(١٠٩) قال: وينبغي للقاضي إذا خرج من منزله إلى مجلس القضاء أن يخرج القمطر بين يديه، عليه ختمه وعلامته. ويستحب له أن يدعو بما كان رسول الله - ﷺ - يدعوا به إذا خرج من منزله.
(١١٠) حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي. حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد.
[ ١ / ١٦٠ ]
حدثنا أبي، عن مجالد عن الشعبي، عن مسروق عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا خرج من بيته يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي».
سمعت في غير هذا الحديث أن الشعبي كان يدعو به. إذا خرج إلى مجلس القضاء. ويزيد فيه: أو أعتدي أو يعتدى عليّ. اللهم أغنني بالعلم، وزيني بالحلم، وأكرمني بالتقوى، حتى لا أنطق إلا بالحق، ولا أقضي إلا بالعدل.
(١١١) قال: فإذا دخل المجلس عم الحاضرين بالسلام. فإنه سُنة. وكان شريح يفعله.
حدثنا عبد الله بن غنام. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع.
عن خالد بن عبد الرحمن. عن ابن سيرين أن شريحًا كان يسلم على الخصوم،
[ ١ / ١٦١ ]
ثم يتصدى في مجلسه مستندًا في أرفق الأماكن به وأحراها لئلا يسرع إلى ملالته مرتغبًا إلى الله ﷿ في العون على ما ولاه، عازمًا على العدل، والانتصاف من الظالم للمظلوم، ووجهه مقابل لأهل مجلسه وهم مستقبلوا القبلة. حدثنا أبو عبد الله محمد بن أيوب الرازي أخبرنا عبد الله بن سوار بن عبد الله العنبري. وداود بن إبراهيم. حدثنا أبو المقدام هشام بن زياد. عن محمد بن كعب القرظي. عن ابن عباس. قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن لكل شيء شرفًا وأشرف المجالس ما استقبل به القبلة» وإنما تجالسون بالأمانة.
[ ١ / ١٦٢ ]
(١١٢) قال: ولا يدع الناس يقومون له إذا دخل ولا يتكئ من غير عذر إذا جلس. حدثنا محمد بن عبد الله المطين، حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني. حدثنا مندله وعيسى بن يونس عن ابن جريج، عن إبراهيم بن ميسرة. عن عمرو بن الشريد، عن أبيه. قال: أبصر النبي - ﷺ - رجلًا جالسًا وقد أتكأ على يده اليسرى. فقال هذه جلسة المغضوب عليهم.
(١١٣) قال: ويجلس الكاتب موضعًا لا يغيب عنه ما يكتب فإن الشافعي قال: ولا ينبغي للقاضي أن يخلي الكاتب يغيب على شيء من الإيقاع. من كتاب الشهادة. قال: ويوضع القمطر بين يدي القاضي
[ ١ / ١٦٣ ]
وحيث أرفق به. لا يغيب عنه، ويتولى فتحه بنفسه ولا يكسر ختمه حتى ينظر إليه، وإلى علامة شده، وإن ولي الفتح ثقة بين يديه بعد نظره إلى الختم والعلامة من غير إدخال الأخير يده في القمطر جاز. ويجمع الفقهاء والعدول يجلسهم يمينه ويساره. حيث يسمع كلامه وكلام الخصمين، ويرفع مجالسهم، وينزلهم على قدر مراتبهم من العلم والنهي. حدثنا محمد بن عبد الله المطين. حدثنا أحمد بن أسد البجلي. حدثنا يحيى بن يمان. عن سفيان عن أسامة بن زيد عن عمر بن محراق عن عائشة قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننزل الناس منازلهم».
[ ١ / ١٦٤ ]
(١١٤) قال الشافعي: ويجتهد أن يجمع المختلفين. فإنه أشد لتقصيه العلم والكشف. بعضهم عن بعض.
(١١٥) وينبغي أن يكون العون بين يديه قائمًا، من وراء ذلك كله ليُقدم الخصم أولًا فأولًا. والناس من وراء العون بالبعد من القاضي، حيث لا ينتهي إليه لفظهم فيشغله عن محاورة من يحاكم إليه وإن كثر النساء حتى زاحمن الرجال. جعل لهن مجلسًا.
(١١٦) حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي. حدثنا محمد بن إسماعيل. حدثنا وكيع عن إسرائيل. عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب. عن عمر بن الخطاب. قال: «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء».
وإن كثر الخصوم حتى لا يُعرف الأول كتبوا الأسامي في رقاع، ويتولى أخذها ثقة من ثقات القاضي، ويجمعها قبل خروج القاضي. فإذا جلس وضعها
[ ١ / ١٦٥ ]
بين يديه، فقلبها القاضي بيده.
ثم أخذ من أعلاها الأول فالأول. فإذا أخرج اسم رجل ناداه العون، فتقدم مع خصمه أو وكيله ولا يسمع من الوكيل إلا بعد إثبات الوكالة على ما أفسره في باب الوكالة. فجلسا بين يديه. وإن كان أحدهما أشرف وأعلى مرتبة. لأن ذلك أول عدل القاضي. ثم هو سنة. حدثنا إبراهيم بن موسى الجوزي. حدثنا أحمد بن منبع والخليل بن عمرو
قالا: حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا مصعب بن ثابت أن عبد الله بن الزبير. كان بينه وبين عمرو بن الزبير، خصومه، فدخل
[ ١ / ١٦٦ ]
عبد الله بن الزبير على سعيد بن العاص، وعمرو بن الزبير معه على السرير.
