(٢٧٠) اتفق الشافعي والكوفي أن القاضي يستقضي في اليمين على من استحلفه ليلًا ليحتال فيه، أو بتأول. فلو أن رجلًا ادعى على رجل، دارًا وضيعه. قيل له سم ما تدعي، وسم موضعه، وبلده، واذكر حدوده الأربعة. ثم يحلفه بالله ما هذه الضيعة، ولا هذه الدار التي سماها، وحدها لفلان. هذا في يدك. ولا شيء منها، ولا له قبلك حق منها. قلته على مذهب الشافعي تفريعًا. وقاله الخصاف عن الكوفيين نصًا.
وزاد فيه ولا حق له فيها ولا بسببها. وإن ادعى عليه أنه اشترى منه هذه الدار بحدوده، وسمى الثمن، وأنكر المدعى عليه ذلك. نظر القاضي
[ ١ / ٢٥٧ ]
في إنكاره وجوابه. فإن قال هي لي، وفي يدي ليس له فيها شيء، ولم يقل ما بعتها منك. كان جوابًا لدعواه. وكان الجواب في صفة يمينه كالجواب في المسألة الأولى.
(٢٧١) وإن قال هي لي. وفي يدي ما بعتكها. فالذي سمعت أصحابنا يقولون على المذهب الشافعي أن يحلف بالله ما هي له على ما ادعاه من البيع بالثمن الذي ذكره. وذلك أن الشافعي قال: لو قال المدعي حلفه ما اشتريت هذه الدار التي في يده منه ولا ملكتها. لم أحلفه. لأنه قد يملكها. وتخرج من يده. وإن كان قد ادعى تسليمها عليه زاد في يمينه، ولا عليه تسليمها بالشراء الذي ادعاه.
وقال أبو يوسف. حلفته بالله ما بعته ذلك بهذا الثمن الذي ادعاه.
فإن قال المدعى عليه للقاضي قد يبيع الرجل الشيء ثم يرجع إليه بإقالة، أو فسخ بيع، أو بوجه من الوجوه. وأنا أكره أن أقر عندك بشيء ليلزمني به حكم. وعرض للقاضي بشيء من هذا. فإنه يستحلفه بالله ما بيني وبينك وبين هذا بيع قائم الساعة فيما ادعاه.
وقال الحسن بن زياد أحلف المدعى. وإن شاء أحلفه بالله ما هذه الدار بيدي له هذه الساعة بما ادعى من الثمن. وإن شاء الله أحلفته بالله ما
[ ١ / ٢٥٨ ]
هذا البيع الذي ادعاه عليك في هذه الدار قائم هذه الساعة بهذا الثمن على ما ادعاه.
(٢٧٢) واختلفوا إن ادعى مملوك على سيده أنه أعتقه وأنكر السيد عتقه. فقياس قول الشافعي أن يحلف السيد بالله ما أعتقه على ما ادعاه عبدًا كان أو أمة، مسلمًا كان أو ذميًا. وقال الكوفي إن كان المملوك أمة حلفت السيد بالله ما هي حرة بما تدعي من العتق. لأن الجارية المسلمة عنده لو ارتدت بعد الحرية، ولحقت بدار الحرب. فسبيت واسترقت لم تقتل، وليس كذلك الغلام.
(٢٧٣) قال: وإن كان عبدًا نظر القاضي. فإن كان مسلمًا أحلفه بالله ما أعتقه على ما ادعاه وإن كان العبد ذميًا أحلفه بالله ما هو حر بما يدعي من العتق.
