(٣٥) قال: أجمع الشافعي والكوفي على أن لا يولى القضاء إلا فقيه، عالم بالكتاب، والسنة والآثار. وعلى أن من لا تجوز شهادته لا يجوز قضاءه. ولا يجوز عندهما قضاءُ صغير لم يبلغ وكبير قد خرف.
والعبد المكاتب، ومن لم تكمل فيه الحرية. والمعتوه والأعمى والأخرس الذي لا يعقل الإشارة والكافر والفاسق، والكذاب والشاعر إذا شبب بامرأةٍ
[ ١ / ١٠١ ]
بعينها لا تحل له فأكثر فيها وشهرها بما يشينها. ومن شرب خمر العنب التي لم يصيبها ماء. والخطابية. ومن يحد عن الحق في القضاء بشفاعة شافع. والمتعصب لقبيلته على غيرها إذا ظهر القضاء، ودعا إليها. والمتقبل للقضاء برشوة تغطى على ولايته القضاء. فكل هؤلاء مردود حكمه وإن كان قد حكم بحق.
(٣٦) وأجمعوا أن من شرب سوى خمرِ العنب التي فأسكره. إن حكمه مردود.
(٣٧) واختلفوا في حد السكر. فحده على مذهب الشافعي أن يوقع في القلب طربًا ويُغير من حالة الشارب حالًا، سمعت ابن سريج يقوله.
[ ١ / ١٠٢ ]
وحده عندا لكوفي أن لا يعرف ليلًا من نهارٍ ولا أرضًا من سماءٍ. ولا رجالًا من نساءٍ.
(٣٨) واختلفوا في ساير الأنبذة التي المسكر. إذا شرب منه قدر ما يسكره. فحرمه الشافعي. ولم ترد به شهادته. فكذلك القضاء على أصله، وأباه الكوفي فرد شهادته وقضاءه.
(٣٩) وأجمعوا أن من لعب بالنرد والشطرنج والفرق، والحمام، وسائر الطيور على قمارٍ لم يجوز قضاؤه.
(٤٠) واختلفوا في ذلك إذا لعب به من غير قمار، فقال الشافعي: من لعب بشيء في هذا على غير قمار لم ترد به شهادته. وأشد الملاهي
[ ١ / ١٠٣ ]
اللعب بالنرد للخبر فيه. وقال الكوفي: لا تجوز شهادة من يلعب بالحمام بطيرها. فكذلك حكمه في قياس قولهما. قلته تخريجًا.
(٤١) واختلفوا في قضاء المحدود في القذف كاختلافهم في جواز شهادته. فأجازه الشافعي إذا تاب وأناب وأبي ذلك أبو حنيفة وأصحابه بعد الحد. وأجازوه إذا تاب قبل الحد.
(٤٢) واختلفوا في قضاء المرأة. فقال الشافعي جعل الله الرجال قوامين على النساء، وحكامًا دونهن.
وحكى محمد بن الحسن: عن أصحابه أن قضاء المرأة جايزٌ إلا في الحدود والقصاص. لأن شهادتها جايزة في غير هذين: فكذلك على قياس أقاويلهما
[ ١ / ١٠٤ ]
قضاء الخنثى إذا كان مشكلًا. كقضاء المرأة: قلته تخريجًا.
(٤٣) اختلفوا في قضاء الأخرس الذي يعقل الإشارة فقال: أبو العباس بن سريج. تخريجًا على مذهب الشافعي في شهادة الأخرس الذي يعقل الإشارة قولين:
أحدهما: أنها جايزة. ولآخر: أنها باطلة فكذلك القضاء. قلته تخريجًا.
وأصحهما عندي أن لا يجوز قضاؤه وشهادته.
وقال الكوفي: لا تجوز شهادة الأخرس. فكذلك القضاء على قياس قوله.
(٤٤) قال: ولو حكم زمانًا، ثم عُثر منه على شيء مما وصفنا أنه كان فيه وقت القضاء بطلت قضاياه وأحكامه في تلك الحالة عند الفريقين معًا. وإن حدث به ذلك بعد الحكم، لم يبطل ما قضى. وبطل ما يقضي به في الحال. فإن عاد إلى الصلاح كان على قضائه من غير تجديد ولايةٍ. قاله الكوفي نصًا.
(٤٥) وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا. وذلك أنه قال في قتال أهل البغي. لا يقاتلون حتى يناظروا ويسألوا ماذا نقموا. فقد يسألون عزل عاملٍ
[ ١ / ١٠٥ ]
يذكرون جوره. أو رد مظلمةٍ. فإن كان ما طلبوا حقًا أعطوه. وإن كان باطلًا أقيمت الحجة عليهم.
(٤٦) فدل كلامه هذا أنه لم يجعل العامل بالجور معزولًا حتى يعزل.
ولو كان عنده بالجور معزولًا لقال وقد يدعون عزل عامل يذكرون جوره ولم يقل يسألون عزله. وكل ذلك متفق منه عند الشافعي والكوفي. إلا إذا ارتد القاضي، ثم رجع إلى الإسلام. فقاله الكوفي نصًا، هو على قضائه.
وقال أصحابنا يجدد له القضاء على مذهب الشافعي تخريجًا. ولو ولي القضاء وبه إحدى هذه العلل التي وصفناها ثم صلُح بعد العهد حاله لم يجز حتى يجدد له القضاء قلته تخرجيًا على مذاهبهما.
[ ١ / ١٠٦ ]