في معاني القرآن لابن النحاس، وأحكام القرآن لإسماعيل القاضي، والسير لابن هشام وبعضهم يزيد على بعض في اللفظ: أن رسول الله ﷺ بعث عبد الله بن جحش الأسدي، وبعث معه رهطا من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار. قال في السير: ثمانية في رجب، وقال في الأحكام: في جمادى الآخرة لأنه ذكر أن قتل ابن الحضرمي وقع في آخر يوم من جمادى وأول يوم من رجب. ووقع في السير: في آخر رجب وأول شعبان. قال النحاس وإسماعيل: وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الحارث أو عبيدة بن الحارث، فلما ذهب لينطلق بكى صبابة إلى رسول الله ﷺ فبعث عبد الله بن جحش، وكتب له كتابا وأمره ألايقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا، ولا يستكره من أصحابه أحدا. قال في السير: ألايقرأه حتى يسير يومين. فلما سار يومين وقرأه إذا فيه: «إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم» . فلما قرأ الكتاب استرجع وقال: سمعا وطاعة، ثم قال لأصحابه: من أراد أن يسير معي سار، ومن أراد أن يرجع فليرجع فقد نهاني النبيّ ﷺ أن أستكره أحدا منكم.
قال إسماعيل القاضي والنحاس: فرجع منهم رجلان، وقال ابن هشام في السير: لم يرجع منهم أحد، إلا أنهم لما كانوا بموضع يقال له نجران فوق الفرع أضل منهم سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فتخلفا في طلبه ومضى عبد الله بن جحش ببقية أصحابه حتى نزلوا بنخلة حيث أمرهم رسول الله ﷺ، فمرت عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش وفيها عمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن عباد، ويقال مالك بن عباد أخو الصدف.
واسم الصدف عمرو بن مالك أخو السكون بن أشرس من كندة، ويقال كنانة، فتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب فقالوا: والله لئن تركناهم هذه الليلة ليدخلن الحرم وليمتنعن به منكم ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم وهابوا الإقدام عليهم. ثم أجمعوا على قتل من قدروا عليه، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستؤسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت من القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم، فأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، فلما قدموا عليه قال رسول الله ﷺ: «ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام» . فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فلما قال رسول الله ﷺ ذلك سقط في أيدي القوم،
[ ٢٨ ]
وظنوا أنهم قد هلكوا وعنفهم إخوانهم من المسلمين وقالت قريش قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدماء وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال. فقال من يرد عليهم من المسلمين: إنما أصابوا ذلك في شعبان. وقالت يهود: تفاءل بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله بن عمرو عمرت الحرب والحضرمي حضرت الحرب وواقد وقدت الحرب فجعل الله ذلك عليهم فلما أنزل الله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ [البقرة: الاية ٢١٧] . يعني أكبر من قتل ابن الحضرمي، والفتنة كفر بالله وعبادة الأوثان أكبر من هذا كله ففرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الإشفاق، وقبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ: «لا نفديكموهما حتى يقدما صاحبانا» يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان «فإنا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم»، فقدم سعد وعتبة ففاداهما رسول الله ﷺ منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن إسلامه وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل ببئر معونة، وأما عثمان فلحق بمكة ومات كافرا. ووقع في الهداية لمكي وغيرها وكان هذا أول قتال وقع بين المسلمين والكفار وأول غنيمة غنمت وأول قتيل قتل من الكفار «١» .
ووقع أيضا في الأحكام لإسماعيل أنه أول قتيل قتل من المشركين. وذكر مكي: أن ابن وهب روى أن النبيّ ﷺ ردّ الغنيمة، وودى القتيل. وكان ذلك بعد الهجرة بأربعة عشر شهرا.
قال إسماعيل القاضي: وفي إرسال النبيّ ﷺ عبد الله بن جحش بكتاب مختوم وأمره أن لا يقرأه إلا بعد يومين من الفقه إجازة الشهادة على وصية مطبوعة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وروي عن الحسن أنه لم يجز الشهادة على وصية كتاب مطبوع وقال: لعل فيه جورا.