(٢٧٤) واختلف الشافعي والكوفي في اليمين في النكاح. فمذهب الشافعي أن يخلف الرجل في دعوى المرأة إذا ادعت أنها زوجته بالله ما هذه امرأتك بهذا النكاح الذي ادعت. وإن ادعت مع ذلك صداقًا. ولا لها عليك هذا الصداق الذي ادعت، وهو كذا وكذا ولا شيء منه، وتحلف المرأة بالله ما هذا زوجك بهذا النكاح الذي ادعاه. وبه قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن
[ ١ / ٢٥٩ ]
وقال الكوفي، لا يحلف القاضي النكاح، إلا أن تدعي المرأة مع ذلك صداقًا. وإن كانت الدعوى في مال في الذمة، أحلفه بالله ما لفلان هذا عليك، ولا قبلك، هذا المال الذي ادعاه، وهو كذا وكذا ولا شيء منه، ولا يحلفه ما استقرضت منه هذا المال ولا غصبته لا اختلاف بنيهما في ذلك، وإن كانت الدعوى في وديعة أحلفه بالله ما هذا المال الذي ادعاه في يدك وديعة ولا عندك، ولا شيء منه، ولا له قبلك حق بسببه لأنه إن كان قد استهلكه فقد لزمه ضمانه ولا يحلفه القاضي بالله ما أودعك هذا المال لا اختلاف بينهما في ذلك، وإن كانت الدعوى في إجارة أحلفه بالله ليس بينك وبينه أجرة قائمة في هذا الذي ادعاه. فالأجرة التي وصفها لازمة اليوم ولا له قبلك حقًا بالإجارة التي ادعاها لا اختلاف بينهما في ذلك.
(٢٧٥) واختلفا إذا كانت الدعوى في دم. فقال الشافعي: يحلف بالله ما قتل فلانًا. ولا أعان على قتله، ولا ناله من فعله. ولا تسبب فعله بشيء جرحه، ولا وصل إلى شيء من بدنه لأنه قد يرمى، فيصيب شيئًا، فتطير الذي أصابه فتقتله ولا أحدث شيئًا مات منه فلان لأنه قد يحفر البئر ويضع الحجر فيموت منه.
[ ١ / ٢٦٠ ]
(٢٧٦) وحكى الخصاف عن أبي حنيفة أنه قال: إن ادعى أنه قتل ابنه، أو وليه أحلفه القاضي بالله ما له عليك دم ابنه. لأنه قد يقتل ابن الرجل فيعفو عنه ويصالحه عن شيء أو يكون قتله بأمر استوجب به القتل من قصاص، فإن ادعى أنه قتل وليه خطأ أو ادعى عليه شيئًا يجب فيه دية أو إرش استحلفه بالله ما لفلان عليك هذا الحق الذي ادعاه من هذا الوجه الذي ادعاه ولا شيء منه ولا يسمى الدية والأرش عند اليمين، وقال أبو يوسف: كل حق يجب على غير المدعى عليه مثل قتل الخطأ والشجة خطأ وكل ما يجب من الجناية على العاقة أحلفته بالله ما قتلت ابن فلان هذا، وفي الشجة ما شججت هذا هذه الشجة لأني لا أمن أن يتأول إن الحق فيه على العاقلة لا عليه فيحلف عند نفسه صادقًا وما كان يجب عليه أحلفته على ما فسرنا وإن ادعت امرأة على زوجها أنه حلف بطلاقها، فقال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق مني ثلاثًا، وادعت أنه قد دخل الدار سأل القاضي زوجها فإن قال الزوج: ما حلفت بهذه اليمين، ولا دخلت هذه الدار. فمذهب الشافعي: إن
[ ١ / ٢٦١ ]
القاضي يحلف الرجل بالله ما قلت لها إن دخلت الدار فأنت طالق مني ثلاثًا على ما ادعت ولا بانت هي منك بثلاث تطليقات على ما ادعت. قلته تخريجًا لأني لا أمن أن يتأول على مذهب قوم في ثلاث تطليقات بلفظة واحدة أنها لا تقع.
وقال الكوفي: يحلف بالله ما هذه المرأة باينة منك بثلاث تطليقات على ما ادعت. وإن قال الزوج ما حلفت بهذه اليمين. فأما الدار فقد دخلتها.
وقال الشافعي: أن يحلفه بالله ما قتلت لها أن دخلت النار، فأنت طالق ثلاثًا على ما ادعت قبل دخولك الدار، ولا بانت فلانة هذه منك بثلاث تطليقات على ما ادعت قلته تخريجًا.
وقال الكوفي: أحلفه بالله ما حلفت بطلاقٍ امرأتك هذه قبل أن تدخل الدار أن لا تدخل الدار.
