(١٧٩) قال: أجمع الشافعي والكوفي على أن المريض الذي لا يقدر على حضور مجلس القاضي. لو أراد أن يوكل وكيلًا. جاز توكيله وكذلك لو كان صحيحًا فأراد سفرًا. فوكل عن نفسه وكيلا.
(١٨٠) واختلفوا في وكالة الحاضر الصحيح. فمذهب الشافعي أن التوكيل جائز من كل موكل، وإن كان حاضرًا صحيحًا. قاله المزني على مذهبه تخريجًا. وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وقال أبو حنيفة لا أقبل
[ ١ / ٢٠٦ ]
الوكالة من حاضر صحيحٍ. إلا أن يرضى خصمه بذلك.
(١٨١) قال: وأجمع الشافعي والكوفي على أن رجلًا يعرفه القاضي لو حضر عنده، فأراد أن يوكل رجلًا، ويثبت عنده وكالته. إن القاضي يسمع منه ذلك، ويثبت وكالته وإن لم يكن معه خصم إذا عرف الموكل.
(١٨٢) واختلفوا في إحضار شاهدين عند توكيله عند القاضي.
فمذهب الكوفي أن ذلك جايز بلا محضر شاهدين. ومذهب الشافعي في ذلك قولين: فمن أجاز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه أجاز هذا، وإن لم يحضر شاهدان، ومن أبى ذلك لم يقبل إلا بحضرة شاهدين. قلته على مذهبهما تخريجًا.
(١٨٣) واختلفوا فيه إذا لم يعرف القاضي الموكل فأراد إثبات نسبه.
إنه فلان بن فلان ليعرفه القاضي. فقال الشافعي يسمع ذلك ويثبت توكيله، وليس للخصم من الوكالة بسبيل. وبه قال ابن أبي ليلى. وقال الكوفي لا يسمع القاضي منه ولا من شهوده إذا لم يكن معه خصم يثبت نسبه عليه فيه.
قال أبو يوسف حضر عند القاضي وادعى أنه وكيل فلان في خصوماته قبل
[ ١ / ٢٠٧ ]
الناس، وأحضر معه بينة ليثبت وكالته، والموكل غائب، فإن أحضر خصمًا يدعي عليه للموكل حقًا. فقد أجمع الشافعي والكوفي أن القاضي يسمع من شهوده على الخصم الذي قد حضر سواء أنكر الخصم ما ادعي عليه من الحق، أو أقر به إذا أنكر وكالته. فإذا ثبتت الشهادة أنفذ الوكالة عليه وعلى جميع خصمائه.
(١٨٤) واختلفوا إذا أراد إقامة البينة على وكالته من غير محضر الخصم. فمذهب الشافعي في ذلك أن يسمع البينة في تثبيت الوكالة.
قال: الكوفي لا يسمع من شهوده اجلا بحضرة خصمٍ من الخصماء فيثبت على كلهم. وإن كان إنما وكل لخصومة رجل واحد لم يجز حتى يحضر ذلك الرجل بعينيه، وبه قال أبو يوسف. قال ابن سريج وهذا الاحتياط يعني على مذهب الشافعي. ولو قبله جاز. ولو كان رجلٌ رجلًا في مجلس القضاء والقاضي لا يعرفهما إلا أن الوكيل أراد أن يدعي بحضرة الموكل في ذلك المجلس سمعه القاضي إذا كان في شيء يريد أن يحكم به في المجلس، ولا يحتاج فيه إلى إثبات النسب. في قياس قول الشافعي وأبي يوسف. فأما أبو حنيفة: فلا يرى وكالة حاضر بحالٍ.
(١٨٥) واختلفوا إذا أنكر الخصم الذي حضر المال والوكالة. فقال الوكيل أنا أقيم شاهدي عدلٍ على إثبات وكالتي والمال. الذي ادعيت عن
[ ١ / ٢٠٨ ]
موكلي. فمذهب الشافعي أن القاضي يسمع ذلك، ويحكم له بالوكالة وللموكل بالمال على المطلوب. وكذلك لو أقام بينة بدين لميت، وأنه وارثه، وأنه مات. كل ذلك مقبول. قاله ابن سريج على مذهب الشافعي. وبه قال: أبو يوسف. وقال أبو حنيفة لا أقبل الشهادة على المال حتى تثبت الوكالة أولًا. ثم اسمع البينة على المال. إنه لا يكون خصمًا عن صاحب المال إلا بعد ثبات الوكالة.
