(٥٧٨) قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾.
(٥٧٩) اختلف أهل العلم في المقدار الذي تقطع به يد السارق فقالت طائفة لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا، وما سوى ذلك، وبذلك قال الأوزاعي والليث بن سعد والشافعي وأبو ثور.
وقال مالك: تقطع اليد في ربع دينار وفي ثلاثة دراهم، فإن سرق درهمين، وهي تساوي ربع دينار لانخفاض الصرف لم تقطع يده حتى تبلغ ثلاثة دراهم، ولم تقطع في السلع حتى تبلغ قيمتها ثلاثة دراهم قل الصرف أو كثر.
وقال أحمد وإسحاق: تقطع اليد في ثلاثة دراهم إن كان سرق
[ ٢ / ٤٩٥ ]
دراهم، وبربع دينار إن سرق من الذهب، فإن سرق من غير الدراهم والدنانير، فكانت قيمته ربع دينار، أو ثلاثة دراهم قطع.
وروي عن عمر أنه قال: لا تقطع الخمس إلا في خمس. وبه قال سليم بن يسار، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة.
وروي عن علي وابن مسعود: لا تقطع اليد إلا في دينار، أو عشرة دراهم، فأكثر، وحكى ذلك عن الثوري.
وروي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري أن اليد تقطع في أربعة دراهم فصاعدا، وقال أبو جعفر محمد بن علي لا تقطع اليد إلا في أكثر من ثلاثة دنانير
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وقال عثمان البتي: تقطع اليد في درهم، فما فوقه.
وقال بعضهم على كل سارق: القطع هذا قول الخوارج.
(٥٨٠) واختلفوا في الرجلين يسرقان معًا مقدار ما إذا سرقه أحدهما وجب القطع.
فقال مالك وأحمد وأبو ثور: عليهما القطع.
وقال الشافعي والثوري والكوفي وأصحابه: لا قطع عليهما حتى تبلغ حصة كل واحد منهما ما تقطع فيه اليد، فإن سرق رجل من رجلين ما تقطع فيه اليد لو سرقة من واحد، ففي قول مالك وأبي ثور والكوفي وأصحابه لا تقطع.
وأقطعت في قول الشافعي.
(٥٨١) واختلفوا في السارق يسرق من السارق المتاع الذي سرقه.
فقال مالك على كل واحد منهما القطع، ولو كانا سبعين قطعوا جميعًا.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
وبه قال أبو ثور وإسحاق، وحكي عن ربيعة وابن شبرمة.
وقال الثوري والكوفي وأصحابه: لا قطع على الثاني، وعليه الغرم، ويقطع الأول، ووقف أحمد عن جوابها.
(٥٨٢) واختلفوا في السارق يقر بالسرقة، أو تثبت عليه بينة بها، والمسروق منه غائب، فقال مالك: إذا قامت البينة على السارق بأنه سرق ما يجب فيه القطع قطع، وإن كان صاحبه غائبًا، وبه قال أبو ثور: وهو قول ابن أبي ليلى إن أقر مرتين.
وقال الشافعي والكوفي وأبو يوسف: يحبس ولا يقطع حتى يحضر المسروق منه ويدعي.
(٥٨٣) واختلفوا في السارق تقوم عليه البينة بالسرقة فيدعي أن رب المال أقره بذلك، أو أذن له فيه، فقال مالك: تقطع يده إذا كان ذلك بالليل.
وقال أحمد وإسحاق إذا شهدوا بأنه سرق قطع.
وقال أبو ثور: إذا لم يكن له بينة بأنه أذن قطعت يده.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وقال الكوفي: إذا قال أذن لي في دخول بيته، أو كنت ضيفًا عنده ولي عليه بينة درئ عنه القطع.
ولا قطع عليه في مذهب الشافعي، وعليه رد ما سرق، أو قيمته إن كان بالغًا، قلته تخريجًا، وذلك أنه قال: إن ادعى عليه السارق أن هذا متاعه غلبه عليه، أو ابتاعه منه، أو أذن له في أخذه لم أقطعه، لأني أجعل له خصمًا لو نكل صاحبه، أحلف المشهود عليه ودفعته إليه.
