تمهيد:
• تعريف الحبس في الدَّين:
• تعريف الحبس في اللغة:
• تعريف الحبس في الاصطلاح:
هو منع المرء من التصرف المعتاد. (^١)
قال ابن القيم (^٢): "الحبس الشرعي ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان بتوكيل نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له". (^٣)
• العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
علاقة عموم وخصوص، فاللغوي أعم من الاصطلاحي لأنه يشمل أكثر من معنى.
• تعريف الدَّين في اللغة:
هو كلُّ شيءٍ لم يكن حاضرًا، وجمعه دُيُون، وأَدَنْتُ فلانًا أي أَعطيتُه دَيْنًا. ورجلٌ مَدْيُون: قد رَكِبَه دَينٌ، ورجلٌ دائِنٌ: عليه دَينٌ، وقد استَدانَ وتَدَيَّنَ وأدان بمعنى واحد. (^٤)
_________________
(١) انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي ص: ٥٣٧؛ الصحاح تاج اللغة للجوهري ٣/ ٩١٥؛ لسان العرب لابن منظور ٦/ ٤٤؛ العين للفراهيدي ٣/ ١٥٠. مادة "حبس"، " بتصرف".
(٢) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية ١٥/ ١٣٦ "بتصرف".
(٣) محمد بن أبي بكر بنِ أيوبَ الدمشقي، ابن قيم الجوزية، ولد سنة ٦٩١ م، تلميذ ابن تيمية، وكان عارفا بالتفسير وأصول الدين والحديث والفقه، وله في العربية وكلام أهل التصوف وطرقهم، صنف أكثر من ثلاثين مصنفا منها: زاد المعاد، شرح منازل السائرين، توفي سنة ٧٥١ هـ. انظر: التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول للقنوجي ص: ٤٠٩.
(٤) الطرق الحكمية لابن القيم ص: ٨٩.
[ ٤٥ ]
• تعريف الدَّين في الاصطلاح:
اختلف العلماء في تعريفهم للدَّين:
عرفه ابن الهمام (^١) بقوله: "اسم لمال واجب في الذمة يكون بدلا عن مال أتلفه أو قرض اقترضه أو مبيع عُقد بيعه أو منفعة عُقد عليها أو استئجار عين". (^٢)
وقال الحموي (^٣): "وجوب مال في الذمة بدلًا عن شيء آخر". (^٤)
وعرفه ابن عابدين (^٥) بقوله: "ما وجب في الذمة بعقد أو استهلاك، وما صار في ذمته دينًا باستقراضه". (^٦)
وعرفه القرطبي (^٧) بقوله: "عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة". (^٨)
_________________
(١) كمال الدين محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد، المعروف بابن الهمام، ولد تقريبًا سنة تسعين وسبعمائة، إمام من أئمة الحنفية، تقدم على أقرانه في أنواع العلوم، من الفقه والأصول والنحو والمعاني وغيرها، من تصانيفه: التحرير في أصول الفقه، فتح القدير، توفي سنة إحدى وستين وثمانمائة. انظر: حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي ١/ ٤٧٤.
(٢) فتح القدير لابن الهمام ٧/ ٢٢١.
(٣) أحمد بن محمد مكي، شهاب الدين الحموي، من علماء الحنفية، له تصانيف كثيرة منها: غمز عيون البصائر، نفحات القرب والاتصال وغيرها، توفي سنة ١٠٩٨ هـ. انظر: الأعلام للزركلي ١/ ٢٣٩.
(٤) غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر للحموي ٤/ ٥.
(٥) محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، فقيه الديار الشامية وإمام الحنفية في عصره، ولد سنة ١١٩٨ هـ، له عدة تصانيف منها: رد المحتار على الدر المختار، نسمات الأسحار على شرح المنار. توفي بدمشق سنة ١٢٥٢ هـ. انظر: الأعلام للزركلي ٦/ ٤٢.
(٦) حاشية ابن عابدين ٥/ ١٥٧.
(٧) مُحَمَّد بْن أَحْمَد بن أبي بكر بن فَرْح الأنصاري القرطبي، إمام متبحر في العلم، كثير الإطلاع ويدل على ذلك تصانيفه ومنها: الجامع لأحكام القرآن، التذكرة، توفي سنة ٦٧١ هـ. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي ١٥/ ٢٢٩.
(٨) تفسير القرطبي ٣/ ٣٧٧.
