(٤٣٢) قال: واختلفوا في الشهود إذا رجعوا عن الشهادة قبل أن يقضي بها القاضي. فقال مالك بن أنس: إذا أثبتت الشهادة. وتقررت عند القاضي. ثم رجع الشاهدان عن الشهادة لم يستمع القاضي إلى رجوعهما، وأمضى، القاضي القضاء بها. وقال الشافعي والكوفي: إذا رجع الشهود عن الشهادة قبل مضي الحكم كان الرجوع مقبولًا. والحكم به غير واجب.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
(٤٣٣) واتفقوا على أنهم إذا رجعوا بعد ما قضى القاضي أن ليس إلى نقض ما قضى به سبيل إلا ما روي عن حماد بن أبي سليمان أن ينقض القاضي حكمه.
(٤٣٤) واختلفوا في ضمان ما تلف بشهادتهم. فقال مالك وابن أبي ليل لا ضمان في ذلك كله.
وقال مالك: ويؤدب إذا رجع.
وقال الشافعي: في كتابه الجديد: لا ضمان عليهم فيما تلف بشهادتهم
[ ٢ / ٣٩٤ ]
إلا في أربعة أشياء: أحدها الدم من قصاص نفس أو جرح، أو قطع سارق، أو رجم محصن، أو قتل مرتد، وغير ذلك. والثاني: فسخ النكاح من طلاق، وخلع، ورضاع، وغير ذلك من الفراق بين الزوجين، والثالث: العتاق، والرابع: الوقف فأما ما أتلفوا به من المال، فلا ضمان عليهم، وقال في كتابه القديم: كلما أتلفوا بشهاداتهم: أخذوا به إذا رجعوا. وبه قال الكوفي وصاحباه. . إلا في الشهادة على الطلاق. إنهم إذا رجعوا، وكان الزوج قد دخل بها لم يضمنها. فإن لم يكن دخل بها، وسمى فنصف المهر. وإن لم يكن سمى ضمنًا المتعة، وسأفسر ذلك على اختلاف مذاهبهم فلو أن رجلين شهدا على رجل أنه طلق امرأته هذه ثلاث تطليقات، أو أنه أمه من الرضاعة. أرضعته خمس رضعات معلومات، رضاع بعد رضاع في حولين. ففرق القاضي بينهما، ثم رجعا عن الشهادة.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
فإن كان ذلك بعد الدخول، ضمنا للزوج مهر المثل لا اختلاف بين الشافعي والكوفي في ذلك. وإن كان ذلك قبل الدخول. فللشافعي قولان أحدهما: أن يضمنا نصف مهر المثل للزوج، وبه قال الكوفي. والقول الثاني: إن عليهما للزوج مهر المثل. وقبل الدخول، وبعد سواء. والأول من قول الشافعي أشبه، لأنه لا يختلف. قوله: أنه لو زوجت صغيرة من صغير فأرضعتهما امرأة حتى بطل النكاح. إن عليهما نصف مهر مثل الصغيرة للصغير.
فكذلك الشاهد إذا رجع كالمرضعة. وإن كانا قد يفترقان من أن الرضاع موجب للفراق على التحقيق. وليست كذلك شهادة الزور. وإن شهدا على رجل أنه اعتق عبده هذا لسيده. لا اختلاف بينهم في ذلك، وإن شهدوا على رجل بقتل عمد. فحكم القاضي فيه بالقصاص، أو على سارق فقطع أو على محصن فرجم، ثم رجعوا عن الشهادة سئلوا فإن قالوا عمدنا فيه إلى شهادة الزور عليه ليقتل به، ويقطع. كان عليهم القصاص في ذلك عند
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الشافعي.
وقال الكوفي: لا قصاص عليهم!
(٤٣٥) وإن قال الشهود: أخطأنا في الشهادة أو غلطنا. ولم نعمد. أو لم ندر أنه يجب عليه القتل في ذلك. وكانوا ممن قد يجهلون مثل ذلك. كانت شبهة، لا قود عليهم، ولكن عليهم الدية في أموالهم دون العاقلة. لا اختلاف بينهم في ذلك.