(٥٨٤) واختلفوا في السارق يسرق صبيًا حرًا فقال مالك وإسحاق: يقطع، وروي ذلك عن الشعبي والحسن البصري.
وقال آخرون: لا قطع عليه هذا قول الشافعي والثوري والكوفي وأصحابه وأحمد وأبي ثور.
(٥٨٥) واختلفوا إن كان عليه حلي. فقال الكوفي: لا قطع على سارقه، وإن كان عليه حلي فيه مائة مثقال.
وقال أبو يوسف: إذا كان عليه حلي قطع، وهو قول الشافعي.
(٥٨٦) واختلفوا في القطع في الفاكهة الربطة والخبز واللحم
[ ٢ / ٤٩٩ ]
والحجارة والملح والفخار والنورة والجص والزجاج والتوابل والقصب، والحطب، والجذوع، فقال الشافعي في كل ذلك قطع إذا بلغ المقدار وسرق من جرز.
وقال الكوفي: لا قطع في شيء من ذلك، وقال الثوري: لا قطع في الذي يفسد من يومه.
(٥٨٧) واختلفوا في القطع في المصحف، فأوجبه الشافعي وأبو يوسف وأبو ثور.
وقال الكوفي: لا قطع عليه.
(٥٨٨) واختلفوا في قطع النباش، فقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور عليه القطع وبه قال أبو يوسف.
وقال الكوفي ومحمد: لا قطع عليه، وليس القبر بحرز.
وبه قال الثوري.
[ ٢ / ٥٠٠ ]
(٥٨٩) واتفقوا أنه لا قطع عليه في الخلسة إلا ما روي عن إياس بن معاوية، أنه قال: أقطعه.
(٥٩٠) واختلفوا في الطرار. فقال مالك وأبو يوسف: إن طر من دخل الكم أو خارجه فعليه القطع.
وقال الكوفي ومحمد وإسحاق: إن كانت الدراهم مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع وإن كانت مصرورة في ظاهر كمه فطرها لم يقطع. وقال أحمد: إن كان يطر سرًا قطع وإن اختلس لم يقطع.
وقال الأوزاعي والثوري وأبو ثور يقطع الطرار.
واختلفوا في رجل دخل حرز رجل فأخذ شاته فذبحها وأخرجها، فقال الشافعي ومالك والثوري وأبو ثور: يقطع.
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقال الكوفي وأصحابه: لا يقطع.
(٥٩١) واختلفوا في الإقرار بالسرقة، فقال الشافعي والكوفي ومحمد وأبو ثور: إذا أقر مرة واحدة قطع.
وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: لا يقطع حتى يقر مرتين.
(٥٩٢) واختلفوا في صفة قطع السارق، فقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو ثور: إذا سرق قطعت يده اليمنى، فإذا سرق الثانية قطعت رجله اليسرى، فإذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى، فإذا سرق الخامسة عزر وحبس.
وقال الأوزاعي والكوفي وأحمد: لا يقطع أكثر من يده اليمنى ورجله اليسرى.
(٥٩٣) واتفقوا أن الأحرار والعبيد في القطع سواء إلا ما روي
[ ٢ / ٥٠٢ ]
عن ابن عباس أن العبد الآبق لا قطع عليه، وبه قال سعيد بن العاص، ومروان بن الحكم وشريح.
(٥٩٤) واتفقوا على أن السارق إذا قطع ووجد المتاع عنده بعينه إن عليه رد وذلك على صاحبه.
(٥٩٥) واختلفوا إن كان قد استهلكه، فقال الشافعي والليث بن سعد وأحمد وإسحاق عليه مع القطع الغرم.
وقال الكوفي وأصحابه والثوري: إذ استهلكه فلا غرم عليه بعد القطع، فإن سرق مرات ثم يؤتى به في آخر مرة قطع، وضمن كل السرقات إلا الآخرة في قول الكوفي.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وقال أبو يوسف لا أضمنه.
(٥٩٦) واختلفوا في الحربي يدخل دار الإسلام بأمان فسرق، فقال الكوفي ومحمد لأقطع عليه ويضمن السرقة، وهو أصح قولي الشافعي، وله قول آخر أنه يقطع وبه قال أبو يوسف: وقيل أنه رجع عنه.