[ ٤٦ ]
وفي الموسوعة الفقهية عُرف الدَّين بأنه: "ما يثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته". (^١)
وفي مجلة الأحكام العدلية عُرف الدَّين بأنه:"ما ثبت في الذمة، كمقدار من الدراهم في ذمة رجل، ومقدار منها ليس بحاضر". (^٢)
• العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
علاقة عموم وخصوص، فاللغوي أعم من الاصطلاحي لأنه يشمل أكثر من معنى.
• أنواع الحبس وشروطه:
• أنواع الحبس:
ينقسم الحبس إلى نوعين:
١. الحبس للعقوبة:
ويكون في الأفعال والجرائم التي لم تشرع فيها الحدود، سواء أكان فيها حق الله تعالى أم كان فيها حق الآدمي، والأصل في هذا أن الحبس فرع من التعزير. (^٣)
٢. الحبس للاستيثاق (^٤):
وهو تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه بقصد الاستيثاق، وضمان عدم الهرب، لا بقصد التعزير والعقوبة. (^٥)
وهي ثلاثة أقسام:
أ- الحبس للتهمة (^٦):
_________________
(١) الموسوعة الفقهية الكويتية ٢١/ ١٠٣.
(٢) مجلة الأحكام العدلية (المادة:١٥٨) ص ٣٣ - ٣٤.
(٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي ص: ٢٧٤؛ السياسية الشرعية لابن تيمية ص ٩١؛ الفروق للقرافي ٤/ ٧٩ - ٨٠؛ أسنى المطالب للسنيكي ٤/ ١٦١.
(٤) وثق لغة: إحكام الأمر وأخذه بالشيء الموثوق به. انظر: لسان العرب لابن منظور مادة (وثق) ١٠/ ٣٧٠.
(٥) الفروق للكرابيسي ١/ ٢٨٦؛ بدائع الصنائع للكاساني ٧/ ٦٥؛ الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/ ٢٩٢.
(٦) التهمة في كلام الفقهاء هي: إخبار بحق لله أو لآدمي على مطلوب تعذرت إقامة الحجة الشرعية عليه في غالب الأحوال. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/ ٢٩٢؛ أو كما عرفها نزار رجا: ما ينسب إلى إنسانٍ من تصرف معين -محظور أو غير محظور-، بناءً على قرينة ما، يستوجب عقوبة، أو رد الحق، على تقدير ثبوته بالأدلة الشرعية. انظر: أحكام المتهم في الفقه الإسلامي مقارنة بالقانون الوضعي لنزار رجا ص ١١.
[ ٤٧ ]
هو تعويق ذي الريبة عن التصرف بنفسه حتى يبين أمره فيما ادعي عليه من حق الله أو الآدمي المعاقب عليه. ويقال له أيضا حبس الاستظهار ليكتشف به ما وراءه. (^١)
ب- الحبس للاحتراز (^٢):
هو التحفظ للمصلحة العامة على من يتوقع حدوث ضرر بتركه، ولا يستلزم وجود تهمة. (^٣)
ج- الحبس لتنفيذ عقوبة أخرى:
وهي إذا حال دون تنفيذ العقوبة المحكوم بها أمر عارض أرجئ التنفيذ حتى يزول العذر، فإذا خيف هرب المطلوب تنفيذ العقوبة عليه جاز حبسه (^٤).
• شروط الحبس في الدَّين (^٥):
١. أن يكون الدَّين حالًا لا مؤجلًا.
٢. أن يكون المديون قادر على قضاء الدين.
٣. أن يكون مماطلًا.
٤. أن يكون من عليه الدين ممن سوى الوالدين.
٥. أن يطلب صاحب الدين من القاضي حبس المديون.
حكم الحبس في الدين:
• قضاء الحسن البصري:
_________________
(١) انظر: الطرق الحكمية لابن القيم ص: ٨٨ - ٩١؛ ومعالم السنن للخطابي ٤/ ١٧٩.
(٢) الاحتراز لغة: التحفظ على الشيء توقيًا. انظر: القاموس المحيط للفيروز آبادي مادة (حرز) ١/ ٥٠٨.
(٣) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٦/ ٢٩٤.
(٤) انظر: حاشية ابن عابدين ٤/ ١٦؛ المدونة للإمام مالك ٤/ ٥١٤؛ أسنى المطالب في شرح روض الطالب للسنيكي ٤/ ١٣٣.