(٤٣٦) واختلفوا إذا كانت الشهادة في مالٍ أو عقارٍ، فقضى به القاضي، ثم رجعوا عن الشهادة. فقال الشافعي ضمن الشهود للمقضي عليه قيمة ما قضى به القاضي له. وبه قال الكوفي. وقال في كتاب الجديد لا ضمان فيه على الشهود، وبه قال [مالك].
(٤٣٧) ولو أن شاهدين شهدا على رجل أنه أعتق عبده هذا. فقضى عليه القاضي بالعتق، ثم رجعا. فعليهما قيمة العبد. وإن رجع أحدهما.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
فعليه نصف القيمة لا اختلاف بينهم ولو شهد في ذلك أربعة شهداء. فقضى القاضي به. ثم رجع أحدهم. فلا ضمان عليه. فإن رجع الثاني، فلا ضمان عليه. فإن رجع الثالث فعلى الثلاثة الذين رجعوا نصف القيمة بينهم أثلاثًا. فإن رجع الرابع ضمن كل واحد منهم ربع قيمة العبد سواء. قلته على مذهب الشافعي تفريعًا. وقال الكوفي وصاحباه نصًا. وإن شهد رجل وامرأتان بمال. فقضى به القاضي. ثم رجعت إحدى المرأتين عن الشهادة فعليها الرُبع، وإن رجعت المرأتان فعلليهما النصف. فإن رجعوا كلهم، فعلى الرجل النصف، وعلى المرأتين النصف. هذا قياس قول الشافعي على مذهبه القديم، وبه قال الكوفي وصاحباه. وقال الشافعي في كتابه الجديد: لا ضمان في شيء من ذلك.
(٤٣٨) وإن شهد في ذلك رجل وعشر نسوة فرجع منه ثمان نسوة، وبقي رجل وامرأتان فلا اختلاف فيه أن لا ضمان عليهن. فإن رجعت التاسعة فعليهن ربع القيمة بينهن اتساعًا. وإن رجعت العاشرة فعليهن ن صف القيمة بينهن أعشارًا. هذا قياس قول الشافعي القديم وعلى
[ ٢ / ٣٩٨ ]
مذهبه الجديد لا ضمان، ولا اختلاف بين الكوفي وصاحبيه في ضمان ذلك، كما وصفت. واختلفوا إذا رجع الرجل والعشر نسوة. فقال الكوفي: يجب على الرجل سدس
القيمة وعلى عشر نسوة خمسة أسداس. جعل كل امرأتين بمنزلة رجل واحد.
وقال أبو يوسف: يجب على الرجل نصف القيمة وعلى عشر نسوة نصف القيمة، جعلهن بمنزلة رجل واحد والأول عندي بمذهب الشافعي في القديم أشبه.
(٤٣٩) فإن كان القاضي حكم بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد فعليه نصف القيمة وإن كان شهد رجل وامرأة فلم توجد امرأة أخرى فحلف المدعي، وحكم له القاضي، ثم رجعت المرأة عن الشهادة، فلا شيء عليها وإن رجع الرجل دونها، فعليه نصف القيمة فإن رجعا معًا.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
فكذلك يجب على الرجل نصف القيمة، ولا شيء على المرأة لأن الحكم لم يقع بشهادتهما إذا كانت وحدها، قلت ذلك كله تفريعًا على مذهب الشافعي في القديم. وأما
على مذهبه الجديد فلا ضمان على الشاهد في ذلك.
وأما الكوفي وصاحباه: فإنهم لا يرون القضاء بشاهد ويمين، وقالوا: إن قضى به القاضي، نقض حكمه إن رفع إلى قاضٍ آخر.
