تمهيد:
• تعريف المضاربة:
• تعريف المضاربة في اللغة:
ضربه يضرِبه ضربًا، وضَرَبَ فِي الأَرضِ يَضرِبُ ضَرْبًا وضَرَبانًا ومَضْرَبًا، بِالْفَتْحِ، خَرَجَ فِيهَا تاجِرًا أَو غازِيًا، وَقِيلَ: أَسْرَعَ، وَقِيلَ: ذَهَب فِيهَا، وَقِيلَ: سار في ابتغاء الرزق، والضَّرْبُ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ الأَعمال إلا قَلِيلًا، ضَرَبَ فِي التِّجَارَةِ وَفِي الأَرض، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وضارَبه فِي الْمَالِ مِنَ المُضارَبة وَهِيَ القِراضُ، يقال: ضاربته بالمال وفي المال، وضارب فلان لفلان في ماله: اتجر له فيه. (^٣)
• تعريف المضاربه في الاصطلاح:
عرفها الفقهاء ﵏ بأنها:
١. معاقدة دفع النقد إلى من يعمل فيه على أنه ربح بينهما على ما شرطا. (^٤)
٢. عقد شركة في الربح بمال من رجل وعمل من آخر. (^٥)
٣. تمكين مال لمن يتجر به بجزء من ربحه لا بلفظ الإجارة. (^٦)
• العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي:
علاقة عموم وخصوص، فاللغوي أعم من الاصطلاحي لأنه يشمل أكثر من معنى.
_________________
(١) يسميها أهل العراق المضاربة، وأهل الحجاز القراض. انظر: أنيس الفقهاء للقونوي ص: ٩٢.
(٢) اليُتم: الانفراد، وكلُّ شئ مفرد يعز نظيره فهو يَتيمٌ، واليتيم: الصبي الذي مات أبوه وهو صغير، وهو يتيمُ إِلى الاحتلام. انظر: المحكم والمحيط الأعظم لابن سيده ٩/ ٥٢٩؛ شمس العلوم للحميري ١١/ ٧٣٤١؛ لسان العرب لابن منظور ١٢/ ٦٤٥.
(٣) انظر: الصحاح تاج اللغة للجوهري ١/ ١٦٨؛ لسان العرب لابن منظور ١/ ٥٤٤؛ أساس البلاغة للزمخشري ١/ ٥٧٧. مادة " ضرب".
(٤) انظر: طلبة الطلبة في الاصطلاحات الفقهية للنسفي ص: ١٤٨؛ أنيس الفقهاء للقونوي ص: ٩٢؛ حلية الفقهاء للقزويني ص: ١٤٧.
(٥) انظر: التعريفات للجرجاني ص: ٢١٨؛ الكليات للحسيني ص: ٥٧٢؛ التعريفات الفقهية للبركتي ص: ٢٠٩.
(٦) انظر: شرح حدود ابن عرفة للرصاع ص: ٣٧٩.
[ ٥٨ ]
• شروط المضاربة (^١):
١. أن تدل صيغة المضاربة على الايجاب والقبول.
٢. أن يكون العاقدين من أهل التصرف.
٣. أن يكون رأس المال من الدراهم أو الدنانير.
٤. أن يكون رأس المال معلومًا.
٥. أن يكون رأس المال عينًا وليس في الذمة.
٦. أن يسلم رأس المال إلى العامل.
٧. أن يكون نصيب كل من العاقدين من الربح معلومًا.
٨. أن يكون العمل تجارة.
حكم المضاربة في مال اليتيم:
• قضاء الحسن البصري:
قضى الحسن البصري ﵀ بأن للوصي أن يدفع مال اليتيم مضاربة إن شاء (^٢).
• تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على أن المضاربة جائزة (^٣)، واتفق جمع من الصحابة (^٤)، والتابعين، وأئمة المذاهب الأربعة على أن المضاربة في مال اليتيم جائزة (^٥)، واختلفوا هل يجوز لولي اليتيم أن يضارب بنفسه أم لا؟
_________________
(١) انظر: الاقناع في مسائل الإجماع لابن القطان ٢/ ١٩٨؛ حاشية ابن عابدين ٥/ ٦٤٦؛ الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني ٢/ ١٢٢؛ روضة الطالبين وعمدة المفتين للنووي ٥/ ١١٧؛ كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي ٣/ ٥٠٨.
(٢) قال وكيع: قال حاتم بن الليث: عن محمد بن أبي غالب، عن هشيم، عن ابن عون، قال: أتيت الحسن وهو قاض يومئذ، فسألته عن الوصي يدفع مال اليتيم مضاربة، قال: نعم إن شاء. انظر: أخبار القضاة لوكيع ص: ٢٣٧.
(٣) انظر: الاقناع في مسائل الإجماع لابن القطان ٢/ ١٩٨.
(٤) عمر بن الخطاب ﵁، وابنه عبدالله ﵁، وعائشة ﵂، خالفهم الحسن بن علي ﵄ فإنه يرى الكراهة. انظر: انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٠.
(٥) انظر: بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٧٩؛ المدونة للإمام مالك ٤/ ١٤٧؛ بحر المذهب للروياني ٧/ ١١١؛ المغني لابن قدامة ٤/ ١٨٠.