(١٨٦) قال: وأجمع الشافعي والكوفي على أن لا تجوز الوكالة بأخذ القصاص من النفس والجراح، ولا يأخذ حد القذف.
(١٨٧) واختلفوا في الوكالة لمرافعة ذلك وإثباته عند القاضي.
فقال الشافعي وأبو حنيفة: الوكالة في ذلك كله لمرافعته إلى القاضي أو إقامة البينة على إثباته جايزة. فإذا وجب حضر الموكل لأخذه. وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز الوكالة في إثبات البينة والمرافعة أيضًا.
[ ١ / ٢٠٩ ]
(١٨٨) وأجمع الشافعي والكوفي على أن المدعى عليه لو أقر بوكالته، وأنكر الدين، فرام الوكيل إقامة البينة على الدين. إن البينة لا تسمع منه على الدين، وإن الوكالة لا تثبت في ذلك بإقراره إلا بينة تقوم عليه، قلته على مذهب الشافعي تخريجًا. وقاله الكوفي نصًا.
(١٨٩) واختلفوا لو أقر بالوكالة والدين. فقال الشافعي: لا أجبره على دفع المال. وقلت له إن شئت فادفع أو دع.
وقال أبو حنيفة يحكم عليه بذلك. فإن حضر الطالب فأنكر أن يكون وكله بذلك. كان للغريم أن يحلفه بالله مما قبض فلان بن فلان الفلاني هذا المال من هذا الغريم يأمرك. فإن حلف أخذ هو من الغريم، ورجع الغريم على الوكيل، إن كان المال في يده قائمًا بعينه. وإن ادعى أنه قد تلف عنده وأنه قد دفعه إلى الموكل. كان القول قوله مع يمينه ولا سبيل للغريم عليه. وإن أنكر وكالته وأقر بالدين للغائب، فرام يمينه بالله ما يعلم أن فلانًا وكله يقبض ذلك، فلا يمين عليه في ذلك. قلته على مذهب الشافعي تخريجًا. وقاله: أبو حنيفة نصًا. وقال أبو يوسف: أحلفه بالله ما يعلم أن فلانًا الغائب وكله بذلك. فإن حلف فلا خصومة بينهما إلا أن تقوم بينة على الوكالة، وإن نكل عن اليمين أمره الحاكم بدفع الدين إلى الوكيل، ولا يكون ذلك قضاء على الغائب.
[ ١ / ٢١٠ ]
(١٩٠) وأجمع الشافعي والكوفي على أن الوكيل إذا أبرأ المطلوب أو وهب الحق منه، أو تصدق به عليه إن ذلك باطل.
(١٩١) واختلفوا في إقراره. فقال الشافعي إقراره على الموكل باطل.
بكل حال في مجلس الحكم، وغيره، ويجب على مذهبه أن يكون خارجًا من الوكالة والخصومة في ذلك وحده. قلته تخريجًا. وبه قال زفر. وقال أبو حنيفة إن كان إقراره في مجلس القاضي كان إقراره ثابتًا. وإن كان في غير مجلس القاضي خرج من الوكالة، وكان الطالب على حقه. وبه قال محمد بن الحسن. وقال أبو يوسف إقراره عند القاضي، وغير القاضي جائز.
(١٩٢) قال: وأجمع الشافعي والكوفي: أن رجلًا لو أرسل رسولًا إلى رجل ليقبض مالًا له عليه إن له قبضه. فإن أنكر الرجل الحق لم يكن للرسول أن يخاصمه.
(١٩٣) واختلفوا إذا وكله بالخصومة، ولم يوكله بالقبض أو وكله بالقبض، ولم يوكله بالخصومة. فمذهب الشافعي أن الوكالة على قدر ما أذن له إذا وكله بالقبض كان وكيلًا بها دون الخصومة. وكذلك إذا وكله بالخصومة كان وكيلًا بها دون القبض. قلته تخريجًا.
وقال أبو حنيفة: إن كان الوكيل، وكيل الطالب. فله أن يعزله قبل
[ ١ / ٢١١ ]
التخاصم وبعده. وللوكيل أن يخرج منها. وإن كان الوكيل وكيل المطلوب، وليس له أن
يعزله وبعد التخاصم إلا بحضرة الطالب، وليس للوكيل أن يخرج من الوكالة كذلك.