(٢٧٧) وإن ادعت امرأة على زوجها أنه قال لها: أنت طالق مني ثلاثًا، وأنكر الزوج ذلك، وذكر أنها امرأته أحلفه القاضي بالله ما قلت لها أنت طالق مني ثلاثًا في هذا النكاح الذي تذكر أنها امرأتك. قلته على مذهب الشافعي تخريجًا. وقال أبو حنيفة: أحلفه بالله ما هي مطلقة منك ثلاثة بما
[ ١ / ٢٦٢ ]
ادعت. فإن أهملت المرأة صفة الطلاق كيف جرت على لسان الزوج، فادعت أنه طلقها ثلاثًا فالذي يجب على مذهب الشافعي لما ذكرت من الاحتراز أن يسألها القاضي عن وجه الطلاق ثم يستحلف الرجل على ذلك كما وصفته وكان الكوفي لا يستكشف عن ذلك ويحلف الزوج أنها امرأته ما هي مطلقة منه ثلاثًا بما ادعت، فإن قالت المرأة لا أعرف لفظ الطلاق وقد ذهب عني ذلك وحررت الدعوى أنه طلقها ثلاثًا حلف الزوج على ما ادعت في قولهما جميعا فإن خاف القاضي أن يقول في يمينه ما وصفنا على مذهب من يقول من أطلق امرأته ثلاثًا بكلمة واحدة لم يقعن، أو لم يبقع الطلاق إلا واحدة. استحلفه القاضي ثانية ما هي مطلقة منه ثلاثا بما ادعت على قول من يرى إيقاع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة لازمًا.
(٢٧٨) ولو أن رجلًا ادعى على رجل أنه زوجه ابنته فلانة بشاهدي عدل على صداق معلوم في صغرها، وهي بكر، وأنكر الأب ذلك فإن كانت
[ ١ / ٢٦٣ ]
الإبنة يوم الدعوى كبيرة، فالدعوى عليها دون الأب بكرًا كانت أو ثيبًا يوم الدعوى فيحلفها القاضي بالله ما هي امرأته بهذا النكاح الذي يدعيه.
(٢٧٩) وكذلك إن كانت معتوهة تجن وتفيق لم تكن الدعوى إلا عليها دون الأب ويرخر الدعوى حتى تفيق، وإن كانت مطبقة قد أويس من عقلها فالدعوى على الأب، وكذلك لو ادعى في هذه الحالة على الأب أنه زوجها في هذه الحالة حلف الأب صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا. فيحلفه القاضي بالله ما هي امرأته بإنكاحك إياها منه هذا النكاح الذي يدعيه، وكذلك إن كانت الابنة صغيرة ثيبًا فالشافعي لا يرى إنكاح الأب ابنته الصغيرة ثيبًا ما لم يويس عن عقلها، فالدعوى عنده باطل فإن ادعى الزوج على الأب أنك زوجتها وهي بكر صغيرة ثم عذرتها بعد ذلك ذهبت وهي صغيرة، فالدعوى صحيحة إن أقام بينة سمعها القاضي، وإن طلب بيمينه لم يحلف لأنه لو أقر في هذه الحالة أني زوجتها قبل ذهاب عذرتها، لم يقبل قوله. وما قلت في الأب فالجد مثله. كل ذلك قلته تخريجًا على مذهب الشافعي.
[ ١ / ٢٦٤ ]
وكان الكوفي لا يحلف في النكاح إلا أن تدعي المرأة مع النكاح صداقًا. وقال أبو يوسف: يحلف القاضي الأب إذا كانت الابنة صغيرة لأنه لو أقر لزم الحكم بإقراره بكرًا كانت عنده أو ثيبًا.
(٢٨٠) قال: ولو ادعى رجل على رجل أنه اشترى منه بألف درهم صحاح وزن سبعة جياد الدار التي في بني فلان وحدها بحدودها الأربعة، وقال البائع: بل بعتها منه بألفي درهم صحاح وزن سبعة جياج فلا اختلاف بين الشافعي والكوفي: أنهما يتحالفان. فأيهما حلف مع نكول صاحبه حكم له إلا أن الشافعي قال: يبدأ بالبائع. وقال الكوفي: يبدأ بالمشتري في اليمين، فإن حلفا جميعًا فإن الشافعي قال: أبطلت البيع بينهما.