(٥٩٧) واختلفوا في السارق يوهب منه ما سرق قبل أن تقطع يد، فقال مالك والشافعي: عليه القطع وإنوهب له المتاع أو أبرأه منه. وقال أحمد وأبو ثور: وإذا رفع السارق إلى السلطان لم يكن للذي رفعه أن يعفوا عنه.
وقال النعمان: إذا وهبت منه السرقة لم يقطع، وإن رد السرقة إلى صاحبها قبل أن يرفع إلى الإمام، ثم أتى الإمام لم يقطع.
(٥٩٨) واختلفوا فيما يجب على قطاع الطريق، فقال الشافعي: من قتل منهم وأخذ مالًا قتل وصلب، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل ودفع إلى أوليائه يدفنونه، وإن أخذ مالًا ولم يقتل قطعت يده اليمنى، ثم حسمت ثم رجله اليسرى، ثم حسمت في مكان واحد، وخلي. ومن حضر وكر وكان ردًا يدفع
[ ٢ / ٥٠٤ ]
عنهم، عزر وحبس.
وقال مالك: يرى السلطان فيه رأيه في قتله وصلبه وقطعه ونفيه.
ويستثنى فيه ذلك أهل العلم والرأي من أهل الفضل.
وقال أبو ثور: الإمام مخير على ظاهر الأمر.
وقال الكوفي: إذا قتلوا وأخذوا المال قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويقتلهم ويصلبهم إن شاء، فإن أصابوا أموالًا قطعت أيديهم وأرجلهم، ولا يقتلوا، فإذا قتلوا ولم يصيبوا مالًا يقتلون ولا يقطعون، وإن قتل واحد منهم وكان الباقون ردًا لهم قتلوا جميعًا القاتل والرد.
وقال أبو يوسف ومحمد مثل قول الشافعي.
(٥٩٩) واختلفوا في المحارب يأخذ من المال أقل مما يجب فيه القطع. فقال مالك وأبو ثور للإمام أن يحكم عليه لحكمه على المحارب إذا شهر السلاح، وأخاف السبيل، وقال الشافعي والكوفي: لا يقطع من قطاع الطريق إلا من أخذ قدر ما يقطع فيه يد السارق.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
(٦٠٠) واختلفوا في المحاربين إذا تابوا، فقال مالك إذا أصابوا إلى أهل الإسلام ثم تابوا وأصلحوا من قبل أن يقدر عليهم لا يقام عليهم حد المحاربين، ولكن يقتص منهم أهل الجراحات، ويؤخذ منهم ما أخذوا من الأمور، وما استهلكوا منها، كان ذلك في أموالهم، وإن كان قتل دفع إلى الأولياء فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا.
وقال الشافعي: ومن تاب منهم من قبل أن يقدر عليه يسقط عنه الحد، ولا يسقط عنه حقوق الآدميين، وأما حدود الله التي تجب في غير المحاربة فتاب قبل أن يقام عليه على قولين:
أحدهما: يسقط عنه حتى أظهر التوبة قبل أن يقام ذلك عليه، والقول الثاني: أنه لا يسقط ويجب إقامته، وذلك توبته، وحكي عن الليث بن سعد أنه قال إذا أ'لن لمحاربة العامة والأئمة وأصاب دمًا وأموالًا، فامتنع لمحاربته من الحكم عليه، ولحق بدار الحرب، ثم جاء تائبًا قبل أن يقدر عليه، قبلت توبته ولم يتبع بشيء من أحد، إنه في حرية من دم خاصة ولا عامة، وإن طلبه وليه.
(٦٠١) واتفقوا أن المحارب إذا قتل: إن القائم بحدة الإمام. ولا يجوز للولي العفو عن التقل، وهذا قول مالك والشافعي والكوفي وأصحابه وأبي ثور، قال الشافعي فمن عفى عن الجراح كان له ذلك.
[ ٢ / ٥٠٦ ]
قال المروزي وفي الجراح: قول آخر. ليس للولي مدخل في العفو عنه.