فقال سعيد لعبد الله بن الزبير: هاهنا. فقال له: قضاء رسول الله - ﷺ - أو سنة رسول الله - ﷺ - إن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم.
(١١٧) قال: فبهذا أقول. إلا أن يكون أحدهما مسلما والآخر ذميًا فيرفع مجلس المسلم على الذمي، لحديث عليّ ﵇ حدثنا بن المطين. حدثنا أحمد بن المقدام العجلي. حدثنا حكيم بن خذام، حدثنا الأعمش عن إبراهيم التيمي.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال: عرف علي درعا له مع يهودي فقال: يا يهودي درعي سقطت مني يوم كذا. فقال اليهودي: ما أدري ما تقول. درعي، وفي يدي بيني وبينك قاضي المسلمين فانطلقا إلى شريح. فلما رآه شريح قام له عن مجلسه وجلس علي ﵇. ثم أقبل على شريح. فقال: إن خصمي لو كان مسلمًا لجلست معه بين يديك. ولكن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تساووهم في المجلس ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشيعوا جنائزهم، واضطروهم إلى أضيق الطرق وذكر الحديث بطوله».
(١١٨) فإذا جلس الخصمان بين يديه أقبل عليهما بمجامع قلبه ولبه وفهمه، وعليه السكينة والوقار، وواساهما في الإقبال ولا يمازح الخصم ولا يضاحكه، ولا يشر إلى أحدهما دون صاحبه ولا يساره.
(١١٩) وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري. أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة. فافهم إذا أدلي إليك. فإنه لا ينفع تكلمه. بحق لا نفاذ له وآسى بين الناس في وجهك، ومجلسك، وعدلك حتى
[ ١ / ١٦٨ ]
لا يطمع شريف في حيفك، ولا يأيس ضعيف من عدلك، وإياك والضجر والقلق في مجلس قد أوجب الله فيه الأجر وأحسن فيه الذخر. لا يمنعك قضاء قضيت بالأمس به. ثم راجعت فيه نفسك فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق. فإن مراجعة الحق أحق من التمادي في الباطل. حدثنا بذلك هارون بن يوسف بن زياد. حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني. حدثنا سفيان عن إدريس بن يزيد. عن سعيد بن أبي بردة. عن أبي موسى. عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري. فذكر ذلك كله.
(١٢٠) قال: ويكف كل واحد من الخصمين عن أذى صاحبه وإن بان له من أحد الخصمين لدد. نهاه. فإن عاد زبره ولا يحبسه ولا يضربه إلا
[ ١ / ١٦٩ ]
أن يكون في ذلك ما يستوجبه فإن استوجب ضربًا فلا خلاف في أن له ضربه إن رأى ذلك صلاحا.
(١٢١) واختلفوا في مقدار ما يعزر به من الضرب. فقال الشافعي: لا يبلغ تعزير الحر أربعين، ولا تعزير العبد عشرين. وقال مالك: يضربه على ما يراه حتى يذعن. وإن ضربه ألفا وأكثر. وقال أبو حنيفة: لا يزيد في التعزير عن تسعة وثلاثين. وقال أبو يوسف: لا يبلغ به ثمانين. وقال ابن أبي ليلى: لا يبلغ به مائة.
(١٢٢) قال: فإذا تقدم صاحب رقعة، وخصمه معه، أو كان له خصوم، فأرادوا أن يتقدموا معه لم يسمع القاضي إلا منه، ومن خصم واحدً. فإذا فرغا أقامهما ودعا الذي جاء بعده. إلا أن يكون آخر من تقدم إليه
[ ١ / ١٧٠ ]
فيسمع من ساير خصومه معه.
قال: فإذا جلس الخصمان بين يديه. نظر القاضي إليهما كالمستنطق لهما.
ويقول العون للمدعي وهو صاحب الرقعة تكلم. وإن قال له القاضي، فلا بأس به. وكان شريح يقول: أيكما المدعى فليتكلم.
(١٢٣) قال: فيبتدئ المدعي. فإذا استوفى كلامه، وسكت نظر القاضي في الدعوى. فإن لم تكم صحيحه. قال له صحيح دعواك، ولا يلقن واحدًا منهما حجته. فإن لم يصححها أمامه بعد ثالثة. وكان شريح لا يزيد على مرتين ويقول: كلمة آمرًا كلمتين، فإن أبى فارفع.
(١٢٤) فإن صحح المدعي دعواه على ما أفسره في باب تصحيح الدعاوي سمعها. ثم أقبل على المدعى عليه. وقال: أجب المدعى عما ادعى قبلك. ولا يقبل من كلامه إلا ما هو جواب لدعوى خصمه. فإن أقر أخذه بحكم الإقرار على ما أفسره في باب الإقرار. فإن سكت ولم ينطق
[ ١ / ١٧١ ]
وأبى أن يجيب بعد سماعه وعلم القاضي أنه غير ما وف، أو نطق فقال: لا أنكر. فقد اختلف أهل العلم في ذلك. فقال الشافعي: في كتاب اختلاف العراقيين. وإذا قال المدعى عليه للقاضي لا أقرر ولا أنكر قيل للمدعى: إن أردت أن يحلف عرضت عليه اليمين. فإن نكل. قلنا لك احلف على دعواك وخذه. فإن أبيت لم نعطك شيئًا بنكوله، دون يمينك مع نكوله.
وقال الكوفي: إذا قال الخصم للقاضي لا أقر ولا أنكر أو سكت فلم ينطق لم أجبره على ذلك، ولكني أدعوا المدعي بشهوده. فإن لم يكن له شهود، وأراد المدعي يمينه عرض عليه اليمين ثلاثًا. فإن نكل وأبى أن ينطق من غير عذر حكم عليه بعد الثالثة. وكان أبو يوسف إذا لد الخصم يقول له احلف مرارًا ثلاثة فأعذر إليه. فإن لم يحلف حكم عليه. فإن أبى أن يحلف قضى عليه.
