(١٦٥) قال: أجمع الشافعي والكوفي أن رجلًا لو استعدى على أحد حدًا من حدود الله تعالى لم يعده ولم يهجم عليه في أخذه، إلا في مسألة واحدة. وهو حدٌ قطاع الطريق. قلته على مذهبهما تخريجًا. وقد هجم عمر بن الخطاب على قومٍ يشربون، قد كان مر نهاهم عن ذلك. فقالوا: إن كنا أخطأنا في آية من كتاب الله فقد أخطأت في آيتين، ولجت بيتنا من غير إننا. والله ﷿ يقول: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ وتحبست ما كان الله وضع عنك. والله يقول:
[ ١ / ١٩٨ ]
﴿ولا تحبسوا﴾. فاستعبر عمر. وقال: صدقتم كل أفقه من عمر.
(١٦٦) قال: فأما حقوق العباد إذا أدعى رجلٌ على رجل حقًا.
وهو بالمصر، والقاضي لا يعلم أمحق هو أم مبطل؟ فمذهب الشافعي أن يعديه على ما سأفسره إن شاء الله. وذلك أن الشافعي قال: في كتاب اللعان. وليس للإمام أن يبعث إلى أحد في حد الزنا يسأله عن ذلك. لأن الله جل ذكره يقول: ﴿ولا تحبسوا﴾ فإن شبه على أحدٍ بأن النبي - ﷺ - بعث أنيسا إلى امرأة رجلٍ. فقال: فإن اعترفت فأرجمها فتلك امرأة ذكر أبو الزاني أنها زنت. فكان يلزمه أن يسألها فإن أقرت. حُدث وسقط الحد عمن قذفها. وإن أنكرت. حد قاذفها. وإنما سأل المقذوفة. والله أعلم الحد الذي وقع عليه لها إن لم تقر بالزنا.
(١٦٧) قال: وكذلك إن كان قاذفها زوجها. ففرق الشافعي في
[ ١ / ١٩٩ ]
العدوى بين حدود الله ﷿، وحدود بني آدم. وكذلك قاله الكوفي، وابن أبي ليلى في حقوق العباد الآدميين. قال أبو يوسف وعلى هذا أدركنا الناس لم يكن أحدٌ من الحكام يمتنع من هذا. ولا أحد من الفقهاء منكر على من فعله. كان ابن أبي ليلى يفعله، ولا ينكره أبو حنيفة.
(١٦٨) قال: فإن استعدى رجل على رجل عند القاضي وسأله الاحضار. أعطاه طابعًا يريه منقوشًا عليه اسم القاضي، أو مكتوب عليه أجب القاضي فلانًا، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد القاضي. حدثنا القاضي بن يزيد حدثنا وكيع عن هشام بن المغيرة الثقفي. قال: كان على خاتم سعيد بن أشوع الهمداني. وكان على قضاء الكوفة أجب القاضي
[ ١ / ٢٠٠ ]
سعيد بن أشوع.
(١٦٩) قال: فإن رد الطابع أو كسره، أو قال ما أجئ، أو سكت، أو قال أجئ، دافع وتمادى، ولم يحضر للقاضي. فرجع الطالب، وذكر أنه امتنع من الحضور. بعث العون لإحضاره، وسأله عن امتناعه، فإن أنكر أن يكون أراه الطابع، وذكر الطالب أن له بينة على ذلك استمع لها.
(١٧٠) واختلفوا في السؤال عن عدالتهم، فمذهب الشافعي في ذلك أن يسأل عن عدالتهم، ويخفف في السؤال. فإن عدله من الحاضرين من يسكن القاضي إلى تعديله قبله. قلته على مذهب تخريجًا.
وقال الكوفي وصاحباه لا يسأل عن شاهدي رد الطينة فينظر عندهم إلى ظاهر السنز في رأي العين إذا شهدوا. وكذلك عند الشافعي والكوفي إن رد العون وأبي الحضور، قلته تخريجًا على مذهبهما.
فإن لم يكن له بينة استحلفه، وإن لم يرد الطالب يمينه إذا رأى القاضي ذلك. لأنه من حقه. فإن حلف برئ. وإن أتهمه بعد اليمين، أوعده وهدده. فإن نكل عن اليمين فقد اختلفوا في ذلك. فمذهب الشافعي أن ترد اليمين
[ ١ / ٢٠١ ]
على الطالب إن أراد الطالب ذلك.
ومذهب الكوفي أن يحكم عليه بالإباء. قلته على مذهبهما تخريجًا. على قطع السارق لما فيه من حقوق الله، وحق بني آدم. فإذا ثبت أنه رد الطابع، أو العون. أدبه الحاكم على ما يراه زجرًا من ضرب أو حبس، أو لا يبلغ بالتعزير عندهما أربعين إن كان حرًا.