وقال الكوفي: لا يبطل القاضي بينهما حتى يطلبا إبطاله أو يطلبه أحدهما. ووجه اليمين في ذلك عندي أن يحلف البائع بالله لقد اشتريتها مني بألف درهم صحاح وزن سبعة جياد وما بعتها منه بأقل من ذلك، ويحلف المشتري بالله لقد باعها مني بألف درهم صحاح وزن سبعة جياد ما اشتريتها منه بأكثر من ذلك قلته على مذهبهما تخريجًا، وكذلك لو اختلفا فقال البائع:
[ ١ / ٢٦٥ ]
بعت منه نصفها مشاعًا بألف، وقال المشتري: بل باعها كلها بألف كان الجواب فيها كالجواب في المسألة قبلها إلا أن القاضي يبدأ باليمين بالبائع في قولهما جميعًا.
(٢٨١) قال: وإن اشترى منه قطعة أرض ومبلغها جريبان. فقال المشتري: اشتريت هذه القطعة بألف درهم على أنها جريبان، فقال البائع: بعتها بألف على أنها جريب، فإذا هي جريبان، وأراد كل واحدٍ منهما استحلاف صاحبه.
فمذهب الشافعي: أن يحلف القاضي البائع بالله ما باعها منه بألف إلا على أنها جريب، ولا يحلف المشتري، فإن حلف البائع حكم بإبطال البيع، وإن نكل حلف المشتري لقد باعها منه بألف على أنها جريبان، واستحق كلها بألف، قلته تخريجًا لأنه قال: إذا بيعت الأرض على أنها كذا فوجدت أكثر من ذلك بطل البيع. ومذهب أبي حنيفة أنهما يتحالفان معًا فأيهما حلف مع نكول صاحبه. حكم له وإن حلفا معًا أبطل القاضي البيع بينهما متى طلبا، أو أحدهما إبطاله. قلته على مذهبه تخريجًا. لأن مذهبه أن من اشترى قطعة أرض على أنها جريب فوجدها جريبين فهي له كلها ولو اشترى جرابًا من ثياب على أنها عشرة أثواب فإذا هو أحد عشر ثوبًا بطل البيع وقال أيضًا
[ ١ / ٢٦٦ ]
لو اشترى قطعة أرض كل جريب بدينار على أنها عشرة أجربة فإذا هي عشرون جريبًا فالمشتري بالخيار إن شاء تركها وإن شاء أخذها وما زاد بحساب قاله نصًا والذي يجب على مذهب الشافعي في هذه المسألة أن يكون البيع باطلًا قلته على المسألة الأولى تخريجًا ولو تنازعا في جراب من الثياب وهي أحد عشر ثوبًا فقال البائع: بعتها منه على أنها عشرة أثواب، وقال المشتري: اشتريتها منه على أنها أحد عشر. فمذهب الشافعي في ذلك أن البيع باطل، ولا يمين في ذلك. لأنه اشتراها في جراب ولم ينشرها ولم ينظر إليها. وقال الكوفي: يحلف القاضي البايع بالله ما باعه هذا الجراب على أنه أحد عشر ثوبًا بهذا الثمن الذي ادعاه. فإذا حلف فسخ البيع. ولم يحلف المشتري لأنه لو أقر بطل البيع لأن في الجراب ثوبًا غير مبيع وإن نكل البائع عن اليمين حكم عليه بدعوى المشتري. وللشافعي قول آخر على مذهبنا في جواز بيع خيار الرؤية، وهو أن يحلف البائع على دعوى المشتري فإن حلف بطل البيع، وإن نكل ردت اليمين على المشتري فإن حلف حكم له بيمينه مع نكول صاحبه.
(٢٨٢) قال: ولو أن رجلين ادعيا سلعة في يدي رجل فادعى
[ ١ / ٢٦٧ ]
كل واحد منهما أنهالها فأقر بها لأحدهما فقال الآخر للقاضي إنما أحال بإقراره لدفع اليمين، فحلفه بالله ما هذه السلعة لي، لم يحلفه القاضي عند الشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه.
(٢٨٣) واختلفا أن طلب الآخر بيمينه بالله ما له عليه هذه السلعة ولا قيمتها، وهي كذا.