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٧/ ١٧٣؛ المدونة للإمام مالك ٤/ ٥٩؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٤؛ نهاية المطلب في دراية المذهب للجويني ٦/ ٤١٨؛ شرح منتهى الإرادات للبهوتي ٢/ ١٥٧؛ العدة شرح العمدة للمقدسي ص: ٢٦٧.
[ ٤٨ ]
قضى الحسن البصري ﵀ بأن المديون المعسر لا يحبس (^١)، وقضى بأن الموسر يحبس في الدين (^٢).
• تحرير محل النزاع:
اتفق أئمة المذاهب الأربعة على أن لا حبس على المعسر، وأن من ادعى الافلاس ولم يعلم صدقه يحبس حتى يتبين أمره. (^٣)
قال ابن رشد (^٤): "وأما المفلس الذي لا مال له أصلًا، فإن فقهاء الأمصار مجمعون على أن العدم له تأثير في إسقاط الدين إلى وقت ميسرته، إلا ما حكي عن عمر بن عبد العزيز أن لهم أن يؤاخروه، وقال به أحمد (^٥) من فقهاء الأمصار (^٦).
_________________
(١) قال وكيع: قال حاتم بن الليث: حدثنا مسلم، قال: حدثنا أبو هلال، عن غالب القطان، قال: شهدت الحسن وهو قاض، أقر عنده رجل بدين، فقال: احبسه لي، قال: هل تعلم له مالًا فتأخذه فنعطيك، أو شيئًا له يبيعه فندفع إليك ثمنه؟ قال: لا، قال: فإني لا أحبسه حتى يكد على نفسه وعياله. انظر: أخيار القضاة لوكيع ص ٢٣٧.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ٤/ ٣٣٩.
(٣) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٧/ ١٧٣؛ المدونة للإمام مالك ٤/ ٥٩؛ شرح التلقين للمازري ٣/ ٣٨٦؛ المجموع شرح المهذب للنووي ١٣/ ٢٧٦؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ٥/ ٢٥؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ٥/ ٢٧٥ - ٢٨٠.
(٤) ابن رشد الحفيد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي،، ولد سنة عشرين وخمس مائة، العلامة، فيلسوف الوقت، ولي القضاء، له عدة تصانيف منها: بداية المجتهد، الكليات في الطب، مختصر المستصفى، توفي سنة ٥٩٥ ه. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢١/ ٣٠٧.
(٥) أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أحد الأئمة الأعلام، المحدث، الفقيه، ولد عام ١٦٤ هـ، طلب العلم وعمره خمسة عشر عامًا، من مؤلفاته: المسند. توفي عام ٢٤١ هـ. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ١١/ ١٧٧.
(٦) قال ابن مفلح: " ونص أحمد وحققو أصحابه على حبسه" انظر: الفروع لابن مفلح ١١/ ١٩٦.
[ ٤٩ ]
وكلهم مجمعون على أن المدين إذا ادعى الفلس، ولم يعلم صدقه أنه يحبس حتى يتبين صدقه أو يقر له بذلك صاحب الدين، فإذا كان ذلك خلي سبيله" (^١).
• أقوال العلماء:
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم الحبس في الدَّين على قولين:
القول الأول:
أن الحبس في الدَّين جائز، وقال به جمهور الفقهاء من الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥)، وشريح (^٦)، والشعبي (^٧)، والحسن البصري. (^٨)
القول الثاني:
_________________
(١) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٧٦.
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين ٥/ ٢٨٠؛ بدائع الصنائع للكاساني ٧/ ١٧٣؛ المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازه ٨/ ٢٣٣؛ المبسوط للسرخسي ٢٠/ ٩٦.
(٣) انظر: المدونة للامام مالك ٤/ ٦٠؛ شرح التلقين للمازري ٣/ ٣٨٦؛ التفريع في فقه الامام مالك لابن الجلّاب ٢/ ٢٥٧؛ بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٧٥.
(٤) انظر: الأم للشافعي ٣/ ٢١٧؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٣؛ تكملة المجموع شرح المهذب للنووي ١٣/ ٢٧٦؛ روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي ٤/ ١٣٦؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ٥/ ٢٦.
(٥) انظر: مسائل الإمام أحمد راوية ابنه أبي الفضل صالح ٢/ ٢٧٤؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ٥/ ٢٧٥؛ المغني لابن قدامة ٤/ ٣٣٨ - ٣٤٠.