(١٧١) واختلفا فيه إن كان المضروب عبدا. فقال الشافعي: لا يبلغ تعزير العبد عشرين. قال الكوفي: لا يبلغ به أربعين. وقد مضى الاختلاف في التعزير. فأغنى عن الإعادة. وإن شاء القاضي زجره بالكلام فأغلظ له وأوعده وهدده. فإن عاد ضربه. وهو في رد العون وكسر الطابع أشد منه في رد الطابع. وحكى محمد بن أبي فديك. قال كنت عند ابن شبرمة القاضي فأتاه آتٍ فقال إن فلانًا كسر الطابع الذي أعطيتني فأمر به فضر ثلاثين.
(١٧٢) قال: وإن كان المدعى عليه خارجًا من المصر. نظر فيه
[ ١ / ٢٠٢ ]
القاضي. فإن كان بموضع يتهيأ حضور المجلس، والرجوع بعد المجلس إلى أهله أحضره عند الشافعي والكوفي.
(١٧٣) واختلفوا إن كانت المسافة أبعد من ذلك. فمذهب الشافعي: أن لا يحضره القاضي إلا بعد إقامة المدعي البينة في حقه عليه. قلته تخريجًا. وذلك أنه قال في كتاب اختلاف العراقيين. وإذا كان لرجل على رجل دين فتغيب المديون فإنه يعدا عليه ولم يقل إذا ادعى رجل على رجل دينًا وقال أبو ثور يُعد عليه، إذا ادعى عليه حق. قريبًا كان أبو بعيدًا. إلا أن تكون المسافة بعيدة لا يتهيأ له الرجوع إلى أهله من يومه، وكان بالقرب منه حاكم فيأمر برفعه إليه.
وقال الكوفي: إذا كانت المسافة بعيدة فادعى عليه حق. فإن كان بالقرب منه حاكم رفع إليه، وإن لم يكن بعث إليه القاضي.
(١٧٤) قال: وكل من وجب عليه الحضور عند القاضي. فأبى وتغيب. بعث القاضي إليه ثقة ينادي على بابه ثلاثًا. وأعذر إليه في الندار أنه إن لم يحضر المجلس سمر عليه بابه، أو ختم عليه. وحسن أن يجمع المنادي أماثل جيرانه، ويشهد على إعذاره، فإن لم يظهر ولم يحضر. وسأل الطالب أن يسمر عليه، أو الختم. وتقرر عند الحاكم أن المنزل منزله، وأنه يأوي إليه
[ ١ / ٢٠٣ ]
بشاهدي عدلٍ. سمر على بابه أو ختم. أي ذلك رأى فعل. قلت ذلك كله على مذهبهما تخريجًا.
(١٧٥) واختلفوا فيه إذا لم يحضر بعد التسمير، والختم. فمذهب الشافعي: أن يوكل عليه وكيلًا بعد أن يبعث من ينادي على بابه بحضرة شاهدي عدل. إنه إن لم يحضر الباب لوقت كذا خصمه فلان. وكل عنه. وحسن أن يعذر إليه بذلك ثلاثًا. فإن لم يحضر أقام عنه وكيلًا. كل ذلك قلته على مذهبه تخريجًا. وكذلك قاله أبو يوسف. وقياس قول أبي حنيفة أن يوكل عنه، ولا يحكم على غائب.
(١٧٦) قال: فإن ثبت على رجلٍ، حق فلم يظهره وتغيب فلا خلاف أعلمه بين أصحاب الشافعي على مذهبه إن قدر القاضي على ماله، وعقاره أن يبيع، ويؤخر على الطالب حقه. واختلف أصحاب الشافعي إذا لم يظهر له قال: فمنهم من رأى صرف المنافع، ومنهم من رأى الهجوم عليه إن عرف أنه متواري في موضع.
(١٧٧) وكان أبو العباس بن سريج يذهب إلى أن للقاضي صرف
[ ١ / ٢٠٤ ]
المنافع والهجوم عليه، إن رأى ذلك.
(١٧٨) قال: ويبدأ بالهجوم إن ثبت عند القاضي أنه متواري في بيته. فيبعث بالأعوان، والخصيان القاضي، وبغلمان لو يبلغوا. فإن كان عنده، وإلا استعان بالوالي. ويبعث معهم ثقات من النساء، ويبعث معهم ذوي عدل من الرجال فيتقدم النساء، ومعهن غلمان لم يبلغوا وخلفهم الخصاين ثم الأعوان من وراء ذلك.
فإذا توسط النساء صحن الدار مع الغلمان، وأنذروا النساء والحرم بدخول الرجال ليناحزوا إلى بيت، ثم يدخل الخصيان فيفتشون الرجال، ويؤمر ثقة من النساء يفتش النساء.
[ ١ / ٢٠٥ ]