وتقبله القضاء بمالٍ
(٤٧) قال الشافعي: ولو أن القاضي وكاتبه والقاسم وصاحب الديوان، وصاحب بيت المال. لم يأخذوا جعلًا. وعملوا محتسبين. كان أحب إليّ. فإن أخذوا جعلًا لم يحرم عندي. يعني في بيت المال.
وأولاهم يترك الجعل المؤذنون. وقال مالك والأوازاعي. وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة: لا بأس أن يأخذ القاضي أجرًا. وكره قوم.
[ ١ / ١٠٧ ]
(٤٨) واحتجوا بحديث حدثنا محمد بن عثمان بن أبي سويد. حدثنا أبو حذيفة. حدثنا سفيان الثوري، عن أبي حصين. عن الهيثم. عن عمر، قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرًا، ولا صاحب مغنمهم. ومعنى ذلك عندنا. والله أعلم على وجهين: أحدهما على وجه الاختيار. والآخر: أن يأخذ من غير بيت المسلمين. لما روي عن شريح. أن عمر كان يرزقه في كل شهر مائة درهم ومن حجة الشافعي
[ ١ / ١٠٨ ]
والكوفي، حديث. حدثنا بن المطين. حدثنا عبد الرحمن بن جبلة الباهلي. حدثنا عمر بن النعمان. عن حسين المعلم عن أبي بريدة عن أبيه. أن النبي - ﷺ - قال: «أيما عامل استعملنا، وفرضنا له رزقًا. فما أصاب بعد رزقه فهو غلول».
(٤٩) وحجة أخرى: أن القاضي عامل من عمال المسلمين، وقد جعل الله للعاملين على الصدقات في كتابة سهمًا. وهذا كله إذا كان من مال الله من بيت مال المسلمين. فأما أن يجري له، على أهل عمله رزقًا يجوز له قبوله. وكذلك لو أجراه رجل منهم. أو أجراه السلطان من مال نفسه. قلته على
[ ١ / ١٠٩ ]
مذهبهما تخريجًا. وذلك أن الشافعي قال: في كتاب الصدقات ولو أهدى إلى الساعي رجل من أهل عمله، فأخذ هديته وأثابه عليها حلت له. وإن لم يثبه عليها جعلها في الصدقات لا يحل له عندي غيره. وإن أعطاه رب المال فحرام أخذه. فأما إن يهدي إليه على طريق الهدايا، لا على طريق الرزق على عمله. فإن الشافعي قال في كتاب أدب القاضي: ولا يقبل من واحد من الخصمين هدية حتى تنفذ خصومتهما.
(٥٠) وحكى محمد بن الحسن: في كتابه عن أبي حنيفة أنه قال: لا ينبغي للقاضي أن يقبل الهدية. فإن ذلك يوقع التهمة، ويطمع فيه الناس.
[ ١ / ١١٠ ]
(٥١) حكى الخصاف عنه أنه كره له قبوله. وإن قبل لم تسقط عدالته. حدثنا أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي، حدثنا داود بن رشيد. حدثنا إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن سعيد. عن عروة بن الزبير. عن أبي حميد الساعدي أن النبي - ﷺ - قال: «وهدايا العمال غلول».
[ ١ / ١١١ ]
(٥٢) حدثنا أبو يعلى: حدثنا أبو بحر عبد الواحد بن غياث، حدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة. عن أبيه. عن أبي حميد الساعدي قال: قال النبي - ﷺ -: «ما بال أقوام نوليهم أمورًا مما ولانا الله، فيقول هذا لكم وهذا أهديت إلينا. ألا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه الهدية.
(٥٣) واختلف الشافعي والكوفي في إجابة القاضي إلى الوليمة فقال الشافعي: ليس له إلا أن يجيب كلا أو يدع كلا، وقال الكوفي: له أن يجيب في الولائم، وكل طعام دعي عليه. عامة المسلمين. فأما دعوة الخاص، فلا يجيب. قاله نصًا. والذي عندي على مذهب الكوفي تخريجًا. أن يجيب في
[ ١ / ١١٢ ]
دعوة الخاص ذا رحمه دون غيرهم. على ما حكى عنه محمد بن الحسن في الهدية.
