تمهيد:
• تعريف الشهادة:
• تعريف الشهادة في اللغة:
الشَهادة: خبَرٌ قاطع، وتعني الإِخبار بما شاهده الشاهد، والمشاهدة: المعاينة، وشهده شُهودًا: أي حَضَرَه، فهو شاهدٌ، وشَهِد له بكذا شَهادةً، أي أدَّى ما عنده من الشهادة. (^١)
• تعريف الشهادة في الاصطلاح:
هي إخبار (^٢) عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحقٍ للغير على آخر (^٣).
• مشروعيتها:
دلت مشروعيتها من الكتاب والسنة:
أولا: من الكتاب:
١. قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (^٤).
٢. قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥).
٣. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (^٦).
ثانيا: السنة:
١. قال رسول الله ﷺ: "شاهداك أو يمينه" (^٧).
٢. قال ﷺ: "البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر إلا في القسامة" (^٨).
_________________
(١) انظر: الصحاح تاج اللغة للجوهري ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥؛ شمس العلوم للحميري ٦/ ٣٥٧٠، مادة "أجر".
(٢) الإخبارات الثلاث: إما بحقٍ للغير على الآخر فهو شهادة، أو بحق للمخبر على الآخر فهو الدعوى، أو بالعكس وهو بالإقرار، انظر: التعريفات للجرجاني ص: ١٢٩.
(٣) انظر: التعريفات للجرجاني ص: ١٢٩.
(٤) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٥) سورة الطلاق، آية: ٢.
(٦) سورة البقرة، آية: ٢٨٣.
(٧) صحيح البخاري، (ح ٢٥١٥)، ٣/ ١٤٣؛ صحيح مسلم، (ح ١٣٨)، ١/ ١٢٣.
(٨) سنن الدارقطني، (ح ٣١٩٠)، ٤/ ١١٤. الحكم على الحديث: إسناده ضعيف، فقد روي مرسلا من طريق ابن جريج عن عمرو، وفي الإسناد مسلم بن خالد الزنجي وهو ضعيف. انظر: التلخيص الحبير لابن حجر ٤/ ١٠٨. " بتصرف ".
[ ١٤٧ ]
٣. عن ابن عباس، ﵄ قال: ذكر عند رسول الله ﷺ الرجل يشهد بشهادة، فقال لي: "يا ابن عباس، لا تشهد إلا على ما يضيء لك كضياء هذا الشمس" وأومأ رسول الله ﷺ بيده إلى الشمس (^١).
• أركان الشهادة:
أركان الشهادة عند الجمهور خمسة: الشاهد، والمشهود له، والمشهود عليه، والمشهود به، والصيغة. (^٢)
ركن الشهادة عند الحنفية: هو اللفظ الخاص (أشهد). (^٣)
• شروط الشاهد:
يشترط في الشاهد عدة شروط وهي:
١. البلوغ (^٤)، فلا تقبل شهادة الصغير (^٥).
٢. العقل، فلا تصح شهادة غير العاقل إجماعا (^٦).
٣. الحرية عند جمهور الفقهاء (^٧).
_________________
(١) المستدرك على الصحيحين للحاكم، (ح ٧٠٤٥)، ٤/ ١١٠. الحكم على الحديث: قال الذهبي في التلخيص: واه.
(٢) انظر: حاشيتا قليوبي وعميرة ٤/ ٣١٩؛ حاشية الجمل ٥/ ٣٧٧.
(٣) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٢؛ تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ للزيلعي ٤/ ٢٠٧.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٦٧؛ التاج والإكليل للمواق ٨/ ١٦١؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٥؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١٢/ ٣٧.
(٥) كان مالك ﵀ يقبل شهادة الصبيان على الجِراح ويروي ذلك عن ابن الزبير ﵁، انظر: الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي ٤/ ١٦٥؛ شرح السنة للبغوي ١٠/ ١٢٧.
(٦) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٦٧؛ التاج والإكليل للمواق ٨/ ١٦١؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٥؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١٢/ ٣٨.
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٦٧؛ التاج والإكليل للمواق ٨/ ١٦١؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٥.