(١٩٤) واتفق الشافعي والكوفي على أنه لو قال فلان وكيلي لم يكن وكيلًا حتى تبين. فلو قال فلان وصي بعد موتي. كان وصيًا. قلته على مذهبهما تخريجًا.
(١٩٥) واختلفوا إذا وكله بكل قليل وكثير، ولم يزد هذا. فقال الشافعي: الوكالة باطلة حتى يبين الوكالات من بيع أو شراء أو غير ذلك.
وقال أبو حنيفة: هعو وكيل في الحفظ ولا يكون وكيلًا في الشراء والبيع.
وكذلك إذا قال: فلان وكيلي في كل شيء. وقال ابن أبي ليلى: هو وكيل في كل شيء.
(١٩٦) واختلفوا إن قال: فلان وكيلي في كل شيء جائز أمره. فمذهب الشافعي أن الوكالة باطلة. قلته تخريجًا على المسألة الأولى، وقال أبو
[ ١ / ٢١٢ ]
حنيفة جائز حفظه بيعه وشراءه وهبته وإبراؤه وصدقته.
قال الشافعي والكوفي: ليس للوكيل أن يوكل إلا بإذن الموكل.
(١٩٧) قال: فإن وكل بإذنه فعزل الوكيل الأول لم يكن عزلًا للثاني في قولهما.
قاله الكوفي نصًا. وقلته تخريجًا على مذهب الشافعي. وذلك أن الوكيل الثاني عنده وكيل الموكل، لا وكيل وكيله. ألا ترى أن الشافعي تأول حديث عبد الرحمن بن أبي بكر. أن عبد الرحمن لما غاب وكل عائشة وأمرها أن توكل رجلًا بتزويج ابنته. فدل من قوله أن الرجل وكيل لعبد الرحمن، لا لعائشة. ولو كان وكيلًا لعائشة لم يجز له التزويج، كما لم يجز لها. وإن مات الوكيل لم تبطل وكالة الثاني في قولهما جميعًا، قلته تخريجًا. فإن عزل الوكيل الأول الوكيل الثاني كان عزله في قولهما باطلًا وإن كان صاحب الحق
[ ١ / ٢١٣ ]
أجاز أمر الوكيل الأول في ذلك وما صنع فيه من شيء فعزل الوكيل الأول الوكيل الثاني، فقد اختلفا في ذلك فحكى الخصاف عن الكوفي أنه معزول. وقياس قول الشافعي أن لا سبيل له إلى عزله إلا بإذن الموكل، فينص له على عزله، تخريج ما مضى.
(١٩٨) قال: وأجمع الشافعي والكوفي على أن رجلًا لو وكل رجلين بالخصومة والقبض لم
يكن لكل واحدٍ منهما أن ينفرد بالقبض.
(١٩٩) واختلفوا في الخصومة فمذهب الشافعي أن لا يسمع القاضي من أحدهما دون صاحبه. قاله ابن سريج تخريجًا.
قال الكوفي لكل واحد منهما أن يخاصم، وليس لواحد منهما قبض المال إلا بإجماعهما.
(٢٠٠) قال: وإن كان قد وكل كل واحد منهما في ذلك. فلا خلاف أن لكل واحدٍ منهما أن ينفرد بالخصومة والقبض.
(٢٠١) قال: ولو أقام الوكيل البينة على خصم بحق للموكل. فذكر
[ ١ / ٢١٤ ]
من ثبت عليه أن الموكل قد قبض منه الدين وأبرأه ورام إحضار الموكل ليحلفه على ذلك، قيل له أخرج مما قد لزمك، ووفر الدين على الوكيل،. ثم رافع الموكل وطالبه قال الكوفي نصًا، وقاله ابن سريج على مذهب الشافعي تخريجًا.
(٢٠٢) واختلفا إذا أراد يمين الوكيل أنه لا يعلم أن الموكل أبرأه من ذلك، ولا أنه قبضه
منه. فمذهب الشافعي أن يحلف على ذلك لأنه يخرجه من الوكالة والخصومة. قاله ابن سريج تخريجًا. وقال أبو حنيفة لا يحلف على ذلك.