[ ١ / ١٧٢ ]
وقال مسلم بن خالد الزنجي: أجبره القاضي على أن يقر أو يُنكر. فإن امتنع ضربه وحبسه وضيق عليه حبسه على حسب ما يراه حتى يختار أحد الأمرين.
(١٢٥) قال: فإن نطق المدعى عليه فأنكر. نظر القاضي فيما تنازعا، واستوعب جميع ما قالا. فإن كانت مشكلة اجتمعوا على أنه يشاور من حضره من الفقهاء.
(١٢٦) واختلفوا في جواز مشاورته لهم بحضرة الخصم. فقال الكوفي: لا يشاورهم بحضرة الخصوم حتى يعرف الخصمان ما يدور بين القاضي وأصحاب المشورة ما يعزم عليه رأيه فيما يريد أن يحكم به. وقال الشافعي: يشاور أهل العلم ويتحرى أن يجمع المختلفين. لأنه أشعر لتقضيه العلم، ولكشف بعضهم عن بعض. فيعيب بعضهم قول بعضٍ حتى يتبين له أصح القولين.
(١٢٧) ولم يفصل بين من يشاورهم بحضرة الخصم وغير حضرته.
[ ١ / ١٧٣ ]
وأجمعوا أنه إذا شاور. يشاور عالمًا بالكتاب والسنة وأقاويل الأئمة فقيها عاقلًا. يعرف مخارج القياس وموارده ويعرف لسان العرب أمينًا لا يقصد إلا قصد الحق فيما يشاور فيه.
(١٢٨) واختلفوا في سبيل الأخذ منهم إذا أشاروا به عليه وهل يجوز له تقليدهم. فقال الشافعي: لا يقبل من أحد. وإن كان أعلم منه حتى يعلم كعلمه أن ذلك لازم له منحيث لم تختلف الراوية فيه أو بدلالة عليه أو أنه لا يحتمل وجهًا أظهر فيه. فأما أن يقلده فلم يجعل الله ذلك لأحد بعد رسول الله - ﷺ -.
وقال: في كتاب القديم ويقلد الصحابي فإن اختلفوا وفيهم من الخلفاء الأربعة أحدٌ فهو أحق. ولا يجوز أن يستحسن بغير قياس. ولو جاز ذلك لجاز أن يشرع في الدين.
وقال مالك: نحو قوله القديم. وزاد فيه أو عمل أهل المدينة. فإنه أولى من التقليد.
وحكى محمد بن الحسن في كتاب أدب القاضي عن أبي حنيفة أنه قال:
[ ١ / ١٧٤ ]
ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله. فإن لم يجد فبما أتاه الله عن رسول الله - ﷺ -. فإن لم يجد فبما أتاه عن أصحاب رسول الله - ﷺ -. فإن اختلفوا تخير من أقاويلهم أحسنها، واجتهد، وليس له أن يخالفهم جميعًا شيئًا من رأيه.
فإن لم يجد فبما جاء عنهم اجتهد فيه رأيه وقاسه بما جاءه عنهم. فإن أشكل عليه شاور رهطًا من أهل الفقه. فإن اختلفوا نظر إلى أحسن أقاويلهم وأشبهها بالحق، وقال فيه، فإن التبس على القاضي القضاء استشار رجالًا من أهل الفقه والصلاح. فأخذ بقولهم فأنفذه على الخصمين فهو حسن جاز.
وحكى الخصاف في كتاب أدب القاضي على مذهبهم إذا أشكل على القاضي فشاور فيه ففيها فهو في سعة أن يأخذ بقوله إذا لم يتبين للقاضي في ذلك رأي.
وإن تبين له فرأى خلاف رأي الفقه قضى برأي نفسه وإن كان الذي شاور أفقه منه.
(١٢٩) قال: وأجمعوا أنه إذا تبين للقاضي وجه الحكم فيما أشكل، أو لم تكن الدعوى مشكلة، وظهر وجوب البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. أقبل القاضي على المدعي. فقال: قد أنكر ما أدعيت. فإن طلب [المدعى يمين] المدعى عليه فيما أنكر. فقد اختلف أهل العلم فيما يجب على القاضي فيه.
[ ١ / ١٧٥ ]
فقال مالك: يجب على القاضي أني نظر بينهما. فإن كان بينهما مخالطة، أو ملابسة أحلفه، وإلا فلا يمين عليه وكذلك لو ادعت المرأة على زوجها عنده أنه طلقها. وطلبت يمينه لم يستحلف إلا أن تأتي بشبهة.
