(١٠٢) قال: وأجمعوا أن القاضي حيث ما جلس للحكم في بلد قضائه من مسجد أو غيره. جاز حكمه. ولو جلس في موضع، خارج حد ولايته. فقضى كان كواحد من الرعية، وكذلك. لو سمع الدعوى، والبينة في موضع قضائه، وأبرم القضاء خارج ولايته، أو سمع الدعوى والبينة خارج موضع ولايته، وأبرم القضاء في مجلس ولايته لم يجز.
(١٠٣) واختلفوا فيه لو سمع الدعوى والبنية في مجلس قضائه وأحتاج إلى عدالة الشهود، فخرج لجنازة، أو حاجة إلى خارج بلد قضائه. فسأل عن عدالتهم فعدلوا. فرجع إلى مجلس قضائه فرام الحكم بها. فقياس قول مالك
[ ١ / ١٥١ ]
أن ذلك غير جايز. لأنه لا يجيز القضاء بعلم نفسه. وكذلك قياس قول ابن أبي ليلى. لأنه لا يجوز له أن يقضي بما علم به في غير مجلس حكمه. وكذلك قياس قول الكوفي. لأنه لا يجيز له القضاء بعلم وقع له في غير مصر قضائه. وقياس قول الشافعي في ذلك على قولين: أصحهما أن قضاءه جائز. كما وصفنا في قضاء القاضي بعلم نفسه.
(١٠٤) واختلفوا في موضع الاختيار له. فقال الشافعي: وأحب للقاضي أن يقضي في موضع بارز للناس، لا يكون دونه حجاب، وأن يكون متوسطًا للمصر. وأن يكون في غير مسجد لكثرة الغاشية، والمشاتمة بين الخصوم، وتنزيه المسجد، عن ذلك أولى، وربما أحضرت الحائض.
وروى ابن وهب عن مالك قال: أحب إلي أن يقعد في المسجد وقال الكوفي: ينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع. فإنه أشهر المجالس وأرفقه بالناس، وإن جلس في مجلس حبه أو بيته فلا بأس.
وحكى أسد بن عمر عن الكوفي أنه قال: غير المسجد أحب إلي.
[ ١ / ١٥٢ ]
(١٠٥) وأجمعوا هؤلاء أن الحدود لا تقام في المساجد. وقد روي فيه حديث. حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا عبد الله بن عامر. حدثنا علي بن هاشم. عن إسماعيل بن مسلم عن عمرو بن دينا، عن طاووس، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «لا تقام الحدود في المساجد».
وكان ابن أبي ليلى يقيم الحد ويعزر في المسجد. حدثنا أحمد بن هاشم.
[ ١ / ١٥٣ ]
حدثنا أبو كريب، حدثنا ابن أبي زائدة. عن عاصم الأحول. قال: رأيت الشعبي يضرب نصرانيًا في المسجد كان قذف مسلمًا. ومن حجة الشافعي في ذلك: حديث حدثنا به المطين. حدثنا يوسف بن موسى القطان. حدثنا مهران بن أبي عمر. حدثنا محمد بن مسلم، عن عبد ربه. عن يحيى بن
[ ١ / ١٥٤ ]
العلاء. عن معاذ بن جبل. قال: قال رسول الله - ﷺ -: «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وسل سيوفكم، ورفع أصواتكم، وخصوماتكم، وحدودكم وشرائكم وبيعكم» وحجة مالك والكوفي في ذلك حديث. حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي. حدثنا محمد بن العلاء. حدثنا يونس. عن سعيد بن ميسره. قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان رسول الله - ﷺ - جالسًا على باب الكعبة يقضي بين الناس فجاء شاب فقال: يا محمد إعدل. فقال النبي - ﷺ -: إذا لم أعدل فمن يعدل. ثم دخل الشاب المسجد. فقال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر انطلق إلى الشاب فأقتله فأتاه أبو بكر فوجده يصلي قد
[ ١ / ١٥٥ ]
ركع. فرجع، ولم يقتله. فقال وجدته يا رسول الله يصلي. فقال رسول الله - ﷺ -: لعمر انطلق فأقتله. فأتاه عمر فوجده يصلي قد سجد فلم يقتله. فقال رسول الله - ﷺ - علي له. أين علي؟ فأتاه. فقال: انطلق إليه فأقتله. فأتاه فلم يجده. فرجع. وقال: لم أجده. فقال رسول الله لو قتله، ما افترق من أمتي إثنان بعدي. أنت لهم يا علي تقتلهم بعدي يمرقون من الدين مروق السهم من القوس. فيهم ذو الثدية فأقتلهم.
(١٠٦) قال: أبو العباس قوله جالسًا على باب الكعبة يقضي. يعني به عند باب المسجد. وأخر الحديث يدل على هذا. حيث يقول ثم دخل الشاب المسجد فدل على أنه كان يحكم رسول الله - ﷺ - على باب المسجد.
[ ١ / ١٥٦ ]