا: كان الشافعي يذهب إليه أنه يقضى بعلم نفسه. ولكن لا يبوح به لفساد القضاة
ومن أصحابنا من خرج على مذهب الشافعي. قولا آخر لما حكاء الربيع من امتناعه أن يبوح به، لفساد القضاة. وهو أن يقضي بعلم نفسه أو شاهدٍ واحدٍ لترتفع التهمة عن القاضي. هذا مذهب الأوزاعي. وحكم به شريح. حكاه يونس بن
[ ١ / ١٤٨ ]
أبي إسحاق عن أبيه. قال شهدت عند شريح بشهادة، وله بها علم. فأجاز شهادتي وحدي. في مثل هذا المعنى حكم النبي - ﷺ - بشهادة خزيمة وعلم نفسه.
وقال الكوفي: لا يقضى بما علم به قبل أن يتولى القضاء. وما علم به بعد ما ولي به القضاء في غير المصر الذي هو قاضيه لم يقض به. وكذلك لو علم في بلد قضائه بعدما ولي القضاء، ثم عزل. ثم ولي ثانيًا لم يحكم به عنده، فأما الذي علمه في بلدة من بلدان عمله بعدما تولى القضاء. فله أن يحكم به إلا في ثلاثة أشياء. حد الزنا، وقطع السرقة، وحدٌ شرب الخمر والسكر. فأما حد القذف فإنه يقضي به. هذا قول أبي حنيفة خاصة. وقال أبو يوسف والحسن بن زياد.
[ ١ / ١٤٩ ]
ومحمد بن الحسن ما علمه القاضي بكل حال، قبل الولاية وبعده. وفي مجلس الحكم وغيره. وفي بلد قضائه. وغير ذلك يحكم به كله، ما خلا حدٌ الزنا، وقطع السرقة وحد الخمر والسكر. فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة في الآمالي أنه قال لو أن رجلًا سمع رجلًا يطلق امرأته، ثم استقضي بعد ذلك. ثم خاصمت إليه المرأة أو الرجل. إنه يفوق بينه وبين وطئ المرأة ولا يفرق بينهما وكذلك الأمة يحال بينه وبين وطئها ولا يعتقها عليه.
[ ١ / ١٥٠ ]