[ ١٤٨ ]
٤. الإسلام، عند المالكية (^١) والشافعية (^٢) والرواية المشهورة عن أحمد (^٣).
٥. العدالة (^٤).
• أحوال الشهود:
لا يخلو حال الشهود إذا شهدوا عند القاضي من ثلاثة أحوال (^٥):
١. أن يعلم عدالتهم في الظاهر والباطن فيجوز أن يحكم بشهادتهم ويعمل على علمه في عدالتهم.
٢. أن يعلم فسقهم في الظاهر والباطن، أو في الباطن دون الظاهر فلا يجوز أن يحكم بشهادتهم.
٣. أن لا يُعرفوا بعدالة ولا فسق: فلا يخلوا أن يعلم بإسلامهم أو لا يعلمه:
أ- إن لم يعلم بإسلامهم لم يجز أن يحكم بشهادتهم حتى يسأل عنهم، وهذا متفق عليه.
ب- إن علم بإسلامهم وجهل عدالتهم فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة وسيأتي بيانها.
حكم عدالة الشاهد:
• قضاء الحسن البصري:
أجاز الحسن البصري شهادة المسلمين بعضهم على بعض إلا من جرحه الخصم (^٦).
• تحرير محل النزاع:
_________________
(١) انظر: التاج والإكليل للمواق ٨/ ١٦١، بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٢٤٥.
(٢) انظر: فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٥.
(٣) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١٢/ ٣٩.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٦٧؛ التاج والإكليل للمواق ٨/ ١٦١؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٥؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١٢/ ٤٣.
(٥) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ١٦/ ١٧٨ " بتصرف"
(٦) قال وكيع: - ذكر حاتم، عَن سويد؛ قال: قَالَ: معتمر، عَن أبيه: كان الْحَسَن قاضيًا فكان يجيز شهادة المسلمين بعضهم على بعض إِلَّا من جرحه الخصم. _ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن مُحَمَّد بْن حسن؛ قال: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْن معاذ؛ قال: حَدَّثَنَا المَعْمَر بْن سليمان، عَن أبيه، أن الْحَسَن كان قاضيًا فكان يجيز شهادة المسلمين، إِلَّا أن يكون الخصم هو الذي يجرح شهادة الشاهد. انظر: أخبار القضاة لوكيع ص: ٢٣٧ - ٢٣٩.
[ ١٤٩ ]
اتفق الفقهاء في اشتراط العدالة في الشاهد، ولكنهم اختلفوا في ماهية العدالة (^١).
• أقوال العلماء:
اختلف الفقهاء ﵏ في ماهية العدالة على قولين:
القول الأول:
يكتفى بظاهر عدالة المسلم ولا يسأل عن الشاهد حتى يطعن الخصم فيه، وهذا قول الحسن البصري (^٢) وأبو حنيفة (^٣) ورواية عن أحمد (^٤).
القول الثاني:
أن العدالة صفة زائدة عن الإسلام وهو أن يكون ملتزمًا لواجبات الشرع، مجتنبًا للمحرمات، وهذا قول: أبو يوسف (^٥)، ومحمد من الحنفية (^٦)،
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٢٤٥.
(٢) انظر: أخبار القضاة لوكيع ص: ٢٣٧ - ٢٣٩.
(٣) انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ للزيلعي ٤/ ٢٠٩؛ مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لشيخي زاده ٢/ ١٨٩
(٤) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/ ٥٧.
(٥) أبو يوسف القاضي: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن بجير، ولد بالكوفة سنة ثلاث عشرة ومائة، كان يعرف بحفظ الحديث، ثم تفقه على يد أبي حنيفة ولازمه، وأصبح من أعيان المذهب الحنفي، وهو أوّل من لُقّب بقاضي القضاة، توفي سنة اثنتين وثمانين ومائة. انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/ ٣٣٠؛ تاريخ الإسلام للذهبي ٤/ ١٠٢١.