فمذهب الشافعي: أن اليمين عليه في ذلك. وقال الكوفي وصاحباه: يحلف بالله ما لفلان عليه هذه السلعة، ولا قيمتها، وهي كذا، ولا أقل من ذلك. ولو ادعى كل واحد منهما عليه أنه غضبه هذا العبد الذي في يده فأقر بالغضب لأحدهما فكذلك عند الشافعي: لا يمين عليه للآخر. وقال الكوفي وصاحباه: إذا ادعيا عليه الغضب وأنكر أحلف لكل واحد منهما إذا أراد يمينه بالله ما هذا العبد لفلان هذا. فإن أقر به لأحدهما، أو نكل عن اليمين، حكمت عليه به لمن أقر، أو نكل عن يمينه. ثم احلفته للآخر ما لفلان عليه هذا العبد، ولا قيمته وهذ كذا، ولا أقل من ذلك ولا أحلفه بالله ما غصبه. وهكذا كل فعل يدعيانه أنه فعل ذلك مما يلزمه فيه الضمان. وإن ادعى كل واحد منهما عليه أنه أودعه هذا العبد الذي في يديه.
[ ١ / ٢٦٨ ]
فسأله القاضي فأقر به لأحدهما [فمذهب] الشافعي: أن القاضي لا يحلفه للآخر. وقال الكوفي وصاحباه: يحلفه القاضي للآخر على ما وصفت لك بالله ماله عليك هذا العبد، ولا قيمته وهي كذا، ولا أقل من ذلك لأنه عبده، أتلفه وأخرجه من يده بإقراره فإن نكل عن اليمين أغرمه القيمة، ولا يستحلفه بالله أودعك هذا العبد. ولم يحلفه الشافعي في ذلك من ذلك إذا أقر به لأحدهما إلا في مسألتين. أحديهما: دعوى الحرية. والآخر: الوقف. فإنا ادعى رجل على رجل عبدًا في يديه أنه له، وادعى العبد على سيده الذي هو في يد أنه أعتقه فإن أقر به الذي في يده لمن ادعاه لم يحلف القاضي للعبد، وإن أقر للعبد بالعتق أحلفه القاضي للآخر فإن حلف برئ وإن نكل رد اليمين على صاحبه فإن حلف حكم له عليه بالقيمة.
والمسألة الثانية: لو أن رجلين خاصما رجلًا عند القاضي في قطعة أرض أو دار في يده وبينا موضعها وحدودها الأربعة وادعى أحدهما أن هذه الدار التي في يده بهذه الحدود هي لي. وادعى الآخر أن هذه الدار التي في يده بهذه لحدود. وقف على وقفها هو أو غيره فإن أقر بها لمن ادعى رقبتها لم يحلفه القاضي للآخر. وإن أقر بالوقت لمن ادعاها وقفًا. حلفه القاضي للآخر، قلته تخريجًا على مذهبه. لأنه يوجب عليه بالحرية والوقف القيمة إذا أقر بها للثاني
[ ١ / ٢٦٩ ]
أما الحرية فقد نص عليها. وأما الوقف. قلته قياسًا عليهما. وكلما وصفت من هذه المسائل أنه لا يحلفه القاضي إذا أقر به للأول. فإنما هو قول الشافعي في كتابه الجديد. وقال في القديم يحلفه في ذلك كله، نحو ما حكيته عن الكوفي وصاحبيه، ولكن لو لم يدعيا عين العبد، وادعى كل واحد منهما أن العبد الذي في يدك اشتريته مني بألف درهم صحاح. وقال الآخر بمائة دينار. فأقر أحدهما بدعواه. حلفه القاضي بما ادعاه عند الشافعي والكوفي وصاحبيه. لا اختلاف بينهم في ذلك فإن نكل عن اليمين اختلفوا فقال الشافعي: يرد اليمين على المدعي، وقال الكوفي وصاحباه: يحكم عليه بالنكول.
(٢٨٤) ولو أن رجلًا قدم رجلًا إلى القاضي. وقال: أن أبي فلان بن فلان مات، ولا وارث له غيري، وله على هذا ألف درهم فإن أقر بما ادعاه، وصدقه في جميع ما ذكر قضى عليه القاضي بدفع الألف إليه لا اختلاف فيه بين الشافعي والكوفي فإن جاء الأب بعد ذلك مطالبًا كان بالخيار في مطالبة أيهما شاء، فإن أخذه من الغريم رجع الغريم على الابن وإن أخذه من الابن لم يرجع به على أحد.