وقال الكوفي يجب على القاضي أن يقول للمدعي ألك بينة؟ فإن قال: نعم ولكني أريد يمينه لم يحلفه إن كانت له بينة حاضرة. فإن قال مالي بينة حلفه إلا في سبعة عشر موضعًا. النكاح، والرجعة، والولاء، والرق، والنسب، وفي الولي إذا ادعى أنه قد فاء إليها ووطئها، وأنكرت المرأة ذلك. وفي الأمة تدعي على سيدها، أنه وطئها فأولدها. وإذا ادعى على رجل أنه وكيل فلان أو وصي فلان الميت فأنكر المدعى عليه أن يكون وكيلًا أو وصيًا لم يحلف على ذلك. وكذلك لو ادعى رجلان بسلعة أو شيئًا بعينه فأقر به لأحدهما، ورام الآخر يمينه، ما هذه السلعة له، لم يحلف للآخر، ولم يكن خصمًا له، وقيل للمدعي. خاصم المقر له، ولو ادعى رجل عليه شيئًا بعينه فأقر أنه لابنه الصغير في حجره، لم يحلف وكان خصمه عن ابنه الصغير. ولو ادعى رجلٌ على رجل شفعةً في دار حدها فقال المدعى عليه هذه الدار لولدي الصغير في حجري، وما اشتريتها، لم يحلف، وكذلك إن قال هي لولدي الصغير ما اشتريتها له لم يحلف، وكذلك أن قال هو لولدي الصغير
[ ١ / ١٧٦ ]
ما اشتريتها له لم يحلف ولم يحكم للمدعي إلا أن يقيم بينة. ولكن لو قال اشتريتها لولدي الصغير كان إقرارًا بالشفعة. ويحكم بها عليه. نص على ذلك عنه الخصاف في كتاب أدب القاضي.
(١٣٠) وإن ادعى رجلان امرأة كل واحد منها أنها زوجته فأقرت لأحدهما بالزوجية لم يحلف للآخر.
وفي الحدود كلها إلا حد السرقة، لتعلقه بحق الآدمي. ويحلف عنده فيما عدا ذلك من الدعاوى.
ومذهب الشافعي يحلفه في ذلك كله الآفي حدود الله تعالى من قطع سرقة وحد زانٍ ورجمه.
(١٣١) وإذا مات رجل وترك مالًا وخلف ابنين أحدهما صغير والآخر كبير. فجاء رجل يدعي أنه ابن الميت، وأن له إرثًا في مال الميت الذي في يد هذا الكبير. فأنكر الكبير ذلك. فمذهب الشافعي: أنه لا يحلف لأنه لو أقر له لم يلزمه عنده حكم.
وقال أبو يوسف ومحمد: يحلف لأنه ولو أقر دفع إليه نصف ما في يده من
[ ١ / ١٧٧ ]
تركة الميت. وكذلك لو كانا كبيرين فأنكرا لم يحلف واحدٌ منهما عند الشافعي. قلته تخريجًا.
وقال: أبو يوسف ومحمد يحلفان معًا. فأيهما حلف بريء. وأيهما نكل أعطى نصف ما في يده. ومن أصحاب الشافعي من زعم أنه يحلف الابن الكبير، وذلك أن المدعى يقول طالبوه باليمين، فلعله أن ينزجر فيقر فأتوصل بذلك إلى يمين الصغير إذا بلغ. ولو اعترف أحدٌ الأخوين وأنكر الآخر، وليس للميت وارث غيرهما يخلف المنكر منهما عن الجميع.
(١٣٢) ولا يسأل المدعي ألك بينة؟ فإنه يرى استحلافه. وإن كانت للمدعي بينة. وإنما يقول أمعك بينة تقيمها. أخرجه أبو العباس بن سريج على مذهبه. ولم يختلف فيه أصحابه. وذلك أن الشافعي قال: مع أول كتاب الدعوى والبينات. من كان بيده مال فأدعاه آخر فالبينة على المدعى. فإن جاء بها أخذ وإن لم يأت بها فعل المدعى عليه اليمين، ولم يقل فإن لم يكن له بينة.
وذهب أبو يوسف إلى ما ذهب إليه الشافعي في ذلك. فقال: يحلف في
[ ١ / ١٧٨ ]
كل شيء عدا حدود الله. ولا يسأل ألك بينة؟ وزاد عليه في حدود القذف. فقال لا يمين فيه.
(١٣٣) قال: وإذا أراد القاضي استحلافه أقبل على المنكر فقال له: أتحلف. فإن قال نعم. أمر ثقة يحلفه على ما أفسره في باب الإيمان ولا بأس أن يتولى القاضي استحلافه. فإن بادر المدعى عليه فحلف قبل أن يحلفه القاضي فلا خلاف بين الكوفي والمدني أن القاضي يعيد عليه اليمين. قد حلف ركانة بن يزيد. بين يدي النبي - ﷺ - قبل أن يستحلفه فأعادها عليه رسول الله - ﷺ -.
(١٣٤) وقال: فإذا حلف المدعى عليه منع المدعى من مطالبته فيها إلا ببينة يقيمها. والبيان مختلفة على قدر الدعاوى واختلاف أهل العلم فيها.
وقد جردت لذكرها بابًا مفسرًا. فإن طلب الحالف أن يكتب له في ذلك
[ ١ / ١٧٩ ]
تذكرة تكون في يده خيفة أن ينسى القاضي فيعنته المدعي باستحلافه ثانيًا عنده أو عند حاكم غيره. كتب له بها تذكرة فيها شهادة من حضره بخطوطهم. فتكون في يده حجة. وإن ختم في أسفله غير مطوي كان أوثق.
(١٣٥) قال: فإن لم يحلف المدى عليه، وقال: قد حلفني على هذه الدعوى مرةً، وأستنظره لأقامة البينة على يمينه انظره القاضي مجلسًا واحدًا، وعلى ما يراه أكثره ثلاثًا. وإن قال حلفني عندك، والقاضي يعلم وأنه ما حلفه، فلا يقبل منه ذلك، ولا ينظره لإقامة البينة. إلا أن يقول حلفني عند حاكم غيرك. فإن لم يكن بذلك علم فأقام البينة. أنه خلفه عنده على ذلك، ولم يذكره القاضي. فمذهب الشافعي والكوفي في ذلك، أن يقبل البينة العادلة. قال الكوفي نصًا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا، وذلك أنه قال في كتاب أدب القاضي في الخصمين إذا تداعيا. وأقام المدعى البينة فاتخذ القاضي محضرًا بما جرى.