(٦) انظر: البناية شرح الهداية للعيني ٩/ ١١٦. محمد بن الحسن بن فرقد، أبو عبد الله الشيباني، ولد بواسط سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة، تفقه على أبي حنيفة وأكمله على يد القاضي أبي يوسف، ولي القضاء وغلب عليه الرأي ويضرب به المثل في الذكاء، توفي سنة تسع وثمانين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٩/ ١٣٤.
[ ١٥٠ ]
والمالكية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
• سبب الخلاف:
اختلفوا في مفهوم اسم العدالة المقابلة للفسق (^٤).
• الأدلة:
• استدل القائلون بأن ظاهر عدالة المسلم تكفي بالكتاب والسنة والمعقول:
أولا: من الكتاب:
١. قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٥).
٢. قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٦).
وجه الدلالة:
أن الشاهد المرضي هو الشاهد العدل (^٧).
٣. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (^٨).
وجه الدلالة:
أن الله ﷿ وصف مؤمني هذه الأمة بالوساطة، وهي العدالة (^٩).
ثانيا: من السنة:
١. قال ﷺ: "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في فرية" (^١٠).
وجه الدلالة:
أ- دلالة الحديث ظاهرة على أن عدالة المسلم الظاهرة تكفي.
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي ١٠/ ١٩٨؛ الكافي في فقه أهل المدينة لابن عبد البر ٢/ ٨٩٢؛ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب ٦/ ١٥١؛ التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب لخليل الجندي ٧/ ٤٦١.
(٢) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ١٦/ ١٧٨ - ١٨٥؛ فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي ١٣/ ٦، النجم الوهاج في شرح المنهاج للدميري ١٠/ ٢٨٧.
(٣) انظر: الانصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرادوي ١٢/ ٤٣؛ الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة ٤/ ٢٧٢؛ المغني لابن قدامة ١٠/ ١٤٨؛ شرح الزركشي ٧/ ٣٣٥.
(٤) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٤/ ٢٤٥.
(٥) سورة الطلاق، آية: ٢
(٦) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٧) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٦٨.
(٨) سورة البقرة، آية: ١٤٣.
(٩) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧٠.
(١٠) انظر: مصنف ابن أبي شيبة، (ح ٢٠٦٥٧)، ٤/ ٣٢٥. الحكم على الحديث: ضعفه ابن الملقن في البدر المنير ٩/ ٦٢٦.
[ ١٥١ ]
ب- أن العدالة أصلٌ في المؤمنين، وزوالها يكون بعارض (^١).
٢. أن أعرابيا شهد عند رسول الله ﷺ في رؤية الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، فأمر الناس فصاموا. (^٢)
وجه الدلالة:
أن النبي ﷺ لم يسأل عن عدالة الأعرابي، وعمل على ظاهر عدالة المسلم (^٣).
ثالثا: من المعقول:
١. أن العدالة الحقيقية مما لا يمكن الوصول إليها فتعلق الحكم بالظاهر، وقد ظهرت عدالتهم قبل السؤال عن حالهم فيجب الاكتفاء به، إلا أن يطعن الخصم؛ لأنه إذا طعن الخصم وهو صادق في الطعن فيقع التعارض بين الظاهرين، فلا بد من الترجيح بالسؤال (^٤).
٢. أن المسألة عن الشهود أمر لم يكن في زمن السلف. قال ابن شبرمة: أنا أول من سأل عن الشهود، فلم يكن أحد يتحرى. ولو كان ذلك شرطًا لم يتركه من تقدمه (^٥).
• استدل القائلون بأن العدالة صفة زائدة عن الإسلام وهو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته، مجتنبا للمحرمات والمكروهات، بالكتاب والأثر والإجماع والعقل:
أولا: من الكتاب:
١. قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ (^٦).
٢. قال تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٧).
٣. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (^٨).
ثانيا: من الأثر:
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧٠ " بتصرف".
(٢) انظر: سنن أبي داوود، (ح ٢٣٤٠)، ٢/ ٣٠٢؛ سنن الترمذي، (ح ٦٩١)، ٢/ ٦٧؛ السنن الصغرى للنسائي، (ح ٢١١٣)، ٤/ ١٣٢؛ سنن الدارقطني، (ح ٢١٥٨)، ٣/ ١٠٤.