(٦٠٢) واختلفوا فيمن جرح وقتل، فقال الشافعي: ومن جرح اقتص لصاحب الجرح ثم قتل. وحكى عن الكوفي أن من جرح جراحات في المحاربة وقتل، وقتل بالقتل حتمًا، وبطل حق أصحاب الجراحات، قلت وهذا ترك أصله لأن قتل المحارب من حقوق الله، والجراح من حقوق بني آدم ومذهبه أن حقوق الله إذا اجتمعت مع حقوق بني آدم بدئ بحق بني آدم.
حتى زعم أن محصنًا لو زنى وقتل نفسًا أنه يسلم إلى ولي القتيل، ولا يرجم وكذا، قال في المحارب: إذا قتل وأخذ المال قطع ثم قتل، وكذا قال في رجل يقر بالزنى وبالسرقة ويشرب الخمر والقذف ويفقؤ عين رجل عمدًا. فإن الإمام يبدأ، فيقتص من العين لأنها من حقوق بني آدم.
(٦٠٣) واختلفوا في المكارين في الأمصار والقرى، فقال الشافعي: حكم هؤلاء في الصحراء والمنازل والطرق والأمصار والقرى واحد إن لم يكونوا في المصر أعظم ذنبًا، فحدودهم واحدة، وحكي ذلك عن الأوزاعي والليث بن سعد.
وقال الكوفي: لا يكون قطع الطريق إلا على المسافرين لا يكون على
[ ٢ / ٥٠٧ ]
مقيم ولا في مصر ولا قرية، وأهل الذمة والإسلام في ذلك سواء واختلف في ذلك عن مالك: فقال الوليد بن مسلم قلت لمالك تكون محاربة في المصر. قال: نعم المحارب عندنا من حمل السلاح على المسلمين في مصر أو خلاء قاطعًا للطريق والسبيل والديار مخيفًا لهم بسلاحه، فقتل أحدًا منهم قتله الإمام كقلته المحارب.
(٦٠٤) وذكر ابن القاسم أن مالكًا سئل عن رجل جرح في قرية في سوقهم بالسيف مصلتًا نهارًا أتقطع يده أم ماذا يصنع به؟ فقال مالك: ليس هذا بمحارب، ورأى أن يضرب ضربًا وجيعًا ويسجن حتى يحدث خيرًا.
وقال مالك في الذي يقتل نهارًا في المصر قتل غيلة إنه محارب سبيله سبيل المحارب إذا خاف الرجل حتى يضربه على أخذ ماله أو دخل عليه منزله فضربه وأخذ ماله فهذا كله بمنزلة المحارب قتل الرجل أم لم يقتل.
(٦٠٥) واختلفوا في قطاع الطريق على أهل الذمة، فقال الشافعي: إذا قطع المسلمون على أهل الذمة حدوا حدودهم لو قطعوا على المسلمين إلا أني واقف أن أقتلهم إن قتلوا أو أضمنهم الدية.
وقال في موضع آخر: احفظ عن بعض أهل العلم قبلنا أنه قال:
[ ٢ / ٥٠٨ ]
يقتلون وإن قتلوا عبدًا أو ذميًا على مالٍ يأخذونه قال الشافعي: ولهذا وجه.
وقال أبو ثور: ويحكم على من قطعوا على المسلمين أو ذميين، وكذلك يحكم عليهم مسلمون أو ذميون، وحكي ذلك عن الكوفي.
وقال الشافعي والكوفي وأصحابه وأبو ثور: إذا قطع أهل الذمة على المسلمين حدوا حدود المسلمين.
(٦٠٦) فإن كان في المحاربة امرأة فحكمها حكم الرجال في قول الشافعي، وليس كذلك الصبيان في قول الشافعي وأبي ثور والكوفي.
وحكي عن الكوفي ومحمدٍ أنهما قالا إذا كان فيمن قطعوا الطريق امرأة أو غلام لم يحتلم درأت عنهما جميعًا الحد، والله أ'لم، تم كتاب أدب القاضي والحمد لله أولًا وآخر، وذلك في ثالث عشر من رمضان سنة ٦١٠ هـ بآمد اللهم اغفر لكتابه ذنبه وبلغه أمانيه في دنياه وعقباه، وصلى اللهم على خيريك من خلقك وصفوتك من بريتك سيدنا محمد النبي وآله وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ٢ / ٥٠٩ ]