(٣٩٩) اتفق الجميع على أن ليس للقاضي أن يتعقب حكم من كان قبله وعلى أنه إن رفع إليه قضية قاضي. كان فاسقًا، أو مرتشيًا أو ساقط العدالة. لا يجوز قضاؤه. كان عليه نقضه واستئناف الحكم بين الخصمين.
(٤٠٠) واتفقوا على أنه إن رفع إليه قضاء قاضي عدلٍ فوجده قد خالف نص كتاب، أو سنة، أو إجماع كان عليه نقضه، وإن عليه رده على نفسه إن أخطأ في مثل ذلك.
(٤٠١) واختلفوا فيما دون ذلك. فقال مالك بن أنس: إذا ما رفع
[ ٢ / ٣٧٢ ]
إليه من قضاء قاضي قبله لم يجز له إنفاذه إلا فيما يجوز له أن يبتدئ الحكم به. وكذلك حكى أبو ثور، وأبو عبد الرحمن عن الشافعي. وبه قال: أبو ثور.
وقال: الشافعي في كتابه الجديد من رواية الربيع عنه إذا حكم القاضي بحق. ثم رأى الحق. فإن كان الأول خالف كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو أصح المعنيين فيما احتمل الكتاب، أو السنة. نقض قضاء الأول على نفسه. وكل ما نقض على نفسه نقضه على من قضى به إذا رفع إليه، ولم يقبله. فمن كتب به إليه، وإن كان محتملًا للقياس. وليس للآخر تأثير حتى يكون الأول خطأ في القياس استأنف الحكم في القضاء الآخر بالذي رأى آخرًا ولم ينقض الأول لأنه إذا احتمل المعنيين معًا. فليس براده من خطأ بين إلى صواب بين. وما لم ينقضه على نفسه لم ينقضه على أحد حكم به قبله. ولا
[ ٢ / ٣٧٣ ]
أحب له أن يكون منفذًا له إن كتب به إليه قاضي غيره. لأنه حينئذ مبتدئ الحكم به. ولا يبتدئ الحكم بما يرى غيره أصواب منه.
وقال الكوفي: ينبغي للقاضي أن ينفذ قضايا القضاة التي ترفع إليه، ويحكم به إلا أن تكون القضية خلاف الكتاب والسنة. أو خلاف إجماع العلماء. أو أن يكون القاضي محدودًا بالقذف. أو فاسقًا لا يستحق مثله القضاة. فإنه لا ينفذها، ولا يحكم بها. ولو كان قضاؤه مما اختلف فيه الفقهاء أن ينفذه.
(٤٠٢) قال ابن سريج: ابن جرجان هذا رجل من أهل البصرة.
(٤٠٣) قال: فإن قضى بإبطالها قاضي. ثم رفع إلى قاضي ثالث. أبطل نقضه. وأنفذ قضاء الأول.
(٤٠٤) فلو أن رجلًا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق ثلاثًا. ثم
[ ٢ / ٣٧٤ ]
تزوجها، فخاصمته المرأة. فقضى القاضي بينهما أنها امرأته. وأبطل عنه الطلاق. ثم خاصمت إلى قاضي آخر. يرى أن ذلك الطلاق يعمل. فإن على القاضي الثاني أن ينفذ قضاء الأول، ويمضه. لأن كثيرًا من الفقهاء يقولون بذلك. فأما الزوج إذا كان عالمًا يرى أن الطلاق يعمل. فلا يسعه المقام.
وكذلك المرأة.
(٤٠٥) وإن كان جاهلًا فهو في سعة من المقام معها. وكذلك المراة إن كانت جاهلة. وكذلك لو زنا رجل بأم امرأته فرافعته المرأة إلى قاضي يرى أن الحرام لا يحرم الحلال. فقضى أنها امرأته. وإن ذلك لا يضره. ثم رافعت إلى قاضي آخر. يرى بأن الزنا بأم امرأته يحرمها. كان عليه أن ينفذ حكم الأول. ولا ينقضه. فأما الزوج. فإن كان عالمًا أن ذلك الجماع يحرمها لم يحل له المقام معها .. وإن كان جاهلًا حل له وكذلك المرأة مثله. وكذلك طلاق المكره. لو قضى بإبطاله قاضي. ثم رفع إلى قاضي يرى طلاق المكره لازمًا، كان عليه إنقاذ القضاء الأول، وإبطال الطلاق، كما حكم به الأول
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وكذلك لو أن قاضيًا قضى بالسلم في الحيوان. ثم رفع إلى قاضي يرى السلم في الحيوان باطلًا. كان عليه إنقاذ القضاء الأول. وكذلك لو قضى قاضي في النسب بالقافة ثم رفع إلى قاضي آخر يرى خلاف ذلك. كان عليه إنقاذ القضاء الأول. وإثبات النسب. هذا كله نص قول الكوفي. ثم قال: بخلاف ذلك في مسائل. فمن ذلك أنه قال: لو قضى بشاهد ويمين، ثم رفع إلى قاضي آخر. كان عليه نقضه.
(٤٠٦) قال أبو العباس: وهذا أيضًا مما اختلف العلماء فيه. وقال به أهل الحديث، وفرق الشيعة كلها وروى ذلك عن النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب ﵇. وابن عباس وأبو هريرة، وسعد بن عبادة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن حزم.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وشرف رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -.