قال الشافعي فإن خاف النسيان أمر من حضره من العدول بتوقيع شهاداتهم من المحضر. فإن ذكره وإلا شهد عليه من تقبل شهادته.
[ ١ / ١٨٠ ]
(١٣٦) قال: وإن لم يقم المدعى عليه ببينة على ذلك، ورام استحلاف المدعي على أنه لم يحلفه على هذه الدعوى حلف. فإن قال: المدعي أيضًا لا أحلف. فإنه قد حلفني على ذلك مرة. ولي بذلك عليه ببينة سمعها القاضي. وإن قال لا بينة لي فخلفوه على أنه لم يحلفني أني ما حلفته في هذه الدعوى. لم يسمع القاضي من المدعى لأن المدعى عليه دفع ذلك بمثل مفالته، ودعواه. وإن ذلك يطول إلى غير نهاية. وفي ذلك ذريعة إلى منع القاضي من الوصول إلى الحكم. فالمدعي أحق بقطع المادة. لأنه الطالب دون المدعى عليه. فإما أن يحلف. وإما أن يقوم عن المجلس. قلته على مذهبهما تخريجًا.
وإن أبى المدعي أن يحلف ناكلًا، ولم يدع أنه قد حلفه. فهذا نكول. وقد اختلف مذهب الشافعي والكوفي. فقياس قول الشافعي أن يرد اليمين عليه. فيحلف بالله لقد حلفني عند حاكم على ذلك. وقياس قول الكوفي: أن يحكم على المدعي بنكوله أنه قد حلف المدعى عليه في ذلك عند حاكم.
وقياس قول أبي يوسف أن يعذر إلى المدعي ثلاثًا ثم يحلف عليه أنه قد حلف المدعى عليه في ذلك.
(١٣٧) واختلفوا إذا قال المدعى عليه عندي المخرج من هذه الدعوى. فقال الشافعي، وأبو حنيفة ليس ذلك بإقرار، وكذلك لو قال عندي البراءة من هذه الدعوى لم يكن ذلك عندهما إقرار. وإن رام استحلاف
[ ١ / ١٨١ ]
المدعى عليه ماله من ذلك مخرج. لم يحلف.
وقال ابن أبي ليلى: هو إقرار. فإن لم يأت بمخرج لزمه ما ادعى عليه.
وإن قال المدعي قد أبرأني من هذه الدعوى فلا خلاف بين الشافعي والكوفي إن ذلك ليس بإقرار. قاله الكوفي نصًا. وقلته عن الشافعي تخريجًا على المسألة الأولى. وقد بينت ذلك في باب الإقرار بأكثر من هذا البيان. وقياس قول ابن أبي ليلى أن ذلك إقرار. قلته تخريجًا على جوابه في المسألة الأولى.
(١٣٨) واختلفوا في استحلاف المدعي في هذه المسألة إن رام المدعى عليه يمينه بالله إنه ما أبرأه من هذه الدعوى. فمذهب الشافعي في ذلك أن يحلف المدعي لأنه لو أقر أن لا دعوى له عليه بريء. وبه قال: الخصاف في كتابه. وحكى محمد عن أصحابه الكوفيين أنهم قالوةا لا يحلف المدعي أنا ما أبرأه من هذه الدعوى. وإنما يكون الحلف على ذلك بعد أن يصح المال
[ ١ / ١٨٢ ]
وإن قال أبرأني من هذا المال فهو إقرار. قاله الكوفي نصًا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا. لأن الإبراء عن المال لا يكون إلا بعد ثباتة ألا ترى أن رجلًا لو حلف لا يبرئ فلانًا من المال فبرأه مما ليس عليه لم يكن ذلك إبراء. وقد خالف هذا بعض المتأخرين. وأستدل بقول الله ﷿: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾، وزعم أن الله برأه من أدره لم تكن. وهذه شبهة دخلت عليه. وإنما معناه والله أعلم. فبرأه الله مما كان من القول به حتى لم يقولوا بعد ذلك. ألا ترى إلى قوله ﷿: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، فكان الأذى بالقول لا بالأدرة. فبرأه الله مما أذاه من القول.
(١٣٩) قال: ولا خلاف بين الفريقين أعلمه أن لو قال المدعى عليه عندي المخرج من هذا المال، أو قال عندي المخلص من هذا المال، أو البراءة من هذا المال أو قال إني بريء من هذا المال، وأنا أقيم البينة على ذلك. فأسمعها لم يعذره القاضي بذلك حتى يبين وجه المخرج والبرأة مما يجوز أن يتوجه عليه الشهادة.
(١٤٠) اختلفوا، هل يجعل ذلك إقرارًا؟ فمذهب الشافعي والكوفي أن ليس بإقرار. قلته تخريجًا فيما عدا المخرج وقياس قول ابن أبي ليلى
[ ١ / ١٨٣ ]
أن ذلك إقرار لأنه قال: لو قال المدعى عليه عندي المخرج من هذه الدعوى. كان إقرارًا ولو قال قد برئبت إليه من هذا المال. فمذهب الشافعي إن يُسأل المدعى عليه. فإن قال قد قضيته كان إقرارًا ويحلف المدعي بالله أنه ما اقتضاه. وإن قال قد برئت إليه بأن حلفت له. أو أقمت بينة على إقراره بالبرأة كان القول قوله مع يمينه.
وقال الكوفي: هذا إقرار بأنه قد قضاه، فإن صح القضاء، وإلا لزمه.
