(٢١٧) قال: ولا اختلاف بين أهل العلم أن كل بالغ رشيد أقر لغيره بالمال في مجلس القاضي أو غيره. إن ذلك لازم إذا كان قبل الترافع والتخاصم.
(٢١٨) واختلفوا إذا أقر في غير مجلس القاضي بعد الترافع والخصومة ثم أنكر وشهد على إقراره بذلك شاهدا عدل.
فقال الشافعي: الإقرار لازم في مجلس القاضي وغير مجلسه وقبل الترافع إلى القاضي، وبعده سواء. وكذلك قاله الكوفي. وقال: ابن أبي ليلى: لا إقرار لمن خاصم إلا عندي ولا صلح لهما.
[ ١ / ٢٢٤ ]
(٢١٩) واتفق الشافعي والكوفي: أن رجلًا لو أقر لرجل في مجلس القاضي بألف. ثم أقر في مجلس ثاني بألفٍ أو بخمس مائة. إنه ألف واحد. وإن القليل داخل في الكثير. وكذلك لو أقر له في موطنين. فأقر له يوم الجمعة بألف، يوم السبت بألف إذا كان شهود الجمعة هم شهود يوم السبت.
(٢٢٠) واختلفا إذا كان شهود يوم الجمعة غير شهود يوم السبت.
فمذهب الشافعي: أن ذلك ألف واحد، وإن رام المشهود له يمين المشهود عليه في ذلك حلفه ماله عليه ألفان، ولا أكثر من ألف واحد. قلته تخريجًا على مذهبه.
وقال الكوفي إن ذلك ألفان. فإن رام المشهود عليه يمين المدعي أن هذا الألف غير ذلك الألف حلف. وكذلك اختلفا لو قرئ عليه صكان في مجلس القاضي كل واحد منهما مكتوب فيه ألف درهم. فأقر بذلك فمذهب الشافعي: أن القول قول المقر في ذلك مع يمينه أنهما ألف واحد. ولا يكون ذلك إقرارًا بألفين. قلته تخريجًا على ما قال في المسألة الأولى لو أقر يوم الجمعة
[ ١ / ٢٢٥ ]
بألف، ويوم السبت بألف واحد، وقال الكوفي: لزمه ألفان. واختلاف الصكين كاختلاف المالين. أرأيت لو أقر له في مجلس بألف درهم، وأقر له في مجلس آخر بألف دينار.
(٢٢١) واختلفا أيضًا إذا شهد عليه شاهدان على صكين في كل واحد منهما ألف درهم. فمذهب الشافعي في ذلك كله أن القول قول المقر.
مع يمينه ولا يلزمه إلا ألف واحد. وقال الكوفي: إذا كانت الشهادة على صكين أو شهد عليه شاهدان من غير صح أنه أقر له يوم الجمعة بألف درهم، وشهد آخرون أنه أقر له يوم السبت بألف درهم. كان كاختلاف المالين.
(٢٢٢) واختلف قول الشافعي والكوفي: لو شهد على إقراره شاهدان بألف درهم، وشهد آخران بخمس مائة. وشهد آخران عليه بألف وخمس مائة. فقياس قول الشافعي أنه لا يلزمه إلا ألف وخمس مائة. وقال الكوفي عليه ثلاث آلاف. وقال لأنه من قبل نفسه أتي.
(٢٢٣) اتفق الشافعي والكوفي: في هذه المسائل كلها لو كان الألف منسوبًا إلى أنه من ثمن عبد: ذكره باسمه وجنسه، وعلمه أنه لا يلزم في ذلك
[ ١ / ٢٢٦ ]
كله إلا ألف واجد واتفقا أنه إن كان أخذ الألفين منسوبًا إلى ثمن عبد رومي والآخر إلى ثمن عبد حبشي إن ذلك ألفان في هذه المسائل كلها.
(٢٢٤) واتفق الشافعي والكوفي أن هذا الإقرار في الجراحات والتزويج لو كان في موطنين. وعلى كل موطن شاهدان غير الآخرين. إن ذلك جراحة واحدة. وتزويج واحد، وذلك أن يُقر رجل في موطن أنه تزوج بابنة فلان لرجل، سماه على ألف درهم، وأنها ماتت. وأقر في موطن آخر أنه تزوج بابنة فلان وسمي ذلك الرجل. بألف درهم، وأنها ماتت عنده. وادعى الأب أنه تزوج بابنته. ثم بأخرى. كان القول قول المقر أنها ابنة واحدة. وسواء سمى الإبنة أو لم يسمي. إلا أن يسمى اسمين مختلفين.
(٢٢٥) وكذلك لو أقر أنه قتل عبدًا لفلان بن فلان، أو ابنًا له. وسمي العبد والابن، أو لم يسمه. ثم أقر بمثل ذلك في موطن آخر، وشهد عليه في موطن شاهدان إن ذلك على عبد واحد، وابن واحد ما لم يسم اسمين مختلفين.
قال الكوفي: ولا يشبه هذا الإقرار بالمال والغصب والوديعة والمضاربة.