(٤٠٧) وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب، أنهم عملوا بها ولا يعلم صحابي خالفهم فتوارث ذلك أهل المدينة خلف عن سلف. ويذكرون أنها سُنة قضى بها علي وعبد الله بن عتبة. وشريح بالكوفة. ولو قضى قاضي ببيع أم ولد، ثم رفع إلى قاضٍ آخر أبطله، ونقض حكمه. وقد روي في بيع أمهات الأولاد عن علي وابن عباس، وابن مسعود، وأبي سعيد، وابن الزبير والوليد بن عقبة. وقال جابر بن عبد الله: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ -. وإليه ذهب
[ ٢ / ٣٧٧ ]
أهل مكة. وبه قالت الشيعة.
(٤٠٨) قال: ولو قضى قاضي على رجل في القسامة بقتل. ثم رفع إلى قاضي آخر. كان عليه نقضه. وقد روي في ذلك عن رسول الله - ﷺ - أنه قال للأنصار تحلفون وتستحقون دم صاحبكم. وحكم به عمر بن الخطاب. وعليه عمل أهل المدينة. وبه قال مالك والشافعي في كتاب القديم، وحكما فيه بالقصاص. وقال الشافعي في القديم يحكم فيها بالدية ولا يقاد بها.
(٤٠٩) وقال: ولو أن أحد المشركين أعتق نصيبه من عبيد وهو
[ ٢ / ٣٧٨ ]
معسر فقضى إن نصفه عبد ونصفه حر. ثم رفع إلى قاضي آخر. نقض حكم الأول. ولم ينفذه. وقد روى ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن كان المعتق معسرًا، فقد عتق منه ما عتق ورق منه ما رق».
وروي عن علي والحسن البصري أنه لو أعتق من عبده نصفًا كان نصفه عبدًا، ونصفه حرًا. وعليه عمل أهل المدينة. وبه قال مالك والشافعي.
(٤١٠) وقال: لو أن قاضي قضى بالخلاص في دار استحقت من يد المشتري. فأخذ له القاضي بدار مثلها. وقضى على البايع بذلك. ثم رفع إلى قاضي آخر. نقض قضاء الأول. وهذا قد روي فيه عن علي بن أبي
[ ٢ / ٣٧٩ ]
طالب بأنه قضى [على البايع] بالخلاص. وهو قول سوار بن عبد الله القاضي. وعثمان البتي. مذهب البصريين وبه قال عبيد الله بن الحسن. وفرقة من الشيعة.
(٤١١) وقال: لو أن رجلًا تزوج امرأة بنكاح متعة وقضى قاضي بهذا النكاح فأجازه، ثم رفع إلى قاضي آخر. نقض قضاء الأول، وأبطل النكاح، وعاقب عليه. وهذا قد روي فيه حديث عن رسول الله - ﷺ - وأجازه ابن عباس.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
في جماعة من صحابة. وذهب إليه علماء مكة وفرقة من الشيعة.
(٤١٢) وقال: ولو أن قاضي قضى برد عبد أو أمة اشتري، وأقام عنده أشهرًا. ثم أصابه به لمم. فرده القاضي على البايع بغير إقرار ولا بينة. ثم رفع إلى قاضي آخر. نقض قضاءه. ورد المملوك إلى المشتري. وهذا قد روي فيه عن عمر بن الخطاب وهو قول مالك وأهل المدينة.
(٤١٣) ولو أن امرأة قد بلغت أعتقت رقيقها أو أقرت بدين، أو
[ ٢ / ٣٨١ ]
أوصت بوصايا بغير إذن زوجها، فأبى الزوج ذلك فرفع إلى قاضي فأبطل ما فعلت من عتق أو إقرار، أو وصية، ثم رفع إلى قاضي آخر أبطل قضاء الأول، وأمضى ما فعلت المرأة. وقد روي عن عمر في إبطال ما فعلت من غير إذن زوجها.
(٤١٤) وقال: لو أن امرأة تزوجها رجل وأعطاها الصداق فتجهزت به ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فرافعته إلى قاضي. فقضى له بنصف الجهاز فإنه ينبغي للقاضي الثاني أن ينقض قضاء الأول وهذا قول مالك وأهل المدينة.
(٤١٥) قال: ولو أن حاكمًا حكم في التعريض بالحد وحده ثم رفع إلى قاضي آخر كان عليه نقض قضاء الأول، وإجازة شهادة هذا
[ ٢ / ٣٨٢ ]
المحدود، وهذا قد روي عن عمر بن الخطاب. وبه قال: مالك وعلماء أهل المدينة.
(٤١٦) قال: ولو طلق رجل امرأته ثلاثًا وهي حبلى، أو حائض لم يدخل بها. فقضى قاضي بإبطال هذا الطلاق، أو إبطال بعضه ثم رفع إلى قاضي آخر. نقضه وحكم عليه بالطلاق الثلاث. وهذا قد روي فيه ابن عباس ﵁. «كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر واحدة حتى أمضاها عمر، وبه قال عامة علماء أهل البيت.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
(٤١٧) قال: ولو قتل رجل. وله ابن وبنت. فعفت الابنة عن القصاص. فقضى القاضي بالقصاص، ورأى أن عفو الابنة باطلًا، وأن ولي الدم من كان عصبة. ثم رفع إلى قاضي آخر. كان عليه أن ينقض قضاء الأول. ويبطل القصاص. وهذا قول أهل المدينة. وبه قال مالك. ثم قال. وإن كان قد اقتص فيه لم ينقض قضاه. ولم يحكم فيه بشيء وتركه على حاله. ثم قال: فإن كان الثالث لا يدري ما وجه ما حكمبه الأول. ولا وجه ما نقض به الثاني. كان عليه إنفاذ نقض الثاني، وإبطال حكم الأول.
[ ٢ / ٣٨٤ ]