(٦) مصنف عبد الرزاق الصنعاني، ح ١٥٣١٠، كتاب البيوع، باب الحبس في الدين، ٨/ ٣٠٥.
(٧) مصنف عبد الرزاق الصنعاني، ح ١٥٣١١، كتاب البيوع، باب الحبس في الدين، ٨/ ٣٠٦.
(٨) انظر: المغني لابن قدامة ٤/ ٣٣٩.
[ ٥٠ ]
أن الحبس في الدين لا يجوز، وقال به عمر بن عبد العزيز، والليث بن سعد (^١)، وابن هبيرة (^٢). (^٣)
• سبب الخلاف:
اختلفوا في معنى العقوبة في قوله ﷺ: "لَيُّ (^٤) الوَاجِدِ (^٥) يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ " (^٦)، فالقائلين بالجواز يرون أن الحبس نوع من العقوبة، والقائلين بعدم الجواز لا يرون ذلك.
• الأدلة:
• استدل القائلون بأن الحبس في الدَّين جائز بالسنة والأثر والقياس:
أولا: من السنة:
١. قال ﷺ: " إن لصاحب الحق اليد واللسان ". (^٧)
_________________
(١) الليث بن سعد بن عبد الرحمن، مولى خالد بن ثابت، الإمام، الحافظ، ولد سنة أربع وتسعين، استقل بالفتوى، وكان ثقة، كثير الحديث، توفي سنة خمس وسبعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ١٣٦.
(٢) ابن هبيرة أبو المظفر يحيى بن محمد الشيباني، ولد سنة تسع وتسعين وأربع مائة، الإمام، الوزير العادل، جالس العلماء والفقهاء، وبرع في عدة فنون، وكان له عدة تصانيف منها: الإفصاح عن معاني الصحاح، العبادات، توفي سنة ستين وخمس مائة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٢٠/ ٤٢٦.
(٣) انظر: المدونة للامام مالك ٤/ ٦٠؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٣؛ المغني لابن قدامة ٤/ ٣٣٩؛ المبدع في شرح المقنع لابن مفلح ٤/ ٢٨٣.
(٤) الليُّ - بِفَتْح اللَّام وَتَشْديد الْيَاء - المطل. انظر: البدر المنير لابن الملقن ٦/ ٦٥٦.
(٥) الواجد - بِالْجِيم- الْمُوسر. انظر: البدر المنير لابن الملقن ٦/ ٦٥٦.
(٦) صحيح البخاري، ٣/ ١١٨. ذكره البخاري معلقًا بصيغة التمريض، قال الحافظ: "إسناده حسن ". انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري ٥/ ٦٢. قال ابن الملقن: هذا الحديث صحيح. انظر: البدر المنير ٦/ ٦٥٦.
(٧) سنن الدارقطني، (ح ٤٥٥٣)، ٥/ ٤١٥. الحكم على الحديث: حديث مرسل، ووجه ارساله: أنه من رواية مكحول عن النبي ﷺ. انظر: اتحاف المهرة لابن حجر ١٩/ ٥٥٩.
[ ٥١ ]
وجه الدلالة:
يدل الحديث على أن المراد من اليد الحبس. (^١)
٢. قال ﷺ: "لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ ".
وجه الدلالة:
يدل الحديث على أن العقوبة مطلقة، والحبس نوع من العقوبة فهو من جملة المطلق. (^٢)
٣. "أن النبي ﷺ حبس رجلًا في تهمة". (^٣)
وجه الدلالة:
يدل الحديث على أنه إذا استحق الحبس في التهمة، فبالظلم أحرى أن يستحقه. (^٤)
ثانيا: من الأثر:
١. بَنَى علي ﵁ سجنا فسماه نَافِعًا، ثم بدا له فكسره، وبنى أحصن منه (^٥)، وكان ﵁ يحبس في الدين (^٦).
ثالثًا: من المعقول:
١. أن المديون تعدى على صاحب الحق بمنع ماله عنه، وحال بينه وبين منافع ماله، فيحال بينه وبين منافع نفسه، ليكون حيلولة بإزاء حيلولة. (^٧)
٢. أن الحبس جزاء الظلم المتحقق بتأخير قضاء الدين. (^٨)
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازه ٨/ ٢٣٢؛ كفاية النبيه في شرح التنبيه لابن الرفعه ٩/ ٤٧٥.