(١٤١) وإن قال المدعى عليه حلفوا المدعي على ما ادعاه. واحكموا على بما يدعي. لم يحلف المدعي حتى تعرض اليمين أولًا على المدعى عليه، وينكل. ثم يرد اليمين على المدعي. بعد النكول. قلته على مذهب الشافعي تخريجًا. قال: أبو علي ذكر أبو العباس هـ ذه المسألة في باب تفريغ مسائل النكول. ورد اليمين، من هذا الكتاب. وأجاب بخلاف هذا الجواب، وجعلا نكولًا منه. قال: قلته تخريجًا. لأنه إنما أجاز رد اليمين على المدعي. وهذا ليس بردٍ يعرض وينكل.
وقال الكوفي نصًا.
[ ١ / ١٨٤ ]
(١٤٢) وإن قال المدعى عليه لا يجوز لي أن أحلف. سأله القاضي عن ذلك. فإن قال لأني حلفت أني لا أحلف عند حاكم، أو نذرت. لم يعذره القاضي بذلك، ولم يجعله نكولًا، وأخذه باليمين. فإن أبى أن يحلف فقد اختلفوا في ذلك.
فقال الشافعي ومالك يرد اليمين على المدعى. فإن حلف حكم له في كل ما أدعى من المال، والنكاح والطلاق والعتاق والقصاص، وغير ذلك. ولا يحكم بالنكول على أحدٍ إلا في مسائل ذكرتها في باب النكول ورد اليمين.
وقال الكوفي يحكم عليه بالنكول إلا في مسألة واحدة وهي: القصاص في النفس إذا ادعى عليه قتل عمدٍ. فأنكر فاستحلف وأبى. لم يحكم عليه بالنكول، ولكن يحبس حتى يحلف أو يقر. فأما القصاص دون النفس وسائر ما يُحلف عليه إذا أبى حُكم عليه بالنكول.
وقال أبو يوسف ومحمد: كل القصاص في النفس وما دونها لا يحكم فيها بالنكول.
(١٤٣) قال: وإن قال المدعى عليه للقاضي سل المدعي من أين له هذا المال علي. فإن ادعى من كذا. فلي عليه بينة. وإن ادعى من غيره حلفت له.
[ ١ / ١٨٥ ]
فمذهب الشافعي: أن القاضي بالخيار إن شاء سأله. قلته تخريجًا وذاك أنه قال واجب أن لا يقبل الشهادة حتى يسأل من أين هو عليه. وإن لم يسأل كان هذا الموضع غنًا. ورأيته جائزًا.
وقال الكوفي: لا يسأل المدعي عن ذلك إلا أن يقر المدعى عليه بالمال. ويدعي أنه من وجه كذا. مثل أن يقول من ثمن سلعةٍ، لم أقبضها، فيسأل المدعي حينئذ عن الوجه الذي يدعي المدعى عليه.
(١٤٤) وأجمعوا على أنه لو قال المدعى عليه له علي ألف دينار من ثمن ميتةٍ أو دمٍ أو خمرٍ، أو خنزير أو نحو ذلك إنه يسأل المدعي عن ذلك.
فإن وافقه في ذلك بطلت الدعوى، وإن أنكر أن يكون ذلك من ثمن محرم. فقد اختلفوا في ذلك. فقال أبو حنيفة: القول قول المدعي مع يمينه بالله ما هو من ثمن هذا المحرم. فإذا حلف حكم له بالألف.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: القول قول المقر، مع يمينه، فإن حلف برئ من الألف.
[ ١ / ١٨٦ ]
وللشافعي في ذلك قولان: أحدهما أن القول قول المدعي مع يمينه. والآخر: أن القول قول المقر مع يمينه. وهذا أشبه القولين عنده.
(١٤٥) وإن كانت الدعوى في شيء بعينه من عقار أو غيره فذكر المدعى عليه أن ذلك ليلس في يده، وأنه يمنعه بينة تقوم، أو رد يمين على المدعي بعد استحلاف المدعى عليه، ونكوله، ولا بأس أن يقول للمدعي اذهب إلى الموضع فمن منعك فرافعه إن أردت خصومته. وقد شرحت ذلك في باب دفع الدعوى والخصومة عن نفسه.
وقال أبو حنفة وأبو يوسف: لا يحلف المدعى عليه في ذلك. وقال محمد بن الحسن: يحلف المدعى عليه، وإن نكل ثبت أنه في يده، وصار خصمًا قال: وإذا أراد المدعي إقامة البينة فشهدت البينة بعد الاستشهاد سمعها القاضي.
(١٤٦) واختلفوا فيه إذا شهد بها قبل أن يسأل. فقال الشافعي: لا يكون له شهادة، لأنه شهد ولم يستشهد. وبه عاب رسول الله - ﷺ - من فعل ذلك.
[ ١ / ١٨٧ ]
حكاه عنه أبو عبد الرحمن الشافعي. فإن استعادها القاضي فأعادها قبلت. قلته تخريجًا على مذهب الشافعي والكوفي، أن ذلك ليس بخرج. هذا فيما عدا السرقة، وقطع الطريق لتعلقه بحق الله. قلته تخريجًا. وذلك أن الشافعي ذكر أن شاهدين لو شهدا عند القاضي على رجلٍ بسرقة من حرز فلان. يوجب القطع. إنه يسمع الشهادة ويسأل فلانًا فإن ادعاها. حكم بها.
وقال الكوفي: في ذلك كله الشهادة غير مقبولة.
وقال مالك: هي جائزة، وليس على القاضي أن يستعيده الشهادة ثانيًا.
(١٤٧) وأجمعوا على أن القاضي يسمع الشهادة بعد الاستشهاد إذا كان بحضرة الخصم، أو وكيله على ما أثبته في باب الشهادات.