(٣) انظر: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لشيخي زاده ٢/ ١٨٩.
(٤) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧٠.
(٥) انظر: التجريد للقدوري ١٢/ ٦٥٤٠.
(٦) سورة الطلاق، آية: ٢.
(٧) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٨) سورة البقرة، آية: ١٤٣.
[ ١٥٢ ]
شهد رجل عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بشهادة، فقال له: " لست أعرفك، ولا يضرك ألا أعرفك، ائت بمن يعرفك، فقال له رجل من القوم: أنا أعرفه، قال: فبأي شيء تعرفه؟ قال: بالعدالة والفضل، قال: فهو جارك الأدنى الذي تعرف ليله ونهاره ومدخله ومخرجه؟ قال: لا، قال: فمعاملك بالدينار والدرهم اللذين بهما يستدل على الورع؟ قال: لا، قال: فرفيقك في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ قال: لا، قال: لست تعرفه، ثم قال للرجل: ائتِ بمن يعرفك " (^١)
ثالثا: من الإجماع:
أن عمر ﵁ في الأثر السابق كان بحضرة الصحابة ﵃؛ لأنه لم يكن يحكم إلا بمحضرهم ولم يخالفه أحد فكان اجماعا (^٢).
رابعا: من العقل (^٣):
١. كل عدالة شرطت في الشهادة لم يجز الحكم بها مع الجهالة كالشهادة على الحدود.
٢. كل شهادة وجب البحث عن عدالتها في الحدود وجب البحث عن عدالتها في غير الحدود كما لو طعن فيها الخصم.
٣. كل عدالة وجب البحث عنها إذا طعن فيها الخصم وجب البحث عنها وإن لم يطعن الخصم كالحدود.
٤. اعتبار العدالة مجمع عليه، وإنما الاختلاف في صفة الاعتبار، فأصحاب القول الأول اعتبروها بالظاهر ونحن نعتبرها بالبحث، والبحث أقوى من الظاهر، فوجب أن يكون أحق بالاعتبار لما فيه من الاحتياط والاستظهار.
_________________
(١) انظر: السنن الصغير للبيهقي، (ح ٣٢٦٠)، ٤/ ١٣٤، الحكم على الحديث: قال الْعُقَيْلِيُّ: الْفَضْلُ مجهول، وما في هذا الكتاب حديث لمجهول أحسنُ من هذا، وصححه أبو علي بن السَّكَنِ. انظر: التلخيص الحبير لابن حجر ٤/ ٤٧٤؛ وصححه الألباني، انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل للألباني ٨/ ٢٦٠.
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي ١٠/ ١٩٩.
(٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ١٦/ ١٨٠ "بتصرف".
[ ١٥٣ ]
٥. لما لم يجز أن يحكم بإسلامه بالظاهر من دار الإسلام لأن فيها كفارا، لم يجز أن يحكم بعدالته بظاهر الإسلام، لأن في المسلمين فساقًا.
• مناقشة الأدلة:
اعترض على أدلة القائلين بأن ظاهر عدالة المسلم تكفي بالآتي:
• ما استدللتم به من دلالة قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^١)، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٢) فمردود بالآتي:
١. أن ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ نص مطلق، فيقدم عليه النص المقيد ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).
٢. أن العدالة تكون برضا الحكام والمسلمين (^٤).
• ما استدللتم به من دلالة قوله تعالى" ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (^٥) فمردود بالآتي:
١. أن المراد بها شهادتهم في الآخرة عند الله تعالى بأن الرسل قد بلغوا رسالة ربهم.
٢. أنهم شهدوا فيما أجمعوا عليه (^٦).
• ما استدللتم به من دلالة قوله ﷺ: " المسلمون عدول بعضهم على بعض" فمردود بالآتي:
١. أن ما أوجبه الإسلام من عمل الطاعات واجتناب المعاصي موجب لعدالتهم، والبحث إنما يتوجه إلى العلم بالعدالة. (^٧)
٢. أن الظاهر العدالة، ولا يمنع ذلك وجوب البحث، ومعرفة حقيقة العدالة، كما في الأثر المروي عن عمر (^٨).
