(٢٩٢) قال: اتفق الشافعي والكوفي على من وجب عليه يمين في القسامة لخصمه فنكل لم يحكم عليه حتى يحلف خصمه فيجمع القاضي بين نكوله ويمين خصمه، ثم يحكم بهما إلا أنهم اختلفوا بمن يبدأ في القسامة فقال الشافعي ومالك: يبدأ فيها بالمدعين. كما بدأ رسول الله - ﷺ - في قتيل الأنصار. بالمدعين. وقال الكوفي وصاحباه: يبدأ بالمدعى عليهم كسائر الدعاوى وكذلك فعله عمر عندهم.
(٢٩٣) واختلفوا في النكول ورد اليمين إذا أنكل من توجه عليه
[ ١ / ٢٧٥ ]
اليمين فيما عدا القسامة من قتلٍ أو غيره.
فقال الشافعي ومالك: إذا نكل المدعى عليه عن اليمين رددت اليمين على المدعى وحكمت له بما ادعى. وساق الشافعي المسائل كلها على ذلك. إلا فيما كانت اليمين في حق الله. واستحال ردها على صاحب الحق. وهي في خمس مسائل: أحديها إذا جاء الساعي إلى رب الماشية، فطالبه بالصدقة فذكر أنه قد أداها. ولم يحل عليها الحول أو قال بعتها في بعض الحول. ثم اشتريتها. قال الشافعي: صدقه. فإن اتهمه أحلفه. وسمعت ابن سريج يقول: فإن نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول. وأخذت صدقته. قال: ويحتمل أن لا يحكم عليه بالنكول. ولكن يحبس ويضيق عليه حتى يخرج باليمين، أو الأداء.
والمسألة الثانية: قال الشافعي أن رجلً من أهل الذمة غاب في بعض
[ ١ / ٢٧٦ ]
السنة. ثم رجع مسلمًا بعد تمام السنة. وقال أسلمت لوقت كذا قبل تمام السنة. كان القول قوله مع يمينه. قلت أنا. فإن أبى أن يحلف حكم عليه بالجزية.
والمسألة الثالثة: قال الشافعي: لو أنا كشفنا عن ذراري أهل الحرب فوجدنا منهم من قد أنبت. فقال: مسحت به دواء حتى نبت. قبل قوله مع يمينه. فإن أبى أن يحلف قُتل.
والرابعة: قال: رب النخل قد أحصنت مكيله ما أخذت وهو كذا. وقد أخطأ الخارص أو قال: أصابته جايحة، صدق فإن اتهم أحلف فإن نكل حكم عليه قلته تخريجًا.
والخامسة: لو طلب أن يعطي سهم المقاتلة. وذكر أنه يحتلم. حلف. فإن حلف. أعطى. وإن أبى حكم عليه بالنكول. ولم يعط السهم قلته تخريجًا.
وقال الكوفي في كل من وجبت عليه اليمين فنكل حكمت عليه إلا في خصلة إذا ادعي عليه قتل عمد. فنكل لم اقتص منه في النفس ولم أوجب دية. وكذلك في القسامة، وحبسته حتى يقر أو يحلف. فأما الجراح فإنه يقتص منه. وقال أبو يوسف ومحمد لا يحكم بالنكول في النفس، ولا في الجراح
[ ١ / ٢٧٧ ]
بالقصاص. ويحكم بادية. في غيرهما. وقد روى في رد اليمين حديث. حدثنا بن محمد بن أيوب الرازي، أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس.
حدثني حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي، قال: «اليمين مع الشاهد، وإن لم تكن بينة فاليمين على المدعى عليه إذا كان قد خالطه. وإن نكل حلف المدعي».
(٢٩٤) قال ابن أيوب: قال ابن أبي أويس هذا الأمر المجمع عليه عندنا، حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا جعفر بن عمران، حدثنا
[ ١ / ٢٧٨ ]
محمد بن بشر، عن حجاج بن أبي عثمان، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من طلب طلبة بغير بينة، فالمطلوب هو أولى باليمين».
(٢٩٥) قال أبو العباس: فلم يقل هو أولى ألا وللمدعي أيضًا يمين غير أن المدعي عليه أولى. وفي نحو هذا المعنى قوله ﵎: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. فدل على أن لفظه أولى في اللغة موضوعة لتقديم، لا لسلب. ولا يجب حكم إلا بالكتاب أو السنة أو إجماع أو قياس، ولا إجماع إلا بعد اليمين، ولا قياس إلا على ما ذكرنا من القسامة. ولو كان النكول إقرارًا لحكم به في القصاص، ولما قبل يمين بعد النكول إذا نكل. ثم قال أحلف. كما لا يقبل بعد الإقرار إنكار ولا يمين. ولو كان النكول كالإباحة. لما جاز الحكم به في الفروج، والرق والجراح، لأنه لو أباح فقاء عينه الصحيحة. لم يستبح. وكذلك خروج النساء واسترقاق الأحرار. ولو كان
[ ١ / ٢٧٩ ]
كالهبة. لم يحل أيضًا ذلك، ولا أجيز الحكم على اقباض الهبة، ويحكم عليه أول ما نكل. ولم يقدر ثلاثًا حتى يُكرر النكول ثلاث مرات. ولعل حجة من حكم بالنكول. ما ذكرنا من مسائل الجزية، والصدقات التي لم يكن [لرد] اليمين فيها منفذ. وإن عثمان حكم بالنكول على عمر.
(٢٩٦) حدثنا عبد الله بن غانم، حدثنا عبد الله بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن العوام، عن يحيى بن سعيد، عن سالم، عن ابن عمر أنه باع غلامًا بثمان مائة درهم فوجد المشتري به عيبًا فخاصمه إلى عثمان، فقال: بعته بالبرأة. فقال: احلف بالله لقد بعته بالبرأة، وما به عيب تعلمه. فإبى أن يحلف فرده عثمان عليه. وإن رسول الله - ﷺ - لما قال: البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه. ولم يجز تحويل اليمين عن ما وضعها رسول الله - ﷺ -، ولو ردت إلى المدعي إذا نكل المدعى عليه لردت إليه إذا نكل المدعي.
[ ١ / ٢٨٠ ]