(٢٠٣) قال: وأجمع الشافعي والكوفي على جواز شهادة رجلين على الوكالة. واختلفا في جواز شهادة رجل وامرأتين فقال الشافعي: أقبل من شاهدي عدل. وأجاز أبو حنيفة وأصحابه شهادة رجلٍ وامرأتين. ولو قال أحد الشاهدين أشهد أن فلانًا جعل فلانًا وكيله في هذه الخصومة. وقال الآخر: أشهد أنه جعله في هذه الخصومة وصيًا له في حياته. أو قال أحدهما وكله بقبض هذا المال. وقال الآخر سلطه على قبضه. قال الكوفي وأصحابه إن ذلك جايز.
(٢٠٤) وقال ابن سريج تخريجًا على مذهب الشافعي إن كانت شهادتهما
[ ١ / ٢١٥ ]
على الإقرار ثبتت الوكالة. وإن كانت الشهادة على العقد لم تثبت.
(٢٠٥) وأجمع الشافعي والكوفي أن أحد الشاهدين لو قال أشهد أنه جعله وكيلًا في الخصومة إلى فلان الفقيه. وقال الآخر: أشهد أنه جعله وكيلًا إلى فلان الفقيه رجل آخر إن الوكالة لا تثبت.
(٢٠٦) واختلفا إذا قال أحدهما جعله وكيلًا في الخصومة إلى قاضي الكوفة. وقال الآخر جعله وكيلًا إلى قاضي البصرة. فمذهب الشافعي أن الوكالة لم تثبت وأجازها الكوفي.
فأما قول الكوفي فمنصوص في المسألتين جميعًا. وأما قول الشافعي في المسألتين معًا خرجهما ابن سريج على مذهبه. وكذلك اختلافهما لو قال: أحدهما وكله بالخصومة إلى القاضي. وقال الآخر إلى الأمير. كان كالمسألة إذا اختلفا في القاضيين، قلته على مذهبهما تخريجًا.
وكذلك لو قال أحدهما إلى فلان القاضي. وقال الآخر إلى فلان الفقيه كان كالمسألة إلى فقيهين. قلته على مذهبهما تخريجًا.
(٢٠٧) قال: وأجمعوا أن رجلًا لو أراد سفرًا فطالبه رجل بحق يدعيه عليه. إن شاء أقام. وإن شاء وكل وكيلًا.
(٢٠٨) واختلفا. هل يجب عليه إقامة كفيل بما قضى به عليه.
[ ١ / ٢١٦ ]
فمذهب الشافعي ذلك لا يجب. قلته تخريجًا. لأنه قال لو كان لرجل على رجل حق إلى أجل، وأراد سفرًا بعيدًا لم يكن له منعه، ولا أن يطالبه بكفيل. وقال: أيضًا لو أن رجلًا ضمن عن رجل ما قضى به القاضي عليه، وأشهد به شهوده عليه كان باطلًا. وقال الكوفي: يعطيه كفيلًا بالمال، ووكيلًا بالخصومة. ولو كانا جميعًا رجل واحد فتوكل، وكفل جاز.
ولو كان بين رجلين خصومه فاجتمعا على رجل واحد. فوكله واحد منهما أن يخاصم عنه صاحبه. فإن كان في أمرين مختلفين فقد أجمع الشافعي والكوفي أن ذلك جايز.
(٢٠٩) واختلفا إن كان ذلك في أمر واحد. فقال ابن سريج تخريجًا على مذهب الشافعي إن ذلك على قولين أحدهما أنه جائز. والآخر: لا يجوز لأن حقيقته أنه يخاصم نفسه.
وقال الكوفي: لا يجوز ذلك. واتفقا لو شهد شاهدان على وكالة رجل
[ ١ / ٢١٧ ]
في الخصومة أو على وصيته من بعد موته فقرر الحاكم وكالته، ووصيته، وأنفذ. ثم رجعا عن الشهادة لم ينقضهما القاضي، ومضت الوكالة والوصية. فأما مذهب الشافعي، فقاله ابن سريج تخريجًا.
وأما قول أبي حنيفة فمنصوص عليه.
(٢١٠) وإن وكله بمطالبة رجل بمائة دينار، فطالبه بأكثر لم يجز. وإن طالبه بأقل جاز، وإن طالبه بمائة دينار، فطالبه بخمسين، فطالبه بمائة جاز، وإن طالبه بخمسين لم يجز، وإن
طالبه بما بين المائة والخمسين جاز، وإن طالبه بأقل من خمسين جاز. لا تبطل وكالته إلا في خمسين قلته تخريجًا على مذهبهما.
[ ١ / ٢١٨ ]