(٢) انظر: نيل الاوطار للشوكاني ٨/ ٣٤٩ "بتصرف".
(٣) سنن أبي داوود، (ح ٣٦٣٠)، ٢/ ٣١٤؛ سنن الترمذي، (ح ١٤١٧)، ٣/ ٨٠؛ السنن الصغرى للنسائي، (ح ٤٨٧٦)، ٨/ ٦٧؛ المعجم الكبير للطبراني، (ح ٩٩٨)، ١٩/ ٤١٤؛ المستدرك على الصحيحين للحاكم، (ح ٧٠٦٣)، ٤/ ١١٤؛ السنن الصغير للبيهقي، (ح ٢٠٥٩)، ٢/ ٢٩٥؛ من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حَيْدَةَ القشيري، الحكم على الحديث: اسناده حسن للخلاف في بهز بن حكيم. انظر: نصب الراية للزيلعي ٣/ ٣١٠.
(٤) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص ٣/ ١٧١؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٤.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة، (ح ٢٦٠٣٤)، ٥/ ٢٧٥.
(٦) مصنف عبد الرزاق الصنعاني، (ح ١٥٣١٢)، ٨/ ٣٠٦.
(٧) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازه ٨/ ٢٣٢.
(٨) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٧/ ١٧٣.
[ ٥٢ ]
٣. أن القاضي وُضع لإيصال الحقوق إلى أربابها، فإذا امتنع المطلوب عن الأداء فعلى القاضي جبره عليه، ولا يجبر بالضرب فتعين الحبس. (^١)
٤. أن الحبس أمر ضروري في استيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض. (^٢)
٥. أن الحبس يتوصل به إلى استيفاء الحق، فكان واجبًا لأن ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. (^٣)
• استدل القائلين بأن الحبس في الدَّين لا يجوز بالآتي:
١. "مضت السنة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أنه لا يحبس في الديون، لكن يتلازم الخصمان". (^٤)
٢. أن النبي ﷺ ما حبس في دين قط. (^٥)
• مناقشة الأدلة:
اعترض على أدلة القائلين بأن الحبس في الدَّين جائز بالآتي:
• ما استدللتم به من حديث: "إن لصاحب الحق اليد واللسان" مردود:
بأن الحديث مرسل لأنه من رواية مكحول عن النبي ﷺ (^٦).
اعترض على أدلة القائلين بأن الحبس في الدَّين لا يجوز بالآتي:
• ما استدللتم به من "أن السنة في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ أنه لا يحبس في الديون، لكن يتلازم الخصمان"، و"أن النبي ﷺ ما حبس في دين قط" مردود بالآتي:
١. أن النبي ﷺ حبس في تهمة فمن باب أولى حبس الظالم. (^٧)
٢. أن عليًا ﵁ حبس في الدين. (^٨)
_________________
(١) انظر: الاختيار لتعليل المختار للموصلي ٢/ ٨٩ " بتصرف ".
(٢) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٧٥.
(٣) انظر: كفاية النبيه في شرح التنبيه لابن الرفعه ٩/ ٤٧٥؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٤.
(٤) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ٥/ ٢٧٥.
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٣.
(٦) انظر: اتحاف المهرة لابن حجر ١٩/ ٥٥٩.
(٧) انظر: شرح مختصر الطحاوي للجصاص ٣/ ١٧١؛ الحاوي الكبير للماوردي ٦/ ٣٣٤." بتصرف".
(٨) سبق تخريجه ص ٤٠.
[ ٥٣ ]
٣. أن القول بالحبس في الدين هو مما تقتضي به المصلحة لاستيفاء الناس حقوقهم بعضهم من بعض، وهذا من القياس المرسل. (^١)
• الراجح:
الراجح - والله أعلم - هو أن الحبس في الدَّين جائز وهو ما ذهب إليه الحسن البصري وجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ﵏ للآتي:
١. لقوة ما استدلوا به، وفعل الصحابة والسلف ﵃.
٢. أن الحبس أمر ضروي لاستيفاء الحقوق إلى أصحابها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
دراسة تطبيقية للحبس في الدين في المحاكم السعودية:
• النص القانوني:
نص نظام التنفيذ (^٢) الصادر بمرسوم ملكي رقم: م/٥٣ وتاريخ: ١٣/ ٨/١٤٣٣ ه في الباب الخامس تحدث النظام عن إجراءات طلب اثبات الإعسار والعقوبات المترتبة على إدعاءه منها (^٣):
في الفصل الأول: الاعسار:
المادة السابعة والسبعون:
إذا لم يف المدين بالدين وادعى الإعسار، ينظر قاضي التنفيذ في إثبات إعساره بعد استكمال إجراءات الإفصاح عن الأموال والاستجواب والتتبع، وفقًا لأحكام هذا النظام، وبعد إعلان يتضمن أسباب طلب الإعسار، وينشر في صحيفة يومية أو أكثر في منطقة المدين.