• ما استدللتم به من حديث الأعرابي الذي رأى الهلال: فقال ﷺ: " أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ " قال: نعم إلخ، فمردود بالآتي:
_________________
(١) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٢) سورة الطلاق، آية: ٢.
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي ١٠/ ٢٠٠.
(٤) انظر: المرجع السابق.
(٥) سورة البقرة، آية: ١٤٣.
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ١٦/ ١٨١.
(٧) انظر: المرجع السابق.
(٨) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/ ٥٧.
[ ١٥٤ ]
١. أن ذلك في صدر الإسلام حيث العدالة غالبة بخلاف غيره. (^١)
٢. أن الأعرابي المسلم، من أصحاب رسول الله ﷺ وقد ثبتت عدالتهم بثناء الله عليهم، فإن من ترك دينه في زمن رسول الله ﷺ إيثارًا لدين الإسلام، وصحبة رسول الله ﷺ ثبتت عدالته. (^٢)
٣. أن السؤال عن الإسلام لا يدل على عدم السؤال عن غيره. (^٣)
أجيب:
أن النبي ﷺ حكم بشهادة الأعرابي في الحال، وأمر الناس بالصيام قبل أن تمضي مهلة المسألة، ويدل عليه قوله ﷺ: "المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا محدودًا في فرية" (^٤)، وهذا يدل على أن عدالة الإسلام تكفي. (^٥)
اعترض على أدلة القائلين بأن العدالة صفة زائدة عن الإسلام وهو أن يكون ملتزما لواجبات الشرع ومستحباته، مجتنبا للمحرمات والمكروهات بالآتي:
• ما استدللتم به من قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٦) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (^٧) فمردود بالآتي (^٨):
١. أن ذوا العدل عمن جعلت له عدالة، ومن كان مسلمًا، فله عدالة الإسلام. وإنما تزول بمخالفة الدين، وذلك لا يعلم، فالعدالة باقية.
٢. أن المسلم الذي لم تظهر منه حُرمة مَرضي، لأن الله تعالى ذكر هذا في حال التحمل، ولا خلاف أن عدالة الباطن لا تعتبر حال التحمل، فعلم أن المراد بذلك عدالة الظاهر.
• ما استدللتم به من الأثر عن عمر، فمردود بالآتي (^٩):
_________________
(١) انظر: الذخيرة للقرافي ١٠/ ٢٠٠.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/ ٥٧.
(٣) انظر: الذخيرة للقرافي ١٠/ ٢٠٠.
(٤) سبق تخريجه ص ١٣٨.
(٥) انظر: التجريد للقدوري ١٢/ ٦٥٣٩.
(٦) سورة الطلاق، آية: ٢.
(٧) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.
(٨) انظر: التجريد للقدوري ١٢/ ٦٥٤١.
(٩) المرجع السابق.
[ ١٥٥ ]
١. إن هذه الحادثة حكاية حال، يحتمل أن تكون الشهادة في الحدود وهو الظاهر؛ لأنه طلب من الشهود التعديل، ولو كان هناك خصم لالتمس منه التعديل، فلما التمس ذلك من الشاهد، دل على أن الشهود هم المدعون، وذلك لا يكون إلا في الحدود.
٢. أن كتاب عمر إلى أبي موسى أظهر وأشهر، فيجب أن يرجع إلى ظاهره، ويحمل هذا على الحدود وذلك على بقية الحقوق.
• ما استدللتم به من أن " كل عدالة وجب البحث عنها إذا طعن فيها الخصم وجب البحث عنها وإن لم يطعن الخصم كالحدود." فمردود:
بإنه إذا طعن الخصم، صارت المسألة حقا له، وإن لم يثبت قبل طعنه، كما أن العيب إذا ثبت وجب الرد به، فإذا ادعى البائع رضا المشتري، وجب على الحاكم أن يسأله عن ذلك، ولو لم تَدّع، لم يسأل. (^١)
• الراجح:
الراجح - والله أعلم - هو ما ذهب إليه: أبي يوسف ومحمد من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، من أن العدالة صفة زائدة عن الإسلام وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات.