(٥٤) والذي يجب على مذهب الشافعي. أن لا يجيب في دعوة الخاص واحدًا من الخصمين حتى تنفذ الخصومة على ما قاله في الهدية. وينبغي للقاضي على مذهب الشافعي أن يثيب على الهدايا. فإن لم يثيب عليها، ولم يرد صاحبها الثواب ففيه قولان: أحدهما: ما قال في أدب القاضي من جواز قبول الهدية إذا نفذت الخصومة. والآخر: ما قال في كتاب الصدقات في هديا العمال من أهل عمله. أنه إن لم يثب عليها فهو حرام. حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني. حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس. حدثنا أبو بكر بن عياش، عن ليتٍ. عن أبي الخطاب. عن أبي زرعة.
[ ١ / ١١٣ ]
عن ثوبان، قال: لعن رسول الله ﷺ: "الراشي والمرتشي والرياشي الذي يعمل بينهما". فإذا أخذ القاضي رشوة على قضائه فقضاؤه مردود. فإن قضى بحق، والرشوة مردودة، وكذلك كل قضاء يقضي بعده حتى يتوب
(٥٥) فإن تقبل القضاء بقباله، وأعطى عليها رشوة فولايته باطلة وقضاؤه مردود. وإن أعطى رشوة على عزل قاضٍ ليولى مكانه فكذلك. وإن أعطاها على عزله دون ولاية نفسه فعزل الأول برشوته واستقضى هو مكانه بغير رشوةٍ نظر في المعزول. فإن كان عدلًا، فأعطاء الرشوة على عزله حرام. والمعزول على قضاء قائم، إلا أن يكون من عزله قد تاب برد الرشوة قبل عزله.
(٥٦) وقضاء المستخلف باطل إلا أن يكون المستخلف أيضًا قد تاب قبل الولاية. فيصح قضاؤه. فإن كان المعزول جائرا. لم يبطل قضاءُ المستخلف. قلت ذلك كله على مذاهبهما تخريجًا.
[ ١ / ١١٤ ]
(٥٧) فأما المعدل فلا يجوز له أخذ الأرزاق على ذلك، من بيت المال ولا غيره. كما لا يجوز للشاهد أن يأخذ من ذلك شيئًا على شهادته. قلته على مذاهبهما تخريجًا.
(٥٨) واختلف قول الشافعي والكوفي في أرزاق ترجمان القاضي فقياس قول الشافعي كالشاهد لا يجوز له أخذ الرزق بحال. وقياس قول الكوفي أنه كالحاكم يجوز له أخذ الأرزاق من بيت المال دون غيره.
(٥٩) وأما قاسم القاضي وشرطه. فإن لم يجر عليهم رزق من بيت المال جاز لهم أن يأخذوا ممن أجراهم رزقًا. وإن أجرى لهم من بيت المال، لم يجز لهم أن يأخذوا من غير بيت المال. إلا أن يأذن الحاكم. وكذلك الجلاد. وكل من يقيم الحدود للحكام. إلا في خصلة واحدة، وهي أن من أقيم عليه قصاص في قودٍ أو جراح كانت الأجرة على المقتص منه إذا لم يعط من بيت المال نص الشافعي في القود. أنه على المقتص منه إذا لم يعط من بيت المال. وقلته في الباقي تخريجًا.
(٦٠) وأما كاتب القاضي فمحله في أرزاقه كمحل الحاكم. لأنه يده. قلته على مذاهبهما تخريجًا.
(٦١) وأما وكلاء الخصوم على باب القاضي فهم أجراؤهم. ليس
[ ١ / ١١٥ ]
لهم في بيت المال حق إلا من نصبه القاضي لشيء من أمور المسلمين، مثل أن يُدعى لمسجد أو طريق أو مقبرة للمسلمين أو ما أشبه ذلك. فيجوز له أخذ الأجرة من بيت المال وغيره.
[ ١ / ١١٦ ]