المادة الثامنة والسبعون:
١. إذا ادعى المدين الإعسار وظهر لقاضي التنفيذ قرائن على إخفائه لأمواله، فعلى قاضي التنفيذ بموجب حكم يصدره استظهار حاله بالحبس مدة لا تتجاوز خمس سنوات مع مراعاة كثير المال وقليله، ويخضع الحكم لتدقيق محكمة الاستئناف.
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٧٥.
(٢) وزارة العدل، الأنظمة واللوائح، اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ، استرجعت بتاريخ ١٠/ ٧/١٤٣٧ هـ من موقع https://www.moj.gov.sa؛ المجلس الأعلى للقضاء، الأنظمة واللوائح، الأنظمة واللوائح العدلية، نظام التنفيذ ولائحته العدلية، استرجعت بتاريخ ١٠/ ٧/١٤٣٧ هـ من موقع https://www.scj.gov.sa .
(٣) اخترت من مواد النظام ما يُناسب المسألة الفقهية.
[ ٥٤ ]
٢. يستدعي قاضي التنفيذ المدين خلال فترة حبسه الواردة في الفقرة (١) من هذه المادة ويستجوبه استظهًارا لحاله بصفة دورية لا تتجاوز ثلاثة أشهر وفق ما تحدده اللائحة.
٣. تحدد اللائحة كثير مال الدين وقليله بحسب أنواع الديون وأحوال المدينين، ويكون ذلك بالتنسيق مع وزارة الداخلية ووزارة المالية.
المادة الثمانون:
إذا ادعى المدين الإعسار، وظهر لقاضي التنفيذ أن دعوى الإعسار احتيالية، أو كان عجز المدين عن الوفاء نتيجة تعدٍ أو تفريط منه؛ أثبت القاضي تلك الواقعة، واستكمل إجراءات التنفيذ، وأمر بإيقاف المتهم وإحالة ملف الاتهام خلال مدة لا تتجاوز سبعة أيام إلى هيئة التحقيق والادعاء العام لرفع الدعوى. ويجوز لذوي المصلحة تقديم بلاغ إلى الهيئة بطلب رفع الدعوى، وينظر القاضي في موضوع الدعوى، وفي حال الإدانة تطبق العقوبة المنصوص عليها في هذا النظام.
المادة الحادية والثمانون:
١. يصدر قاضي التنفيذ أمره للجهات المسؤولة عن الأصول الواردة في هذا النظام بالحجز على الأموال التي ترد مستقبلًا للمدين المعسر.
٢. يُشعر القاضي أحد المرخص لهم بتسجيل المعلومات الائتمانية بواقعة الإعسار.
٣. للدائن التقدم بالسند التنفيذي نفسه مستقبلًا إلى قاضي التنفيذ إذا ظهر للمدين المعسر أي مال.
الفصل الثاني: الحبس التنفيذي:
المادة الثالثة والثمانون:
يصدر قاضي التنفيذ بناء على أحكام هذا النظام حكما بحبس المدين إذا ثبت له امتناعه عن التنفيذ (^١)، ويستمر الحبس حتى يتم التنفيذ.
المادة الرابعة والثمانون:
لا يجوز الحبس التنفيذي للمدين في الأحوال الآتية:
١. إذا كانت لديه أموال ظاهرة كافية للوفاء بالحق الذي عليه ويمكن الحجز والتنفيذ عليها.
٢. إذا قدم كفالة مصرفية، أو قدم كفيلًا مليئًا، أو كفالة عينية تعادل الدين.
_________________
(١) المقصود بالامتناع في هذه المادة، لغيرِ عذرِ الإعسار. انظر: اللائحة التنفيذية لنظام التنفيذ.
[ ٥٥ ]
٣. إذا ثبت إعساره، وفقًا لأحكام هذا النظام.
٤. إذا كان من أصول الدائن - الآباء والأمهات وإن علو_، ما لم يكن الدين نفقة شرعية مقررة.