[ ١ / ٢٧٠ ]
(٢٨٥) واختلفا إن كان المدعى عليه لما قدمه الابن إلى القاضي أقر أن لفلان الميت الذي يدعي هذا أنه ابنه عليه ألفا، وأنه مات وليس هذا بإبنه. فطلب المدعي يمينه. فمذهب الشافعي أن يحلف بالله ما هذا ابنه. قلته تفريعًا لأنه يرى اليمين في الأنساب نصًا، وكان الكوفي. لا يحلف في النسب، ويقول للمدعي أن أقمت بينة، وإلا فلا خصومه لك. وقال أبو يوسف يحلف بالله أنه لا يعلم أن فلانًا هذا هو ابن لفلان بن فلان المتوفى. وإن أقر المدعى عليه أنه ابنه لا وارث له غيره، وإن لابنه عليه ألفًا، وأنكر أن يكون أبوه قد مات. فمذهب الشافعي في ذلك أن يحلف بالله ما مات أبوه.
وقال الكوفي: يحلف بالله ما يعلم أن أباه مات.
(٢٨٦) واتفق الشافعي والكوفي على أن المدعى عليه لو أقر بالنسب والموت، وأنكر المال أنه يحلف بالله على البت ما عليه هذا المال. ويسميه ولا شيء منه.
(٢٨٧) واختلفا إذا نكل عن اليمين. فقال الشافعي يرد
[ ١ / ٢٧١ ]
اليمين على الابن. فإن حلف حكم له. وإن أبى فلا خصومه له، وقال الكوفي وصاحباه يحكم عليه بالنكول. فإن أقر بأن لفلان عليه ألف درهم وقال لا أعلم أنك ابنه، ولا أنه مات. فمذهب الشافعي أن يحلف على البت في ذلك يمينًا واحدًا. ما مات فلان ولا هذا ابنه.
وقال الكوفي: لا أحلفه على النسب ولا على غيره. ويقول القاضي للمدعي: إن أقمت بينة على النسب، أحلفته على أنه لا يعلم أنه مات، وإن لم يقم بينة على النسب فلا خصومة لك. وقال أبو يوسف: يحلف بالله أنه لا يعلمه: أنه مات ولا يعلم أنه هذا وارثة يمينًا واحدًا. وإن أنكر الدعوى كلها، وأنكر أن يكون عليه حق لفلان، وأنه مات وأن هذا ابنه. فمذهب الشافعي في ذلك أن يحلف يمينًا واحدًا على جميع ما أنكر. كما وصفته على البت. قلته تخريجًا.
[ ١ / ٢٧٢ ]
(٢٨٨) واتفق الشافعي والكوفي فيمن ادعى على رجلٍ تسليم دار أو شيء، اشتراه منه، وأنكر المدعى عليه ذلك كله، وذكر أنه غير واجب عليه تسليمها. أن القول قول المدعى عليه على يمينه.
(٢٨٩) واختلفا: إذا أقر بالبيع، وادعى أنه لا يقدر على التسليم. فمذهب الشافعي أن على البائع البينة أنه لا يقدر على التسليم. فإن لم تكن بينة كان القول قول المشتري مع يمينه على البت. بالله إنه لقادر على تسليمها. ومذهب الكوفي أن المشتري يحلف على علمه. بالله أنه لا يعلم أنه لا يقدر على تسليمها. قلته على مذهبهما تخريجًا.
(٢٩٠) فإن ادعى البائع أن المشتري قد تسلمها. حلف المشتري بالله ما تسلمها مع البت في مذهبهما معًا.
وإن ادعى البائع أن قد تسلمها وكيل المشتري فمذهب الكوفي أن يحلف المشتري بالله ما يعلم أنه وكيله فلانًا تسلمها.
واختلف مذهب الشافعي في ذلك على قولين: أحدهما أنه يحلف في وكيله على العلم. والقول الآخر: على البت. وقد بينت ذلك قبل هذا الباب. فإن
[ ١ / ٢٧٣ ]
كان وكيل المشتري ادعى على البائع التسليم. فذكر البائع أنه قد سلمها إلى الموكل. لإإن كان الموكل حاضرًا حلف الموكل على البت أنه ما قبضها، ولا شيء منها، وأنه لواجب عليه تسليمها إليه.
(٢٩١) وإن كان الموكل غائبًا بحيث يشق احضاره. فمذهب الشافعي والكوفي: أن الوكيل يحلف أنه ما يعلم أنه موكله قد تسلم هذه الدار لحق هذا الشراء الذي ادعاه ولا شيئًا منها، وإنه لواجب عليه تسلمها، قلته على مذهبهما تخريجًا.
[ ١ / ٢٧٤ ]