موانع قبول الشهادة:
• قال الحسن البصري ﵀: "أربعة لا تجوز شهادتهم: الخصم، والشريك، والمَريب، والدافع المغرم " (^٢).
• "كان الحسن البصري لا يجيز شهادة الوالد لولده، ولا الزوج للمرأة، ولا المرأة للزوج، ويجيز شهادة الأخ لأخيه" (^٣).
• اتفاق الفقهاء:
قال ابن القطان:" ولا تجوز شهادة الوالد لولده، وبه قال سائر فقهاء الأمصار (^٤) " (^٥).
_________________
(١) انظر: التجريد للقدوري ١٢/ ٦٥٤٢.
(٢) انظر: أخبار القضاة لوكيع ص: ٢٣٧.
(٣) المرجع السابق ص: ٢٣٨.
(٤) قال به أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧٢؛ التفريع في فقه الإمام مالك لابن الجلاب ٢/ ٢٣٧؛ الحاوي الكبير للماوردي ١٧/ ١٦٣؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١٢/ ٦٦.
(٥) الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان ٢/ ١٣٩.
[ ١٥٦ ]
• من موانع قبول الشهادة (^١):
١. قرابة الولادة، فلا تقبل شهادة الوالد لولده وإن نزل، ولا ولد لوالده وإن علا.
٢. قرابة النكاح، فلا تقبل شهادة أحد الزوجين لصاحبه.
٣. لا تقبل شهادة السيد لعبده، ولا العبد لسيده.
٤. أن يدفع عن نفسه ضررًا.
٥. أن يشهد الفاسق بشهادة، فترد، ثم يتوب ويعيدها فإنها لا تقبل للتهمة.
٦. من شهد بشهادة ترد في البعض ردت في الكل مثل: من شهد على رجل أنه قذفه وأجنبيًا.
٧. العداوة.
٨. الريبة.
٩. الخصم.
١٠. المحدود في القذف.
١١. الغفلة وعدم الضبط.
١٢. الحرص على القبول بزوال معرة الكذب.
١٣. الحرص على منصب الشهادة بالابتداء بها حيث لا تجب.
دراسة تطبيقية على عدالة الشاهد في المحاكم السعودية:
• التطبيق القضائي:
القضية الأولى (^٢):
رقم الصَّكِّ: ٣٤٣٦٠٣٨ تاريخُه: ١٢/ ٢/١٤٣٤ ه
رَقْمُ الدعوى: ٣٣٤١٢٠٤٦
رقم قرار التصديق من محكمة الاستئناف: ٣٤٢٥٦٨٠٥ تاريخه: ٢/ ٧/١٤٣٤ ه
السند الشرعي أو النظامي:
١. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^٣).
٢. قوله ﷺ:"المسلمون على شروطهم" (^٤).
٣. قوله ﷺ: "البينة على المدعى واليمين على المدعى عليه" (^٥).
٤. المادة (٥٥) و(١٧٦) من نظام المرافعات الشرعية.
ملخص القضية:
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني لابن مازه ٨/ ٣١٧؛ الذخيرة للقرافي ١٠/ ٢٥٩؛ الحاوي الكبير للماوردي ١٧/ ١٥٩؛ الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ١١/ ٦٦؛ الكافي في فقه الإمام أحمد لابن قدامة ٤/ ٢٧٦.
(٢) انظر: مجموعة الأحكام القضائية ٤/ ٣٣.
(٣) سورة المائدة، آية: ١.
(٤) سبق تخريجه ص ٧٣.
(٥) سنن الترمذي، (ح ١٣٤١)، ٣/ ١٩. قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن عبيد الله العَرْزَمِيُّ يُضَعَّفُ في الحديث من قبل حفظه، ضعفه ابن المبارك، وغيره.
[ ١٥٧ ]
دعوى المدعى ضد المدعى عليه الغائب عن مجلس الحكم الذي بلغ بموعد الجلسة لشخصه.