٥. إذا ثبت بشهادة الهيئة الطبية المختصة إصابته بمرض لا يتحمل معه الحبس.
٦. إذا كانت امرأة حاملًا، أو كان لها طفل لم يتجاوز الثانية من عمره.
المادة الخامسة والثمانون:
لا يؤدي تنفيذ الحبس إلى انقضاء الحق، وينفذ الحبس التنفيذي بمعزل عن المسجونين في القضايا الجزائية، وتُهيئ إدارة السجن للمحبوس ما يمكنه من الوفاء بديونه، أو تسويتها.
• التطبيق القضائي (^١):
رَقْمُ الصَّكِّ: ٣٤٢٩٠٧٧١ تاريخُه: ٨/ ٨/١٤٣٤ ه.
رَقْمُ الدعوى: ٣٤٢١٠٧٥١
رقم قرار التصديق من محكمة الاستئناف: ٣٤٣٦٠٦٢٣ تاريخه: ١٣/ ١١/١٤٣٤ ه.
السند الشرعي أو النظامي:
١. قوله ﷺ "العهد قريب والمال أكثر من ذلك" (^٢).
٢. قوله ﷺ "فأصابت ماله جائحة" (^٣).
٣. قوله ﷺ "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (^٤).
ملخص القضية:
_________________
(١) انظر: مجموعة الأحكام القضائية لعام ١٤٣٤ هـ الصادرة من وزارة العدل ٤/ ٢٣٥.
(٢) السنن الكبرى للبيهقي، (ح ١٨٣٨٧)، ٩/ ٢٣١. قال الحافظ: اسناده رجال ثقات. انظر: فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ٧/ ٤٧٩.
(٣) السنن الصغرى للنسائي، (ح ٢٥٩١)، ٥/ ٩٦؛ صحيح مسلم، (ح ١٠٤٤)، ٢/ ٧٢٢، بلفظ: "ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله".
(٤) مسند أحمد، (ح ٢٠٠٨٦)، ٣٣/ ٢٧٧؛ سنن أبي داوود، (ح ٣٥٦١)، ٥/ ٤١٤، بلفظ "حتى تودي". الحكم على الحديث: قال الأرناووط: حسن لغيره، وهذا إسناد ضعيف، وحسنه الترمذي. انظر: مسند أحمد ٣٣/ ٢٧٧.
[ ٥٦ ]
ادعى المدعي ضد غرمائه المدعى عليهم بأن في ذمته للمدعى عليهم مبالغ ماليه بموجب صكوك مبينة تفصيلًا في نص القضية، وتم إيداعه سجن الملز بسبب ذلك من تاريخ ٥/ ٤/١٤٣٤ ه، وما زال في السجن، وطلب إثبات إعساره في مواجهة غرمائه، وأقر أن الأموال أعطاها لشخص ولا يعلم أين هو الآن؟
أجاب المدعى عليهم الدائنون: بعدم مصادقتهم على إعساره وأنه محتال، علمًا أنه تم القبض عليه في المطار عندما كان يريد التوجه إلى خارج المملكة.
قرر ناظر القضية: أنه ظهر له أن المدعي محتال على المساهمين، وأن دعاوى الإعسار لو أخذ بها لمجرد الدعوى لأصبحت وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل، وللأسباب التي ذكرها ناظر القضية ولقوله ﷺ "العهد قريب والمال أكثر من ذلك"، وقوله ﷺ: "فأصابت ماله جائحة"، وقوله ﷺ "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فقد صدر الحكم بصرف النظر عن إثبات الإعسار، وأن يبقى المدعي بالسجن إلى حين سداد ما عليه، أو تنازل الدائنين عن حقهم، أو شموله بمكرمة ملكية.
قرر المدعي عدم القناعة.
صدر قرار محكمة الاستئناف بالمصادقة على الحكم.
• التحليل الفقهي لمضمون الحكم وعلاقته بالدراسة البحثية:
أولا: أن حكم القاضي بالسجن في الدين، يوافق قول الحسن البصري وجمهور الفقهاء ﵏ من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهو الذي تؤيده الأدلة كما تقدم.
ثانيا: أن حكم القاضي استند على النص الشرعي - كما تقدم _، والقانوني كما جاء في نظام التنفيذ باب الاعسار، لأن مدعي الإعسار متعد ويخفي أمواله ودعواه في الاعسار ليست صحيحة ولم تقم بينة على ذلك.
[ ٥٧ ]