(٢٢٦) قال: ولو أتى الطالب بصك على إقرار بألف وأتى المطلوب بصك على إقرار الطالب أنه أبرأه من ألف، ولم يكن في الصكين تاريخ. أو
[ ١ / ٢٢٧ ]
كان تاريخهما سواء، أو كان أحدهما مؤرخًا، والآخر غير مؤرخ. أو كان تاريخ البراءة متأخرًا. ففي ذلك كله صك البراءة أولى، ولا يلزمه المال إلا أن يكون تاريخ الصك بالإقرار متأخرًا. فيلزمه حينئذ قاله الكوفي نصًا. وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا على أصله في تخريج الأخبار والشهادات. أنه قد صح ألف. وصح برأة ألف. فلا يلزم المال.
(٢٢٧) واتفقا جميعًا في رجل ادعى على رجل ألفي درهم وأقام شاهدين، فشهد أحدهما على إقراره بألف وشهد الآخر بألف وخمس مائة. إن الألف قد وجب بشهادتين.
(٢٢٨) واختلفا فيما زاد على الألف. فمذهب الشافعي أن يقال للطالب: إن حلفت مع شاهديك حكمنا لك بخمس مائة. ومذهب الكوفي: أن ذلك غير لازم. إلا أن تتم الشهادة برجل آخر، أو شهادة امرأتين.
(٢٢٩) واختلفا أن لو شهد أحدهما بألف. والآخر بألفين. فقال الشافعي: يحكم له بألف بشهادتهما. وإن حلف مع شاهده الآخر قضينا له بالألف الأخرى.
وقال الكوفي: لا يحكم له بشيء، قد اختلفت الشهادة. وقال أبو يوسف: قد اتفقت الشهادتان في ألف فيحكم به. ولا يحكم بشاهد ويمين في
[ ١ / ٢٢٨ ]
الألف الأخرى. وبه قال ابن أبي ليلى.
(٢٣٠) وإذا ادعى رجل على رجلٍ مالًا، فقال: المدعى عليه قبل أبرأني من هذه الدعوى. لم يكن إقرارًا. لا اختلاف فيه.
(٢٣١) واختلفوا لو قال: قد أبرأني من هذا المال. فجمهور أصحاب الكوفي، وجمهور أصحاب الشافعي: أن ذلك إقرار. وهو الصحيح عندي، على مذهب الشافعي، قلته تخريجًا. وذلك أني لا أعلم بين أصحابنا خلافًا أن رجلًا لو قال: والله لأبرئن اليوم فلانًا من مال. إنه لا يبر في يمينه حتى يبرئه من مال عليه.
(٢٣٢) واتفقا في أن رجلا لو ادعى على رجل. مالًا. فقال: المدعى عليه أتزن إن ذلك ليس بإقرار. واختلفا فيه إن قال: المدعى عليه أتزنه. فمذهب الشافعي: أن ذلك ليس بإقرار. قلته تخريجًا. وذلك أنه لم يجعل طلب الصلح، وأخذ العوض على ذلك إقرارًا. وجعل الصلح على
[ ١ / ٢٢٩ ]
الإنكار باطلًا، وقال في أول باب الإقرار الذي أبني عليه الإقرار أني ألزم اليقين ويطرح الشك، ولا أستعمل الغلبة.
وقال الكوفي: هذا إقرار. وكذلك عندهما. لو قال المدعى عليه خذه. كان كقوله أتزنه. وكذلك عندهما إذا قال: انتقده. ألزمه الكوفي وأبى ذلك الشافعي.
(٢٣٣) واتفقوا في أن المطلوب لو قال لك على ألف إلا عشرة. إنه يحكم به، كما قال، والاستثناء مقبول.
(٢٣٤) واختلفوا: لو قال لك على ألف إلا مائة. فقال الشافعي والكوفي: هو كما قال. وقال مالك بن أنس لا أقبل الاستثناء، وألزمه ألفًا. وكذلك عنده لو قال مائة إلا عشرة. لم يقبل الاستثناء. وكذلك عنده عشرة إلا درهم لم يقبل. ولو قال مائة إلا درهم قبل.
(٢٣٥) واتفق الشافعي والكوفي وأبو يوسف: في رجل قال لفلان علي دينار إلا درهم. أو دينار إلا مد حنطة. إن الاستثناء مقبول ويحط من
[ ١ / ٢٣٠ ]
الدينار بمقدار قيمة درهم، ومقدار قيمة مد من حنطة، ويلزم الباقي. والقول قول المقر في مقدار قيمة الاستثناء مع يمينه. وهكذا كل ما استثنى من غير جنسه من المكيل، والموزون.
(٢٣٦) واختلفوا إذا استثنى غير مكيل، ولا موزون. فلو قال لفلان علي ألف إلا درهم إلا ثوبًا هروبًا أو شاة أو بعيرًا. فأجاز الشافعي الاستثناء في ذلك على ما وصفت.
وقال الكوفي: وأبو يوسف الاستثناء في ذلك باطل. وإنما يستحسن ذلك في المكيل والموزون، والعدد. يعني كالبيض والجوز.
وقال: أبو ثور وزفر ومحمد بن الحسن: الاستثناء من غير جنسه في ذلك كله باطل، والإقرار لازم.
[ ١ / ٢٣١ ]