(٤٤٥) اتفق الشافعي [والكوفي] على أن رجلًا لو رفع إلى القاضي في حد من حدود الله!، فأنكره لم يجز أخذ الكفيل منه لتقام عليه البينة، واتفقا أيضًا في حقوق بني آدم إذا كان المدعى عليه مسافرًا، أو يريد سفرًا، فأراد المدعي أخذ الكفيل منه ليقيم عليه البينة. لم يكن له إلى ذلك سبيل.
قال الكوفي: ويلازم قدر قيام القاضي من مجلس الحكم، فإن أتى المدعي ببينة إلا خلى سبيله، وكذلك مذهب الشافعي إلا أن يكون في ذلك ما يقطعه عن سفره فليس له ملازمته قلته على مذهبه تخريجًا.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
واتفقا أيضًا أن المدعى عليه لو كان مقيمًا وأراد المدعي أن يأخذ منه كفيلًا أكثر من ثلاثة أيام إن ذلك لا يجب على المدعى عليه. وقال أبو يوسف: يأخذ منه كفيلًا إلى الوقت الذي يمكنه المقدم فيه إلى القاضي، فإذا كان يجلس للقضاء في كل شهر مرة يأخذ كفيلًا إلى شهر واتفقا أيضًا فيمن ادعى على رجل دارًا، أو شيئًا لا ينقل أو شيئًا بعينه في يد المدعى عليه. فقال المدعي: أعطني كفيلًا في هذا الشيء بعينه، على أن تحضره مجلس الحكم إلى ثلاثة أيام لأقيم البينة إن ذلك لا يجب عليه، وكذلك لو ادعى عقارًا أو مالًا في الذمة وطلب كفيلًا بالمال، والعقار إلى أن يقيم عليه البينة إن ذلك غير واجب.
(٤٤٦) واختلفا إذا ادعى عليه حقًا من حقوق بني آدم، عقارًا أو مالًا، أو قصاصًا في نفس، أو جراحًا، أو حد قذف، أو غير ذلك من حقوق بني آدم، وأراد المدعي أخذ الكفيل من المدعي عليه ببدنه إلى ثلاثة أيام ليقيم عليه البينة. فمذهب الشافعي عند أصحابه: أن ذلك غير واجب لأن النبي - ﷺ - لم يجب على المدعى عليه إذا أنكر غير اليمين، وقال لو أعطى الناس بدعاويهم لأدعى ناس قبل ناس دماء وأموالًا، ولكن البينة على المدعي
[ ٢ / ٤١٠ ]
واليمين على المدعى عليه، وقال الكوفي: يؤخذ منه الكفيل إلى ثلاثة أيام في كل حق لبني آدم، إلا في القصاص في النفس والجراح، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منهما أيضًا كما يؤخذ في ساير الحقوق. وكذلك عندها فيما يجب فيه التعزير، يؤخذ الكفيل، وليس كالحد، وقال الكوفي وصاحباه. كلما وجب عليه فامتنع أمر بملازمته حتى يعطي. وقد روى نحو ما قاله الشافعي عن قتادة والشعبي لا أعلم تابعيًا خالفهما حدثنا محمد بن موسى، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني الثوري عن عقبة بن أبي العيزار. قال: أتيت الشعبي برجل لي عليه حق، فقلت: خذ لي منه كفيلًا فأبى أن يأخذ لي منه كفيلًا.
(٤٤٧) واتفق الشافعي والكوفي في أخذ الكفيل من المدعى عليه
[ ٢ / ٤١١ ]
مالًا في الذمة إذا شهد عليه شاهدان، أو رجل وامرأتان ولم يعرفهم القاضي، فأراد أن يسأل عن عدالتهم كان للمدعي أخذ الكفيل، قاله الكوفي نصًا، وقلته على مذهب الشافعي تخريجًا على ما قال في العبد، يدعي على سيده العتق، وأقام شاهدين، وسأل أن يحال بينه وبين السيد إلى أن يسأل عن العدالة. كان له ويؤاجر وينفق عليه من أجرته.
(٤٤٨) قال: وإن أقام شاهدًا واحدًا ففيها قولان، أحدهما: يعدل والآخر، لا يعدل. وإن أقام شاهدًا واحدًا. وقال: أنا آخر فخذوا لي منه كفيلًا فمذهب الشافعي في ذلك على قولي: أحدهما يؤخذ منه الكفيل.
والآخر: لا يؤخذ، قلته تخريجًا. على ما قاله في مسألة العبد، وفيه قول آخر وهو أن أخذ الكفيل بكل حال باطل، لأن كفالة النفس لم تثبت بكتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا قياس على نظير ولا تشبه ضمان المال، لإجماعهم على أن المكفول ببدنه إذا مات بطلت الكفالة ولا شيء على الكفيل، فيقال للمدعي: لازمه إن أردت حتى ينظر القاضي في العدالة. وبه قال أبو ثور. وإن أقام شاهدًا واحدًا.
[ ٢ / ٤١٢ ]
(٤٤٩) وإن كان الدعوى في حد قذف، أو تعزير، أو ما يجب فيه قصاص في نفس، أو جراح، وأقام شاهدين فلا خلاف بينهم على أن لا يكفل، ولكن المشهود عليه يحبس.
(٤٥٠) واختلفوا إن أقام شاهدًا، فقال الكوفي: يحبس.
وقال أبو يوسف ومحمد: يكفل ولا يحبس. وللشافعي قولان: أحدهما: أن يحبس المشهود عليه. والآخر: لا يحبس، ولا يكفل، وهذا أصحهما عندي، والله أعلم. قلته تخريجًا.
(٤٥١) واتفق الشافعي والكوفي على أنه إذا أراد الذي عليه الدين إلى أجل، سفرًا بعيدًا، فأراد غريمه منعه لبعد سفره وقرب أجله أن يأخذ منه كفيلًا لم يكن له إلى منعه من سفره ولا إلى أخذ الكفيل منه سبيل.
[ ٢ / ٤١٣ ]