ومضمون الدعوى: أن المدعي اقرض المدعى عليه مبلغا قدرة مائة وخمسون ألف ريال، تُسلم على ثلاثة أقساط، كل قسط خمسون ألف ريال، ولم يلتزم بسداد الأقساط في حينها، وطلب المدعي إلزام المدعى عليه بسداد المبلغ الذي في ذمة المدعى عليه كاملًا.
طلب ناظر القضية البينة على الدعوى.
أبرز المدعي إقرارًا منسوبا للمدعى عليه يتضمن صحة الدعوى، احضر المدعي شاهدًا شهد بصحة الدعوى وتم تعديله شرعًا، جرى عرض اليمين على المدعى وحلف على صحة دعواه.
بناء على الأسباب المرصودة في الحكم ولقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (^١)، صدر الحكم بإلزام المدعى عليه بالمبلغ المدعى به، تم تزويد المدعى عليه بصورة من الحكم.
قدم المدعى عليه لائحة اعتراضية اطلع عليها حاكم القضية ولم يظهر له ما يخالف ما حكم به، صدر قرار محكمة الاستئناف بالموافقة على الحكم.
وجاء في نص الحكم:
(بطلب زيادة بينة من المدعي على صحة دعواه أحضر للشهادة وأدائها سعودي الجنسية، بموجب السجل المدني رقم ، وهو من مواليد ١٤٠٠ ه، ويعمل في مجال المحاماة، وليس بينه وبن أطراف الدعوى قرابة، وهو صديق لطرفي الدعوى، وشهد قائلا:
أشهد بالله العظيم بأن المدعى عليه أقر أمامي وفي مكتبي بأن في ذمته للمدعي مبلغا قدره مائة وخمسون ألف ريال قرضة حسنة، وقد وقع على الإقرار المشار إليه في الدعوى أمامي وكنت أحد الشهود عليه.
وعدل من قبل سعودي الجنسية، بموجب السجل المدني رقم .)
• التحليل الفقهي لمضمون الحكم وعلاقته بالدراسة البحثية:
أن القاضي أخذ برأي جمهور العلماء في تعديل الشاهد، فلم يكتف باسلامه فقط وإنما بالسؤال عمّن يعدله كما جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب ﵁.
_________________
(١) سورة المائدة، آية: ١.
[ ١٥٨ ]
القضية الثانية (^١):
رقم الصك: ٢٣٨/ ٣١.
التاريخ: ٢٤/ ١٠/١٤٢٥ ه.
تصنيف الحكم: عقار.
ملخص الحكم:
* الحكم بسقوط دعوى المدعي تجاه المدعى عليه بالمطالبة بمبالغ مالية، بدعوى أنه استلمها من عملاء المحل، وأن المدعى عليه يعمل لديه، استنادًا إلى أن المدعى عليه هو المالك الحقيقي للمحل مع أنه سُجل باسم المدعي، وذلك ليمينه وعدد من القرائن التي ترجح جانب المدعي عليه.
ومنها: قيامه بالتوقيع على العقود والسندات مع عدم وجود أي توقيع للمدعى عليه، وعدم استلامه لأي راتب من المدعي، وعجز المدعي عن إثبات ذلك، وإعطاء المدعى عليه بطاقة صراف، وتفويضه بالسحب والتحويل، وأنه من كان يدفع إيجار المحل، وهذه الأمور تخالف العرف الجاري فيما يتعلق بصلاحية العامل الأجير، ويؤيدها ما قرره المدعي من عدم استلامه لإيرادات المحل لمدة عشر سنوات، وليس من العادة أن يسكت المالك عن المطالبة بالدخل طوال هذه السنوات.
* تقرير رد شهادة الشاهد لأنه غير ضابط.
* تقرير عدم الاحتجاج بورقة المخالصة لظهور الطمس والتعديل فيها.
* تقرير أن القرائن إذا اجتمعت تقوم مقام الشاهد وتكمل باليمين.
• التحليل الفقهي لمضمون الحكم وعلاقته بالدراسة البحثية:
أن القاضي أخذ برأي جمهور العلماء في أن عدم الضبط من موانع قبول شهادة الشاهد.
_________________
(١) انظر: مدونة الأحكام القضائية ١/ ١١٠.
[ ١٥٩ ]