(٤٤٠) ولو شهد رجلان وامرأة ثم رجعوا عن الشهادة فلا شيء عليها وإن شهد رجلان وامرأتان، ثم رجعوا، عليهم القيمة بينهم أثلاثًا على الذكر مثل حظ الأنثيين قلته على قديم مذهب الشافعي والكوفي تفريعًا. وكان الشافعي يحكم في الوقف بشاهد وامرأتين، وبشاهد ويمين، فإن رجعوا الشهادة بعد الحكم ضمنوا على مذهبه في الجديد والقديم، وتفسيره في الضمان على ما يثبت من هذه المسائل. ولو شهد أربعة على رجل بالزنا. ولم يشهدوا على إحصانه. فشهد شاهدان على إحصانه فحكم الحاكم عليه بالرجم. فأيهم رجع عن الشهادة كان عليه سدس الدية، وإن شهد عليه اثنان بالزنا والأحصان. والاثنان بالزنا فقط. فأيهما رجع ممن شهد بالزنا والأحصان معًا. فعليه ثلث الدية. وأيهما رجع ممن شهد بالزنا دون الأحصان. فعليه سدس الدية. فإن شهد ثلاثة بالزنا والأحصان. وواحد بالزنا فقط، فإن رجع الذي شهد بالزنا فقط. كان عليه سدس الدية. وإن رجع من الثلاثة واحد. فعليه
[ ٢ / ٤٠٠ ]
سدس الدية. وإن رجع آخر، عزل من الدية ثلث وضم إلى السدس الذي ألزمنا الراجع عن شهادة الزنا والأحصان. فيكون ذلك نصف الدية فيشتركا فيه بينهما نصفان. فإن رجع الرابع ضم بقية الدية وهو ثلثها إلى النصف الذي اشترك فيه الثاني والثالث فيكون بينهم أثلاثًا. وإن كان الأربعة كلهم شهدوا بالزنا والأحصان معًا فأيهم رجع ضمن الرابع. وإن شهد خمسة بالزنا والأحصان فرجع واحد فلا شيء عليه وإن رجع آخر فربع الدية بينهما نصفان. وإن رجع ثالث ضم إلى ذلك ربع آخر. فكان بينهم أثلاثًا. وإن رجع رابع ضم إلى ذلك كله ربع آخر، فكان بينهم أرباعًا. وإن رجع خامس ضم إلى ذلك ربع فتكون الدية كلها بينهم أخماسا. وإن شهد أربعة بالزنا والأحصان فرجع أحدهم عن الأحصان، فلا شيء عليه، وهكذا لو رجع ثاني عن الأحصان. فإن رجع ثالث عن الأحصان. فسدس الدية بين من رجع أثلاثًا. فإن رجع رابع عزل من الدية سدس. وضم إلى السدس الأول، فكان بينهم أرباعًا فإن كانت المسألة بحالها، ورجع أحدهم عن الزنا والأحصان. فإن رجع ثاني عن الزنا دون الأحصان فعليه أيضًا
[ ٢ / ٤٠١ ]
سدس آخر. وكذلك لو كان رجوعه عن الزنا والأحصان. فإن رجع ثالث عن الزنا دون الأحصان. فعليه أيضًا سدس آخر. ولو كان رجعوعه عن الزنا والأحصان. نظر في الأوليين فإن لم يكونا رجعا عن الأحصان. فليس على الثالث إلا السدس. الذي ذكرنا. وإن كان الأولان قد رجعا عن الزنا والأحصان عزل من الدية ثلث آخر. فكان بينهم أثلاثًا، فيكون قد لزم كل واحد منهم تسعًا فإن رجع الرابع عن الزنا دون الأحصان. فعليه سدس الدية. وإن كان رجوع عن الأحصان دون الزنا، فالسدس الذي ألزمنا يُضم إلى السدس الذي قسمنا بين الثلاثة ندبًا. وقسم بينهم أرباعًا لرجوع كلهم عن الأحصان. وإن كان الرابع رجع عن الزنا والأحصان. فعليه سدس لرجوعه عن الزنا. كما وصفنا، وحصنته من الثلث، كما قسمنا، فيكون قد لزمه، ولزم كلواحد منهم ربع الدية.
[ ٢ / ٤٠٢ ]