[ ٥٩ ]
• أقوال العلماء:
اختلف الفقهاء ﵏ في حكم مضاربة الولي بمال اليتيم وأخذ جزء من ربح المال على قولين:
القول الأول:
أن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم جائزة ويقتسما الربح، وهذا رأي الحسن بن صالح (^١)، واسحاق (^٢)، ومذهب الحنفية (^٣)، وهو مذهب الحنابلة لكن الربح كله لليتيم (^٤).
القول الثاني:
أن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم لا تجوز، وهو رواية عند الحنفية (^٥)، والشافعية (^٦).
أما المالكية فيقولون بالكراهة (^٧).
• الأدلة:
• استدل القائلون بأن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم جائزة ويقتسما الربح بالكتاب والمعقول:
أولا: من الكتاب:
١. قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (^٨).
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة ٤/ ٥٢١. الحسن بن صالح بن صالح بن حي الهمداني، ولد سنة مئة، الفقيه، العابد، من أئمة الإسلام، صحيح الحديث، ومن الثقات المتقنين، توفي سنة تسع وستين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي ٧/ ٣٦١.
(٢) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه ٦/ ٣١٣٥. إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهويه، ولد سنة سنة ست وستين ومئة، شيخ البخاري، كان أحد أئمة المسلمين، اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد، ورحل إلى العراق والحجاز واليمن والشام لطلب العلم، توفي سنة سنة ثمان وثلاثين ومائتين. انظر: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٧/ ٣٦٢.
(٣) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري للزبيدي ١/ ٢٩٢؛ حاشية ابن عابدين ٥/ ٦٦١.
(٤) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة ٤/ ٥٢١؛ المغني لابن قدامة ٤/ ١٨١.
(٥) انظر: حاشية ابن عابدين ٥/ ٦٦١.
(٦) انظر: الحاوي الكبير للماوردي ٧/ ٣٤٩.
(٧) انظر: التهذيب في اختصار المدونة لابن البراذعي ٤/ ٦١؛ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب ٦/ ٤٠٢.
(٨) سورة النساء، آية ٦.
[ ٦٠ ]
وجه الدلالة:
أن الله أجاز لولي اليتيم الأكل مع عدم العمل، فجوازه مع العمل فيه وتنميته من باب أولى (^١).
٢. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (^٢).
وجه الدلالة:
يدل صريح الآية على تحريم أكل مال اليتيم ظلمًا، ومفهومها جواز الأكل مع عدم الظلم، ومن ذلك أخذ شيء من ربح ماله إذ هو أخذ بحق، لأنه مقابل العمل بماله (^٣).
ثانيا: من المعقول:
١. أن ولي اليتيم كالأجنبي لا يملك المال فيحق له المضاربة بالمال بشرط العمل به (^٤).
٢. أن للولي أن يدفع مال اليتيم مضاربة إلى غيره، فمن باب أولى أن يضارب بنفسه (^٥).
• استدل القائلون بأن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم لا تجوز بالمعقول:
١. أن الولي بأخذه جزء من ربح المضاربة يكون قد أجّر نفسه لليتيم وهذا لا يجوز (^٦).
٢. أن سبب المنع هو مخافة أن يُحابي الولي نفسه في الربح (^٧).
٣. أن الربح نماء مال اليتيم، فلا يستحقه غيره إلا بعقد، ولا يجوز أن يعقد الولي لنفسه (^٨).
_________________
(١) انظر: الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات والتبرعات، د. خالد المشيقح، ص: ٩ "بتصرف".
(٢) سورة النساء، آية: ١٠.
(٣) انظر: الإفادة من مال اليتيم في عقود المعاوضات والتبرعات، د. خالد المشيقح، ص ٩.
(٤) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري للزبيدي ١/ ٢٩٢.
(٥) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة ٤/ ٥٢١.
(٦) انظر: قرة عين الأخيار لابن عابدين ٨/ ٤١٣؛ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب ٦/ ٤٠١. "بتصرف"
(٧) انظر: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل للحطاب ٦/ ٤٠٢ "بتصرف".
(٨) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة ٤/ ٥٢١؛ الحاوي الكبير للماوردي ٧/ ٣٤٩؛ المغني لابن قدامة ٤/ ١٨١.
[ ٦١ ]
• مناقشة الأدلة:
اعترض على أدلة القائلين بأن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم جائزة ويقتسما الربح بالآتي:
• ما استدللتم به من "أن ولي اليتيم كالأجنبي لا يملك المال .. الخ، و"أن للولي أن يدفع مال اليتيم مضاربة إلى غيره فمن باب أولى أن يضارب بنفسه" مردود:
بأن ولي اليتيم إذا دفع مال اليتيم مضاربة إلى غيره فإن العقد سيكون من عاقدين (الولي والعامل)، أما إذا ضارب الولي بنفسه فإن العقد يكون من طرف واحد وهو الولي (^١).
اعترض على أدلة القائلين بأن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم غير جائزة بالآتي:
• ما استدللتم به من أن: الولي بأخذه جزء من ربح المضاربة يكون قد أجر نفسه لليتيم مردود:
بأن الولي أخذ من ربح المضاربة جزاء عمله بها.