[ ١ / ١٨٨ ]
(١٤٨) واختلفوا في سماعها من غير محضر الخصم، ولا وكيله.
فقال الشافعي: واجب أن لا تقبل الشهادات إلا بمحضر من الخصم المشهود عليه، أو وكيله. وإن سمعها من غير محضره فلا بأس به، وينبغي إذا حضر أن يقرأ عليه ليعرف حجته فيها.
وقال الكوفي وأصحابه لا يجوز للقاضي أن يستمع لهما إلا بمحضر الخصم أو وكيله.
(١٤٩) واختلفوا في قبول الشهادة بعد يمين المدعى عليه. فأجازه الشافعي ومالك والكوفي. وأبى ذلك ابن أبي ليلى. ولو قال المدعي حلفه على أنه إذا حلف فقد برئ من حقي ثم رام بعد اليمين إقامة البينة قبلها. قاله الكوفي وأصحابه نصًا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا. على ما قال من الصلح على الإنكار، وأنه لا يبرئه لأنه حرم حلالًا. بما يحرم به. وقلت حكم الشريعة عن وجهه.
(١٥٠) قال: وليس للقاضي أن يعنت الشاهد، ولا أن يتعتع في الشهادة أو يخصر فيها. ولكنه يرفق به ويدعه يأتي بالشهادة على وجهها عنده.
[ ١ / ١٨٩ ]
فإن كانت جائزة سمعها. وإن كانت مردودة ردها.
(١٥١) قال: وأجمع الشافعي والكوفي أنه لا يقبل من شاهد حكاية وجوب الحق والإقرار. وإن كان قد جاء مجيء الشهادة حتى يبتدئ الشهادة بأن يقول: أشهد ثم ينسق الكلام عليه قاله الكوفي نصًا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا.
(١٥٢) واختلفوا: هل يجوز للقاضي تلقين الشاهد. فقال: الشافعي في كتاب أدب القاضي. ولا يلقن الشاهد، ولكنه يوقفه، والتوقيف غير التلقين.
وقال: أبو حنيفة ومحمد لا يسع تلقين الشاهد. قالا فإن قال القاضي للشاهد اشهد بكذا. فهذا تلقين لا يسع وكان أبو يوسف لا يرى بتلقين الشاهد بأسًا. ويقول لو بقي أبو حنيفة حتى أدرك شهود زماننا لأجاز التلقين. وأجمع الشافعي والكوفي. أنه إن لقنه فتلقن لم تبطل به شهادته وقبلها.
[ ١ / ١٩٠ ]
(١٥٣) قال: وإذا كانت الشهادة في يسير من الأمور، وكان من شهد بها ظاهر العدالة، ولم يدفعه الخصم بحجةٍ، ورأى أن يحكم بها من ساعته حكم. وإلا نأتي به. وعقد محضرًا بما جرى من ذلك كله على وجهه بعينه، وتفسيره، وباسم المدعي، والمدعى عليه، وأنسابهما، وما يعرف به كل واحدٍ منهما من قبيلته وكنيته، وصناعة، وبأسماء الشهود، وأنسابهم وما يعرف به كل واحدٍ منهم من الكنية، والصناعة والقبيلة وغيرها. ومسكنة، ومحلته، ومصلاه.
(١٥٤) واختلفوا في تحلية الشهود. فقال: الشافعي إن كان مجهولين كتب حلية كل واحد منهم. وأبى الكوفي أن يكتبها.
وقال: ابن شبرمة شيئان لم يعمل بهما أحد قبلي ولن يدعهما أحدٌ بعدي تحلية الشهود والسؤال عند عدالتهم سرًا.
(١٥٥) قال: فيكتب القاضي ذلك بخطه أو خط كاتبه حسب ما يراه، ويقف الشاهد على شهادته فيكتب بين يدي القاضي، أو ناحية منه.
[ ١ / ١٩١ ]
ثم تعرض على القاضي، والشاهد يسمع، ولا يقبلها، في مجلس لم يوقع فيها بيده، أو كاتبه على ما وصفته
(١٥٦) قال: ولا ينبغي للقاضي أن يسمع الشهادة إذا كان لم يحضره قرطاس يتخذ المحضر فينسى. ولا أن يخلي الكاتب يغيب على شيء من الإيقاع، إلا أن يعيده عليه، والشاهد حاضر. ثم يطوي المحضر، ويختمه، ويكتب عليه محضر فلان بن فلان، وفلان بن فلان في شهر كذا. من سنة كذا فيرفعها في فمطره. لا اختلاف فيه بين الشافعي والكوفي فإن أراد المشهود له أن يأخذ نسختها. أخذها.
(١٥٧) قال: وينبغي للقاضي أن يضم الشهادات بين الرجلين وحججهما في موضع واحدٍ مكتوبًا عليها ترجمتها، كما وصفت فتكون أعرف له أذا طلبها. فإذا مضت السنة عزلها وكتب عليها خصومة سنة كذا. حتى تكون كل سنة مفروزة وكل سنة معروفًا. فإن خاف النسيان أمر من حضره من العدول بتوقيع شهاداتهم في المحضر وإن ذكره وإلا شهد عليه
[ ١ / ١٩٢ ]
من تقبل شهادته، لأنه قد يحتال على الكاتب فيطرح من ديوانه الخط. فيشبه الخط الخط، والخاتم الخاتم.