• ما استدللتم به من أن: سبب المنع مخافة أن يحابي الولي نفسه .. الخ مردود:
بأن الولي أؤتمن على مال اليتيم كله، فكيف نشكك في أمانته على جزء من المال؟
• الراجح:
الراجح - والله أعلم - هو ما ذهب إليه الحسن البصري ﵀ والحسن بن صالح، وإسحاق بن راهويه، ومذهب الحنفية، بأن مضاربة الولي بنفسه في مال اليتيم جائزة ويقتسما الربح، لقوة ما استدلوا عليه، ولا فرق بين الولي وغيره فيما فيه مصلحة اليتيم.
المضاربة في مال اليتيم في القانون السعودي:
• النص القانوني:
أصدرت المملكة العربية السعودية عدة أنظمة لرعاية أموال الأيتام والإشراف على الأوصياء فمن ذلك:
• جاء في التعميم رقم: ١٧٨/ ١٢/ت وتاريخه: ٢٢/ ٩/١٣٩٨ هـ:
"على القائم على شؤون القاصر ونحوه سواء كان من قبل الحاكم أو وصيًا من قبل الأب مراجعة القاضي في كل التصرفات التي يجريها في مال القاصر".
• جاء في وثيقة مسقط (^٢)
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير على متن المقنع لابن قدامة ٤/ ٥٢١؛ الحاوي الكبير للماوردي ٧/ ٣٤٩؛ المغني لابن قدامة ٤/ ١٨١. "بتصرف"
(٢) وثيقة مسقط هي قانون استرشادي للأحوال الشخصية في دول مجلس التعاون الخليجي، صدر عام ١٤١٧ هـ. مسقط: عاصمة سلطنة عمان، ومقر الحكومة وأكبر مدينة في محافظة مسقط، كانت ميناء بحري مهم ومنفذ بين الشرق والغرب، تقع على خليج عمان. انظر: خرائط قوقل، مسقط، استرجعت بتاريخ ١٢/ شوال /١٤٣٨ هـ من موقع https://goo.gl/Tq ١ BCC .
[ ٦٢ ]
للنظام (القانون) الموحد للأحوال الشخصية لدول مجلس التعاون الخليجي ١٤٢٢ ه - ٢٠٠١ م (^١):
في المادة ١٧٧:
يجب على الوصي إدارة أموال القاصر، ورعايتها، وعليه أن يبذل في ذلك من العناية ما يبذله في إدارة أموال أولاده.
في المادة ١٨٠:
لا يجوز للوصي القيام بالأعمال التالية إلا بإذن من الجهة المختصة، منها:
١. التصرف في أموال القاصر بالبيع، أو الشراء، أو المقايضة، أو الشركة، أو الرهن، أو أي نوع آخر من أنواع التصرفات الناقلة للملكية أو المرتبة لحق عيني.
٢. استثمار أموال القاصر لحسابه.
٣. إقراض أموال القاصر، وإقتراضها.
في المادة ١٨٢:
للوصي أن يطلب أجرة مقابل أعماله، وتحدد بدءا من يوم الطلب.
• جاء في نظام الهيئة العامة للولاية على أموال القاصرين الصادر يوم الاثنين ١٢/ ٣/١٤٢٧ ه:
في المادة الثانية:
تتولى الهيئة الولاية على الأموال التي لا حافظ لها حقيقة أو حكما (إلا الله ﷾) وتمارس من الاختصاصات مثل ما خول للولي أو الوصي أو القيم أو الوكيل أو الناظر، وعليها الواجبات المقررة عليهم (طبقا الأحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية) ولها على الأخص ما يأتي - منها _: الإشراف على تصرفات الأوصياء والقيمين والأولياء.
• التحليل الفقهي لنص القانون وعلاقته بالدراسة البحثية:
أولا: مما سبق من النصوص القانونية، يتضح أن القضاء السعودي حاول الجمع بين القولين، فسن قانونين لحماية مال اليتيم والحد من ضياعه:
أ- أن للوصي أن يتاجر بمال اليتيم بإذن القاضي وبما فيه مصلحة اليتيم.
_________________
(١) انظر: مجلة العدل، العدد (٤٧)، رجب ١٤٣١ هـ، ص: ٢٤٤.
[ ٦٣ ]
ب- إذا أراد الوصي أخذ أجرة على عمله أو جزءًا من الربح، فعليه أن يراجع الحاكم الشرعي، وهو ما ما تفتي به هيئة كبار العلماء (^١).
ثانيا: أن القانون السعودي حرص على مال اليتيم، ورأى أن المصلحة في الإشراف على الأوصياء، وبيان الأنسب والأصلح لمال اليتيم.
_________________
(١) انظر: فتاوى اللجنة الدائمة ١٤/ ٢٤٩؛ الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز، كتاب الوصايا، تحديد أجرة الموصي إليه، استرجعت بتاريخ ١٤/ ٧/١٤٣٧ هـ من موقع http://www.ibnbaz.org.sa/fatawa/2847
[ ٦٤ ]