(١٥٨) واختلفوا في عدالة الشهود، فقال الشافعي: تسمع الشهادة ممن شهد عنده، ثم يسأل عن عدالة من جهل عدلته سرًا. فإذا عدلوا سأل عن عدالتهم علانية ليُعلم أن المعدل سرًا هو هذا بعينه، لأنه يوافق اسم اسمًا، ونسب نسبًا. وكذلك قال: أبو يوسف ومحمد. وقال مالك: لا أسمع الشهادة إلا ممن تثبت عدالته عندي قبل الشهادة: لأني لا أسمع إلا من عدل. فالواجب على مذهبه أن يكون للقاضي في البلد عدول مشهورون، لا تسمع الشهادة إلا منهم. وقال: الكوفي دون صاحبيه لا أسأل عن الشهود. والمسلمون على العدالة. فإذا عرفته حرًا بالغًا إلا أن يطعن فيهم المشهود عليه. فإن طعن فيهم. سألت عنهم في السر وزكيتهم في العلانية إلا شهود الحدود، والقصاص، فإني اسأل عنهم في العلانية وأزكيهم في العلانية.
[ ١ / ١٩٣ ]
(١٥٩) قال: وقد جردت بابًا بعد هذا في كيفية السؤال عن العدالة.
(١٦٠) ثم اختلفوا فيما يجب على القاضي إذا رجعت عدالة الشهود. فقال الشافعي يعلم القاضي المشهود عليه أن قد رجعت عدالتهم.
ثم أطرده جرحهم، وقبلها منه على ما كان منه من الشهود، لا فرق بين أحد في ذلك، وأجله على جرحهم بالمصر الذي هو به، وما قاربه. فإن جاء بها، وإلا أنفذ الحكم عليه. فإن أتى في جرحهم شاهد واستأجله في آخر. رأيت أن يضرب له أجلًا ويوسع عليه حتى يجرحهم، أو يعوزه فيحكم عليه.
وكذلك قال: أبو يوسف ومحمد. وقياس قول الكوفي أن لا يطرده الجرح، إلا أن يسأل ذلك المشهود عليه ويطعن. كما حكيت عنه في السؤال عن العدالة.
(١٦١) قال: فإن لم يأت بجرحهم وأراد القاضي إنفاذ الحكم عليه بما ثبت عنده دعاه فأجلسه وأعذر إليه فقرأ عليه المحضر، وبين له جميع ما أحتج به، وأحتج خصمه عليه. وإن كان بحضرة الفقهاء سألهم بحضرته ليخبروه بوجوب الحكم عليه. ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه، وأبعد من
[ ١ / ١٩٤ ]
التهمة، وأحرى إن كان القاضي غفل من ذلك عن موضع فيه حجة أن ينبهوه. فإن تبين له فيها شيء خلاف ذلك رجع. وإن أشكل عليه وقف، وشاور فيه حتى يتبين له الحق. كل ذلك اختيار، ولا أعلم خلافًا في أنه إن لم يفعل القاضي ذلك، وحكم جاز حكمه.
(١٦٢) قال: وإن استنظره لإيراد حجة سأله عن وجه ما يريد أن يأتي به. فإن لم يكن فيه ما يدفع به، فأثبت عليه لم ينظره. وإن كان فيه مدفع لما ثبت إن هو أتى به. أنظره على مذهب الشافعي، على ما يراه اليوم واليومين، ولا يجاوز به ثلاثًا. وعلى مذهب محمد بن الحسن ينظره مجلسًا أو مجلسين، قلته على مذهبهما تخريجًا.
وإن قال لي حجة، ولم يتبين وجهها، لم يقبل منه ذلك، ولم ينظره إلا برضا خصمه.
(١٦٣) وأجمعوا في وجوب الحكم عليه أن لا يدع حجة، وعلى أن للقاضي تأخير الحكم برضا الخصمين إن طمع في الصلح. قال: عمر بن الخطاب: «رددوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث الضغائن».
[ ١ / ١٩٥ ]
حدثنا أبو بكر أحمد القاضي. حدثنا القاسم بن يزيد. حدثنا وكيع. عن مسعود، عن الأزهر. عن محارب بن دثار عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك.
(١٦٤) واختلفوا في مقدار تأخير الحكم لذلك. فقال الشافعي: أجب أن يأمرهما بالصلح، وأن يتحللهما في تأخير الحكم بينهما اليوم واليومين. فإن لم يجتمعا على تحليله لم يكن له أن يردهما. وأنفذ الحكم بينهما اليوم واليومين. فإن لم يجتمعا على تحليله لم يكن له أن يردهما. وأنفذ الحكم بينهما متى بان له، فإن عليه الأناة إلى بيان الحكم، والحكم قبل البيان ظلم. والحبس بالحكم بعد البيان ظلم. قاله نصًا. وله فيه قول آخر ينتظر به ثلاثًا. ٌلته تخريجًا.
وقال: الكوفي إن طمع القاضي أن يصطلح الخصمان فلا بأس أن يردهما، ولا ينفذ الحكم بينهما لعلهما أن يصطلحا، ولم يؤقت في ذلك شيئًا.
وقال: محمد بن الحسن لا ينبغي للقاضي أن يردهما أكثر من مرةٍ أو
[ ١ / ١٩٦ ]
مرتين، يعني مجلسًا أو مجلسين. وإذا عزم القاضي على الحكم لامرئ على أحد أمر الكاتب أن يكتب له به قضية باسمه، ونسبه، واسم المحكوم له، والمحكوم عليه وأنسابهما، وأسماء الشهود، وأنسابهم، وما يعرفون به. وذكر حججهما، وتداعيهما، وجميع ما جرى من ذلك مفسرًا في غاية البيان والتفصيل، وجعل المحكوم عليه على حجته، إن أوردها حتى أوردها. وكتب في أعلا القضية بخطه.
[ ١ / ١٩٧ ]